في بلد يصرّ على التعامل مع الإنسان كرقم في خانة النفوس، أو كهوية مطبوعة على ورقة قديمة، خرج حكم نادر من المحكمة الابتدائية في جبل لبنان، الناظرة في دعاوى الجنسية برئاسة القاضي يحيى غبورة، ليعيد الاعتبار لفكرة بديهية، الإنسان كيان قبل أن يكون رقماً أو ورقة. وصدر عن القاضي حكم منح بموجبه سيدة مكتومة القيد الجنسية اللبنانية، ليعيد ويفتح الباب لقضية مماثلة متعلقة بحق المرأة اللبنانية في منح الجنسية لأولادها وزوجها الأجنبي.
القرار، الذي منح امرأة مكتومة القيد الجنسية اللبنانية، بدا كأنه يعيد تصويب شيء عالق منذ عقود. فالمرأة، التي تعيش في لبنان منذ وُلدت، وأمّ لأربعة أولاد أكبرهم يبلغ الرابعة والعشرين، قضت سنوات طويلة متأرجحة بين وجود فعليّ في الحياة اليومية وغياب قانوني كامل. غير مسجلة، بلا هوية، بلا أوراق، وبلا اعتراف رسمي بأنّها… موجودة.
ورغم زواجها منذ أكثر من عشرين عاماً، ورغم بنائها حياة كاملة في لبنان، لم تكن قادرة على الحصول على جنسية البلد الذي تنتمي إليه فعلاً. ومع ذلك، تابعت مسيرتها بإصرار. وعلى خلاف كثيرين ممن يتعبون في منتصف الطريق، تمسّكت بحقّها حتى النهاية، وانتزعت اعترافاً تأخّر كثيرا.
بين محكمتين: تذبذب الاجتهاد
القرار ليس الأول من نوعه، لكن تعليله هو الجديد والمهم. فمحكمة بيروت الناظرة في دعاوى الأحوال الشخصية سبق أن منحت الجنسية في حالات مشابهة. أمّا محكمة بعبدا فلم تكن تمنحها، مصرّة على المرور في سلسلة من الشروط الشكلية: امرأة أجنبية، تسجيل الزواج، ثم فتح الطريق نحو منح الجنسية للزوجة. لكن قرار غبورة قدّم مقاربة مختلفة "بالأصل، الإنسان مفروض يكون عنده جنسية".
هذا التعليل يختصر فلسفة كاملة في الحقوق. فالإنسان في المفهوم القانوني العالمي يجب أن يكون منسوباً إلى كيان سياسي ما. وهذا ليس امتيازا. إنه حق طبيعي.
فجوة قانونية تتحول إلى مأساة اجتماعية
قضية هذه المرأة ليست استثناء. هناك مجموعة كبيرة من المقيمين في لبنان بلا قيود، مكتومو القيد، وأشخاص لم تُستكمل ملفاتهم بعد الانتداب، وأجيال كاملة ورثت انعدام الجنسية من جدّ أو جدّة لم يُسجّل اسمه ذات يوم. هؤلاء يعيشون في الظل، لا يذهبون إلى مدارس رسمية، لا يتوظفون، لا يملكون حسابًا مصرفيًا، ولا يستطيعون حتى إثبات أعمارهم.
هنا تتقدم المحكمة خطوة إضافية: لا يمكن للدولة أن تعاقب فرداً لأنّ أهله قبل عقود وربما قرن لم يسجلوه، أو لأنّ البلاد تغيّرت حدودها وأنظمتها بعد انهيار السلطنة العثمانية، وبقيت آلاف العائلات معلّقة في الهواء. هناك أشخاص عاشوا وماتوا هنا بلا جواز سفر ولا رقم سجل، فقط لأن الإدارات تغيّرت والناس لم تكن تعرف ماذا تفعل.
الوجه الآخر للأزمة: المرأة اللبنانية
لكن وسط هذا كله، يطلّ سؤال أكبر وأثقل: حرمان المرأة اللبنانية من منح جنسيتها لأولادها؟
فالمرأة اللبنانية التي تتزوج أجنبيًا، وأم لأولاد يعيشون في لبنان، يدرسون هنا، يعملون هنا، وينتمون فعلياً لهذا المجتمع. ومع ذلك، يبقون معلّقين بوضع قانوني هشّ، يتنقلون بين إقامات وأذونات و"مزاجيات" إدارات.
هل المطلوب من المرأة أن "تثبت" جدارتها أو "نواياها" كما جرى في حالة مكتومة القيد؟ وهل الزواج يجب أن يظل محطّ شكّ أو اختبار؟
الجنسية لرئيس الفيفا
القصة هنا ليست قصة وثيقة جنسية. إنها قصة امرأة رفضت أن تختفي في ثقب السجلات الرسمية. قصة معاناة طويلة انتهت بقرار جريء، قد يتحول إلى مرجع حقوقي-قانوني للكثيرات ممن ما زلن عالقات بين جنسيتين أو بلا أي جنسية. واللافت أنّ المحكمة لم تنظر إلى زواجها كصفقة للحصول على الجنسية، بل كحياة كاملة مبنية على الشراكة.
لكن مفارقة حق المرأة اللبنانية في منح الجنسية لزوجها وأولادها بدت أكثر فجاجة من أي وقت مضى، عقب قرار رئيس الجمهورية جوزاف عون منح الجنسية اللبنانية لرئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم جياني إنفانتينو. أتى قرار عون اليوم سلسلاً وممهوراً بابتسامات رسمية وصور تذكارية في قصر بعبدا، على اعتبار أن زوجة رئيس الفيفا لينا الأشقر لبنانية. أما آلاف النساء اللبنانيات فمحرومات من هذا الحق الطبيعي. فتظهر الهوّة الحقيقية للجنسية اللبنانية التي تمنح كهدية سياسية لأصحاب النفوذ والمشاهير، فيما تُحجب عن آلاف النساء العاديات.
في المقابل لم يكن قرار القاضي غبورة مجرّد انتصار قانوني. إنه اعتراف متأخر بإنسانية أشخاص عاشوا لعقود بلا اسم معترف به. لكنه أيضاً صفعة خفيفة على وجه نظام قانوني، ما زال ينظر إلى المرأة اللبنانية كمواطنة "ناقصة الأهلية" في نقل جنسيتها.
ربما لا يغيّر القرار قوانين الجنسية غدًا. لكنه بالتأكيد يوسّع هامش العدالة، ويقول شيئاً بديهياً كان غائبًا: الإنسان ليس خيارًا إداريًا. هو بداية كل شيء.
