رغم مرور عام على سقوط نظام الأسد وتسلّم الإدارة الجديدة زمام الأمور،لا تشكل النقابات المختلفة ملاذاً للعمال للمطالبة بحقوقهم، وهي لم تستعد ثقتهم، لا سيما أنّ مجالسها التنفيذية بقيت بالتعيين ولم تجرِ فيها أي انتخابات. والسؤال المطروح: هل يمكن للعمل النقابي تشكيل قاطرةً للإصلاح المدني والديمقراطي، أو أن يكون
بديلاً عن الفراغ السياسي القائم؟
"المدن" استطلعت آراء عدد من النقابيين حول تعيين مجالس النقابات أو انتخابها. وثمة انقسام بين رأيين. فريق يرى أنّ الانتخابات ليست حاجةً ضروريةً حالياً، ومن المبكر الحديث عنها. بالمقابل يرى فريق آخر أنّها ضرورية وحتمية، وأنّها إذا قامت في بيئة سليمة فيمكن أن تكون مفتاحاً لحلول مجتمعية وسياسية في هذا الوقت.
حاجة للإصلاح الجذري
تؤكد المهندسة أميرة حويجة، عضو في نقابة المهندسين، أن العمل النقابي بحاجة إلى إصلاح جذري، فالعهد السابق صادر النقابات وكادت أن تكون جزءاً من الأجهزة الأمنية، وكان يصل إلى سدّة القرار أشخاص يوالون السلطة.
وتبدي حويجة أسفها لعدم وجود أي شكل من أشكال الإصلاح بعد سنة من التغيير تقريباً، ولفكرة "اللون الواحد" في القيادة النقابية، فالتعيين من جهة واحدة (سياسي أو إيديولوجي) هو "ضربة للنقابيين"، مشددةً على ضرورة الاتفاق على قوانين جديدة تنظّم العمل النقابي وعلاقته بالسلطة.
كما تنتقد حويجة الخطاب "الاستعلائي" لبعض القيادات النقابية المعينة، ما يزيد ابتعاد المهندسين عن النقابة، وتقول: "لكي تستطيع النقابات التأثير في المجتمع، يجب أن يكون جسدها سليماً، وقيادتها مستجيبة لاحتياجات النقابيين، مع وجود بيئة تشريعية ديمقراطية وملائمة للإصلاح".
التعيينات مرحلة أوليّة
رهادة عبدوش، عضو نقابة المحامين المركزية تعتبر التعيينَ مرحلةً انتقالية قصيرةً وضروريةً لأنّ البيئة غير مؤاتية للانتخابات بسبب شطب النظام السابق لزملاء لأسباب أمنية. وهناك حاجة إلى شطب محامين آخرين بسبب تورطهم في الجرائم. وستتلوها مرحلة الانتخابات الحرة "بعيداً عن أي أيديولوجيا أو توجّه"، ويجب خلالها تغيير قانون تنظيم المهنة والنظام الداخلي الذي كان مرتبطاً بشكل كبير بحزب البعث وأحزاب الجبهة.
وتشير عبدوش الناشطة في قضايا وحقوق الإنسان، إلى أنّها المرة الأولى في تاريخ سوريا التي يعيّن ثلاث محاميات في النقابة المركزية، مؤكدة أن وجودهن ليس شكلياً بل أساسياً في جميع اللجان.
التغوّل الأمني السابق مبرر للتعيينات
بدوره يشير الخبير الحقوقي المحامي عارف الشعّال إلى أنّ تغوّل الجهاز الأمني والحزب الحاكم على النقابات والاتحادات خلال حقبتي الأسد، جعل منتسبي النقابات والإدارات المهنية يستقبلون بتفهم إجراءات الإدارة الجديدة التي أزالت القيادات النقابية البعثية وعيّنت بدائل موالية لها.
ويؤكد الشعّال أنّ العمل النقابي لم يعد رفاهيةً بعد الثورة؛ بل هو عامل محوري لتحقيق العدالة الاقتصادية، وحماية منتسبي النقابات، وتقوية مؤسسات مدنية قادرة على ضمان انتقال سلمي ومستدام نحو دولة مدنية، موضحاً بأنّه يقع على عاتق المجتمع المدني مسؤولية ملء الفراغ الذي خلّفه سقوط النظام بعد أن تركت عقود الاستبداد والقمع مجتمعاً مصغّراً سياسياً ومدنياً.
النقابات شريكة للحكومة
واعتبر الشعال أن تقدم الدول والمجتمعات يقاس بمدى اتساع مساحة نشاط المجتمع المدني، وبقدرته على حفظها وتنميتها داخل الفضاء العام، كما يُقاس ذلك أيضاً بقدرة المجتمع المدني الخلّاق على ملء هذا الفضاء بمساهمات فعّالة وقيم مضافة متنامية اجتماعياً وثقافياً وسياسياً، وبنجاحه في التوسط بين المصالح الاجتماعية والنقابية المختلفة، وجهات صنع القرار.
ويوضح الشعّال أنّه نظراً لهشاشة المجتمع السوري وتنامي الانقسامات الطائفية والعرقية والمناطقية نتيجة سنوات الحرب الطويلة، فإن إعادة التشكّل السياسي عبر أحزاب وتيارات يتطلب وقتاً طويلاً، لذلك يبرز المجتمع المدني، وعلى رأسه النقابات المهنية، كقاطرة تعبّر عن إرادة الناس وتطلعاتها وتعمل على تمثيلها إلى حدّ ما في هذه المرحلة.
افتقار للكفاءة الإدارية حالياً
وحول الكفاءة التي تتمتع بها الأسماء المعينة وطريقة إدارتهم للنقابات حالياً، بيّن الشعّال أنّ الكثير من النقابيين القائمين المعينين يتمتعون بماضٍ ثوري ناصع، ولكن غالبيتهم يفتقرون للكفاءة الإدارية المطلوبة لقيادة نقابات قادرة على الخروج من روتين العمل اليومي، وإدارة إصلاحات بنيوية وهيكلية جوهرية، أهمها إصلاح الأطر التشريعية لأنظمة النقابات لتتوافق مع روح الثورة وتضمن حريتها واستقلالها، وفقاً لرأي الشعال.
ولا شك أنّ الانتخابات الديمقراطية تمنح الشرعية المطلوبة للقادة النقابيين، لكن يرى الشعال أن إجراء انتخابات نقابية الآن (على مستوى نقابة المحامين على الأقل) سابق لأوانه قبل أن تُنجز إصلاحات الأنظمة وهياكل النقابة، وتنظيم جدول المحامين، بعد عقود من سلب إرادة المحامين عبر انتخابات شكلية مزوّرة كانت تأتي بأشخاص يعتبرون أدوات بيد الأجهزة الأمنية والحزبية التي استهدفت المحامين المعارضين للنظام السابق.
الدور المطلبي والتحدي المدني
شهدت سوريا مؤخراً تزايداً في تشكّل الحركات المدنية في مدن رئيسية مثل دمشق وحمص واللاذقية، في استجابة مباشرة للفراغ الناتج عن "التدمير السياسي" الذي مارسه نظام الأسد، حسب تعبير الطبيب النفسي د. جلال نوفل. ويضيف أنه عندما قررت نقابات الأطباء والمحامين والمهندسين الوقوف مع الحراك الديمقراطي في البلاد عام 1980 كان رد النظام، بقيادة حافظ الأسد، قاسياً حيث حلّ النقابات القائمة وأعاد تشكيلها بنقابات جديدة مُعيّنة، وجرى اعتقال جماعي لأعضاء النقابات المعارضة، حيث قضى معظمهم أكثر من 10 سنوات في السجون.
التاريخ النقابيّ بدأ قبل البعث والأسد
وحول ربط التاريخ النقابي بحقبةٍ تاريخية محددة يذكّر الدكتور نوفل بأنّ الكثير من النقابات أنشئت قبل الاستقلال، كنقابات المهندسين والأطباء والعمال، وكانت تُعرف بدورها المهني المطلبي والدفاع عن حقوق أعضائها، بل شاركت مراراً في نشاطات سياسية مسجلة في تاريخ الحركة النقابية السورية، ثمّ حوّلها البعث رسمياً إلى أجهزة مُلحقة بالحزب ودمج شعاراته وأهدافه (الوحدة والحرية والاشتراكية) في صميم قوانينها وأنظمتها لتصبح في حكم "المنظمات الرديفة" له، وتم تحييد حتى اتحاد نقابات العمال العريق بنفس الطريقة في الستينات والسبعينات.
ويشير د. نوفل إلى أنّ الغريب الآن أنّ بعض الشخصيات التي عارضت سابقاً هذا القمع، تطالب اليوم بألا تكون النقابات مسيّسة، في مفارقة تاريخية لافتة.
الطريق لاستعادة الشرعية والدور
ويؤكد الدكتور نوفل ضرورة إعادة إحياء النقابات على أسس جديدة تختلف جذرياً عما كان سائداً، بدءاً من المطلب الأساسي وهو عدم تحزيب النقابات، أي ضمان ألا تكون أجهزة رديفة أو مُلحقة لأي حزب سياسي، كما كان الحال مع البعث أو الأحزاب الشيوعية في الماضي. فالنقابات يجب أن تُستعاد كفضاء عام للدفاع عن حقوق أعضائها.
ويشير نوفل إلى أنّه لا يمكن للنقابات أن تكتسب شرعيتها التاريخية والمنطقية دون ترسيخ الحريات المدنية والسياسية مجتمعةً، والتي تشمل حرية التجمع، والتعبير، والتظاهر، والإضراب، بشكل يمكنها من لعب دور سياسي مدني في المرحلة الراهنة، ويُعيد للناس القدرة على التعبير والتجمع.
وحول الانتخابات وخطر التعيين أو استبدال الأشخاص المنتخبين، حسب تعبيره، يشدد نوفل على ضرورة العودة إلى انتخابات نزيهة وحقيقية، وهذا يتطلب إجراءات تشريعية جذرية وتعديل قوانين الانتخابات النقابية وقانون الجمعيات والتجمع القديم -(من الستينيات)- الذي يتميز بطبيعة أمنية تتدخل في اجتماعات الجمعيات ومراقبتها المالية، لأنّ تغيير هذه القوانين يمنح النقابات الصفة التمثيلية ويُعيد لها مشروعية أداء دورها.
الصحفيون يتطلعون لانتخابات شفافة
اتحاد الصحفيين كغيره من المنظمات المدنية يشهد مرحلة إعادة تنظيم شاملة بعد التحرير، حيث تم حلّ المؤتمر العام وكافة المكاتب التابعة له، وتكليف لجنة من سبعة أعضاء لإدارة المرحلة الانتقالية وضبط العمل النقابي، كما أشار الصحفي والعضو السابق في اتحاد صحفيي ريف دمشق وديع الشماس.
ويوضّح الشماس بأنّ الصحفيين اليوم يتطلعون إلى إجراء انتخابات حرة وشفافة تعيد الشرعية التمثيلية للاتحاد، ما يتطلب تعديل بعض القوانين الناظمة لعمله بهدف منع التعيين وفرض الأسماء وضمان آليات ديمقراطية واضحة في اختيار الممثلين، إذ إن إعادة بناء اتحاد الصحفيين على أسس مهنية وقانونية راسخة تشكل فرصة حقيقية لتطوير العمل النقابي وتعزيز دور الاتحاد كمنظمة مستقلة تخدم الصحفيين وتحمي حقوقهم.
في غياب الحراك السياسي
يؤكد إبراهيم عواد، أمين سر اللجنة المركزية لحزب الاتحاد الاشتراكي العربي الديمقراطي في سوريا، أن العمل النقابي يواجه تحديات كبيرة بسبب الضغوط والقيود المفروضة على حرية التنظيم وتراجع الثقة نتيجة التجارب السلبية السابقة.
ويدعو إبراهيم النقابات إلى إعادة تقييم دورها، مع التركيز على تعزيز الحوار الاجتماعي بين العمال وأرباب العمل، ولعب دور فعال في ضمان حقوق العمال أثناء مرحلة إعادة الإعمار والتنمية، ومواجهة التحديات المجتمعية ببرامج دعم وتدريب للعمال، خاصة الشباب والنساء.
بدوره رأى ممثل الحزب الدستوري السوري (حدْس) عمر المختار ونوس أن العمل النقابي ليس ترفًا بل أداة لإعادة بناء المجال العام وترميم النسيج الاجتماعي. وينبغي أن يكون له دور حيوي في النضال من أجل ترسيخ مفاهيم الديمقراطية، المواطنة، التنمية، والسلام، كما يركز على بناء الثقة بين المواطنين من خلال الانتماء المهني للنقابة الذي يمثل مساحة حيادية مشتركة تلتقي فيها الفئات المختلفة بعيداً عن الانقسام الطائفي أو الإثني أو السياسي، وإعادة تنظيم الاقتصاد والعمل بتنظيم القوى العاملة، وضمان حقوقها، والضغط باتجاه سياسات اقتصادية عادلة.
وأكد ونوس ضرورة إرساء ثقافة المشاركة والديمقراطية من خلال (التداول، الحوار، التصويت، واحترام القوانين)، إلى جانب الضغط من أجل العدالة الاجتماعية وإعادة توزيع الموارد وتقليص الفجوة الطبقية التي عمّقها اقتصاد الحرب، ومواجهة الاقتصاد الفصائلي بإعادة الاعتبار لمفهوم الشرعية المدنية والمؤسساتية عبر الدفاع عن العمل المنظم ومقاومة أنماط التشغيل القائمة على الولاء الفصائلي.
وأضاف أنّ تفعيل دور النقابات من شأنه أن يساهم في المصالحة الوطنية، بخطابها الوطني الجامع وتنظيم مبادرات مهنية مشتركة والدفاع عن مبدأ المساواة في فرص العمل، وكذلك المشاركة في صياغة العقد الاجتماعي الجديد كممثلة للفئات المنتجة في الحوار الوطني حول الدستور والحقوق الاقتصادية والاجتماعية.
تشير الآراء المختلفة السابقة إلى أنّ العمل النقابي في سوريا، رغم التحديات الهائلة وإرث الاستبداد والسيطرة، يمتلك إمكانية هائلة ليصبح قوة دافعةً للإصلاح. فهو على حد تعبير نوفل: "ليس بديلاً مباشراً للسياسة، بل مقدمة ضرورية لتأهيل المجتمع وبناء المؤسسات المدنية القوية والمستقلة، التي لا غنى عنها في أي مسار ديمقراطي". وويؤكد أن "هناك تناسب طردي بين إنضاج المجتمع المدني وإنضاج الحركة السياسية فكلما نضج العمل المدني، كانت الحركة السياسية الناتجة أكثر نضجاً ومناعة ضد ضيق الأفق الحزبي الذي تعاني منه الأحزاب في سوريا". لذا فإنّ استعادة الدور المطلبي والسياسي للنقابات أمر حيوي لتعافي الحركة المدنية ككل.
