الذكاء الاصطناعي يقتحمنا من حلاقة الشعر إلى العلاقة الحميمة

نغم ربيعالاثنين 2025/11/24
Image-1763821296
"استخدمتُه بدافع الفضول لكن عندما وصلني رده الأول شعرت كأنني أتحدث إلى إنسان (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد ضيف خفيف الظل في حياتنا. صار جزءاً من الأثاث اليومي، مثل الهاتف والمفتاح وفنجان القهوة الصباحي. شيء هناك، حاضر دائماً، لا نلاحظ وجوده إلا عندما ينقطع… فنرتبك.

دخل الذكاء الاصطناعي إلى كل زاوية من زوايا يومنا: من العمل إلى الدراسة، فالدردشة والمؤانسة. وصار عند البعض "شريك حياة بديلاً"، وعند آخرين "مستشاراً لا يملّ منه"، وعند فئة كبيرة "طبيباً نفسياً تحت الطلب"، يكفي أن تكتب له جملة عن الانزعاج أو المشكلة النفسية التي تعانيها، ليغدق عليك، وبودّ كامل، بكلام لم تسمعه من أقرب الناس.

 

"كأنه إنسان"

سوزان، الستينية التي اعتادت العيش منفردة، جرّبت الذكاء الاصطناعي للمرّة الأولى عندما أصبح متاحاً عبر تطبيق واتساب. تقول: "استخدمتُه بدافع الفضول. لكن عندما وصلني ردّه الأول، شعرت كأنني أتحدث إلى إنسان". وأضافت: "أمضي وقتاً طويلاً وحدي… أشعر بالملل، فأجده أنيساً يملأ الفراغ".

لا هي تبحث عن أجوبة معقّدة، ولا تطلُب نصائح مصيرية. تريد فقط صوتاً يجاوبها بلا ضجر. وهذا بحدّ ذاته كاف، تختم حديثها.

 

مصمم المظهر

في أحد صالونات الحلاقة، حيث تختلط قصّات الذقن بصبغات الشعر، وقع مشهد يلخّص هذا التحوّل الجديد في علاقتنا بالتقنية الجديدة. دخل زبون يحمل هاتفه بثقة من اعتاد على الإجابة الجاهزة، ووقف أمام الحلاق قائلاً: "أريد قصّة شعر مماثلة لهذه الصورة… صنعها لي تشات جي بي تي".

بذل الحلاق ما أمكنه بقصة الشعر لتلبية طلبه لتكون مثل الصورة قدر المستطاع. وحين انتهى الرجل من تفحّص ملامحه في المرآة، شكر الحلاق، وأضاف ببرودة الواثق من نفسه ومن آلته في يده: "سألتقط صورة الآن، وأرسلها لتشات جي بي تي… ليرى إن كانت النتيجة ناجحة".

وهكذا خرج الزبون إلى عتبة الصالون، التقط "سيلفي" سريعة، وأرسلها إلى الذكاء الاصطناعي، كأنّ الحكم الحقيقي على مظهره لم يعد للعين البشرية، بل للخوارزمية التي باتت صاحبة القول الفصل في قصة شعره وذقنه.

 

مستشار في الحب

آخرون ذهبوا أبعد من حدود الأسئلة العامة، وصار الذكاء الاصطناعي بالنسبة إليهم أشبه بوسيط عاطفي يراقب نبض علاقتهم بالشريك. فحين يلتبس عليهم موقف من الشريك، أو يتردّدون في فهم جملة غامضة أو نبرة غير مألوفة، يسألون الذكاء الاصطناعي: "ماذا كان يقصد؟ هل هو غاضب؟ هل يجب أن أردّ الآن أم أنتظر؟"

تقول آلاء، التي رفضت ذكر اسم عائلتها: "أستعين به كصديق حكيم لا يملّ من التحليل". وتضيف: "حين تحتدم الخلافات بيني وبين شريكي، يصبح هو المترجم الرسمي لمشاعرنا".

تلجأ آلاء إلى الذكاء الاصطناعي ليصوغ لها رسائل اعتذار، ويقترح عبارات ناضجة لم تعتَد قولها، ويمنحها شجاعة التعبير عن أمور ظلّت مكبوتة لسنوات، على حدّ وصفها، نتيجة عدم معرفتها كيف تعبّر عنها بوضوح.

في المقابل، يذهب بعضهم إلى حدّ طلب "رأي محايد" من الذكاء الاصطناعي قبل أي نقاش جدّي، أسئلة مثل "هل ما أشعر به غيرة أم مبالغة؟"، "هل تصرّف الشريك مقبول أم مؤذٍ؟"، و "هل أستمرّ في العلاقة أم أبتعد قليلاً؟".

 

مساعد دراسي وعملي

وفي مكان آخر، تتعامل ريان، طالبة جامعية في اختصاص إدارة الأعمال، مع الذكاء الاصطناعي بوصفه مساعداً دراسياً دائماً. تكتب تقاريرها بمساعدته، وتدقّق أبحاثها معه، وتراجع المراجع والملاحظات اعتماداً على إرشاداته. تقول: "لا أشعر أنه آلة… بل أراه زميلاً أكثر تفوّقاً منّي".

أمّا سامي، الموظّف في قطاع التسويق، فيعتبره "أكثر زميل يعمل بلا تذمّر". يوكل إليه ترتيب البريد الإلكتروني، ويعدّ معه العروض، ويستشيره في أي فكرة جديدة. حتى إنه على سبيل المزاح الذي تحوّل إلى نصف حقيقة يقول عنه: "ممتاز… لكنّه يحتاج إلى زيادة في الراتب".

المفارقة أن كل شخص بات يتصرّف وكأن الذكاء الاصطناعي خُلق خصيصا له. كل واحد يعطيه دوراً: صديق، مستشار، معلّم، مرآة، أو ببساطة… مُنصت جيّد لا يقاطع.

لم نعد نتعامل مع التكنولوجيا كأداة، بل ككائن ثالث بيننا وبين العالم. كأننا نعيد تشكيل علاقتنا بأنفسنا من خلاله. ومن المؤكد أن الذكاء الاصطناعي سيكبر ويتمدّد أكثر… لكن السؤال الحقيقي، هل سنعرف أين نتوقّف؟

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث