تحوّلت نزلة أرض جلول في صبرا من مجرد طريق فرعي، إلى بؤرة وبائية تهدّد الصحة العامة والأمن. بين جلود الذبائح وأكوام النفايات المشتعلة، تقف بلدية بيروت شاهدة على انهيار حضري مُعلن، وكأن المنطقة أُزيلت عن خريطة العاصمة وسُّلمت لقوانين الفوضى.
لم تعد النزلة مجرد منحدر إسفلتي يربط الملعب بالحي، بل أصبحت نموذجًا حيًا للإهمال المتعمّد الذي يضرب قلب بيروت. المشهد اليومي خليط سامّ من الأمراض والروائح الكريهة، إضافة إلى تهديدات أمنية وصحية مستمرة. وفي ظل غياب الرقابة البلدية، يبدو أنه لا قانون في الشارع سوى الفوضى نفسها.
"مجزرة الفجر" على الأسفلت
مع حلول الخامسة فجراً، ينتشر اللحامون في مسالخ ومحال عشوائية، ليصبح الأسفلت مستودعًا موقتًا للأحشاء والجلود وبقايا الذبائح. الرائحة تخترق المنازل المجاورة، وتمتد أحيانًا إلى مناطق أبعد مثل منطقة الدنا، في مؤشّر واضح إلى حجم التلوّث العضوي. أحد سكان الحي يقول لـ"المدن": "يكفي ما يحدث لإصابة أي مارّ بالغثيان والاشمئزاز… المنطقة بلا بلدية ولا رقابة، والفوضى تصل إلى ذروتها مع نهاية الأسبوع".
تراكم النفايات والحرق العشوائي
تراكم النفايات المنزلية والتجارية على جانبي الطريق ليس مجرد إزعاج بصري، بل قنبلة موقوتة تفجر الأوبئة والروائح الكريهة بفعل التحلل تحت الشمس والرطوبة. وأمام غياب عمال النظافة، لجأ الأهالي إلى حلول بدائية، من رش الملح لطرد الحشرات، وسط شعور بتخلّي البلديات عنهم. ويضيف أحدهم: "الشارع لا يُنظف إطلاقًا، وكأننا مواطنون من الدرجة العاشرة… اشتكينا مرارًا، ولكن بلا جدوى".
أما ذروة الفوضى فتظهر يوم الأحد، حين يتحوّل الشارع إلى سوق غير نظامية واسعة ، يحتلها بائعون يفرشون كل ما يمكن تخيّله، من أدوات صحية إلى هواتف مستعملة وقطع كهربائية. جزء كبير من البضائع يُحصَد من حاويات النفايات، في مشهد يعكس تدهورًا اقتصاديًا وصحيًا واجتماعيًا متكاملًا. شهود عيان أكدوا لـ"المدن" أن بعض الباعة يبيعون مواد ممنوعة أو سلعاً مهربة، في ظاهرة تثير قلق الأهالي من تحوّل السوق إلى ستار لأنشطة غير قانونية.
على الرغم من البيانات الرسمية الصادرة عن بلدية بيروت والمحافظ، يؤكد الأهالي استمرار الفوضى والحرائق، فيما يقتصر دور البلدية على إصدار البيانات، من دون تحرك فعلي على الأرض. يقول أحد السكان: "شُرفتي مغلقة منذ أشهر، الرائحة المميتة تجعل فتح النافذة مجرد حلم مستحيل… نحن نعيش فوق مكبّ قمامة وليس في شارع ضمن العاصمة".
بين بلدية بيروت وبلدية الغبيري
عضو بلدية بيروت المحامي محمد بالوظة أوضح لـ"المدن" أن الوضع معقد ويحتاج إلى تنسيق بين بلدية بيروت وبلدية الغبيري. وقال: "المنطقة متداخلة، والنفايات ليست كلّها من مسؤوليتنا، لكنها تراكمت على الأرض. نحن مستعدون لإزالتها بالتنسيق مع الجهات المختصة".
وأشار بالوظة إلى ضرورة تعاون كل من يعنيه الأمر لتسهيل إزالة النفايات، ونقلها إلى المكان المخصص لها، إذ إنّها لا تحتاج إلى طمر إضافي. لكنه شدد على أن المشكلة تتعدى النفايات لتشمل السوق العشوائية التي تظهر يوم الأحد وتبيع أحيانًا مواد ممنوعة، ما يتطلب تدخل القوى الأمنية. فـ"دور البلدية وحده لا يكفي. ومن الأكيد أن السوق ستزال، ولكن الأمر بحاجة لترتيبات أمنية منعاً لأي صدام"، كما قال.
وأضاف بالوظة أن هناك خطة واضحة للتعامل مع الوضع. وسيعقد اجتماع مع بلدية الغبيري، لكن لم يُحدد الموعد بسبب انشغال البلدية. ووفق بالوظة "الهدف هو الوصول إلى نتيجة واضحة بشأن إزالة النفايات وتنظيم السوق، بالتعاون الكامل بين بلدية بيروت وبلدية الغبيري".
وأوضح أن الإشكالية الأساسية تكمن في الإهمال السابق ونقص الموظفين المكلفين في بلدية بيروت بالمتابعة على الأرض: "الإدارة تواجه صعوبات بسبب نقص المراقبين، وهذا سبب استمرار المشكلة. سنقوم بدوريات مشتركة وننسّق مع بلدية الغبيري والقوى الأمنية لضمان تطبيق القانون وإزالة المخالفات".
الغبيري تتنصّل من السوق
من جانبه، أوضح رئيس بلدية الغبيري أحمد الخنسا أنّ مسألة تراكم النفايات في محيط دوّار شاتيلا معظمها لا تقع ضمن نطاق مسؤولية بلدية الغبيري، بل يقع قسم منها ضمن حدود بلدية بيروت. وشدّد على أنّ الفاصل بين المنطقتين يصل إلى نحو عشرين أو ثلاثين متراً. لذلك، لا يمكن لبلدية الغبيري التدخّل مباشرة في إزالة النفايات.
وحول سوق الأحد، نفى الخنسا بشكل قاطع وقوعها ضمن نطاق الغبيري، أو أن تكون هناك أقسام مشتركة بين البلديتين في منطقة أرض جلول، موضحاً أنّ الحديث عن "مناطق مشتركة" غير دقيق، بل المسألة تنحصر بحدود واضحة يجب الالتزام بها من جهة شاتيلا والرحاب.
وأضاف أنّ البلدية مستعدة لإزالة أي تعدٍّ أو سوق غير مرخّصة داخل نطاقها، لكنّ السوق الحالية تقع ضمن مسؤولية بلدية بيروت. أما بالنسبة إلى مكبّات النفايات، فأكد وجود أحياء متداخلة حدودياً تتكرر فيها المشاكل، إذ تشهد بعض النقاط رمي نفايات مصدرها سكان من الجانبين.
وكشف الخنسا أنّ الأسبوع المقبل سيشهد جولة ميدانية في منطقة صبرا لدرس إمكان تحسين توزيع الحاويات، لافتاً إلى أنّ بعض المكبّات تُستخدم لرمي مخلفات غير منزلية مثل الخشب والأثاث والالكترونيات، وهو ما يستدعي مراقبة دائمة. وأعلن أنّ البلدية ستعمل على تركيب كاميرات عند مختلف المكبّات لضبط المخالفين، إضافة إلى وضع موظفين ثابتين في بعض المواقع لمنع إلقاء أي نوع من النفايات غير المسموح بها.
وتطرّق إلى ملف مخلفات اللحوم وجلود الحيوانات التي غالياً ما تُرمى عشوائياً، موضحاً أنّ مراقبين من بلدية الغبيري نفّذوا جولة في سوق اللحوم في نهاية شارع الرحاب لمعالجة هذه المشكلة، مؤكداً أنّ مصدر هذه المخالفات يعود إلى مناطق ضمن بيروت وليس ضمن الغبيري.
وشدّد الخنسا على أنّ الأزمة ليست بسيطة، خصوصاً في ظل الكثافة السكانية العالية والضغط اليومي على الخدمات، وأنّ الحل يتطلب متابعة مشتركة وتنسيقاً جدياً بين البلديتين. واعتبر أنّ البلدية تعمل بإمكاناتها وضمن صلاحياتها، لكنها لا تستطيع التدخل خارج نطاقها القانوني، داعياً إلى شراكة واقعية مع بلدية بيروت لمعالجة هذه النقاط الحدودية الحساسة التي تؤثر على حياة السكان في الجهتين.
تجدر الإشارة إلى أن محافظ بيروت القاضي مروان عبود عقد اجتماعاً مشتركاً مع البلديتين لمواجهة هذه المشكلة يوم الجمعة في 21 تشرين الثاني. وأسفر الاجتماع عن قرار مشترك يمنع منعاً باتاً الذبح في الملاحم وتسيير دوريات مشتركة من فوج حرس بيروت وبلدية الغبيري لحجز الدراجات الآلية والعربات المستخدمة في نقل هذه المخالفات.
كما جرى التشديد على منع دخول مركبات نقل النفايات وبقايا اللحوم إلى مكبّي أرض جلول والأستديو، إضافة إلى تنظيم أوقات رمي النفايات العامة للمؤسسات بين الساعة 8:00 مساءً و 12:00 فجراً تحت طائلة تسطير محاضر الضبط.
