قضى العدوان الإسرائيلي على النسيج التاريخي لبلدات وقرىً جنوبية، بدءاً من الناقورة وشمع الساحليتين، وصولاً إلى الخيام والنبطية والطيبة ويارون وعلما الشعب.
لم يقتصر التدمير الممنهج، خلال حرب الـ65 يوماً، على رئة القرى وحكايات تأسيسها وإرثها المعماري التقليدي، الذي بني بسواعد أبنائها، في حقبات زمنية مختلفة، يعود بعضها إلى مئات السنين؛ بلّ دمرت آلة الحرب الإسرائيلية المتواصلة بأشكال متنوعة بعد مرور عام على اتفاق وقف إطلاق النار، العديد من المعالم والمواقع الأثرية، الضاربة في عمق التاريخ.
لا تقديرات رسمية للكلفة
طالت عملية التدمير الكلي والجزئي أيقونات أثرية في الجنوب، ترتبط بذاكرة الجنوبيين وخصوصياتهم التاريخية والحضارية والدينية والاجتماعية.
محت الغارات الإسرائيلية العنيفة وعمليات التفجير والتفخيخ غير المسبوقة، كلّ أثر لمواقع وكنائس ومساجد، كانت تشكل قبلة لأبناء كل بلدة وقرية. من أبرزها قلعة شمع التاريخية، والمقام المجاور لها ً شمعون الصفا ً، ومقام النبي بنيامين في قرية محيبيب، وكنيستا دردغيا ويارون ومسجد بليدا وغيرها.
لا يوجد حتى الآن لدى المديرية العامة للآثار، كلفة تقديرية لحجم الأضرار التي منيت بها المواقع المدرجة على لائحة التراث العالمي. وكل ما أُنجز مسوحات أولية للمواقع المدمرة والمتضررة بنسب مختلفة.
لكن مصادر متابعة أكدت لـِ "المدن" أن كلفة إعادة بناء وتأهيل وترميم الأماكن الأثرية المدمرة والمتضررة، يحتاج إلى نحو ثلاثين مليون دولار أميركي.
ما أصاب قلعة شمع، التي بناها الصليبيون في العام 1116 ميلادي، يفوق ما أصابها في عملية التدمير في عدوان تموز 2006، وقد تطلّبت عملية ترميمها الجزئي حينها ما يقارب السبعمائة ألف دولار اميركي.
يحتاج ترميم هذه القلعة، المكوّنة من أسوار وقبب وآبار وخزانات مياه وأبراج، وفق مدير المواقع الأثرية في الجنوب د. علي بدوي، إلى ما يزيد عن المليون دولار، نتيجة حجم الدمار الموزع في كل انحائها، بما فيها مقام النبي شمعون الصفا.
لم ينتظر أبناء بلدة شمع التمويل اللازم لإعادة تأهيل وترميم مقام النبي شمعون الصفا المبني في العام 1097 ميلادي، فقد جمعوا ما تيسّر من أموال لإعادة إحياء وظيفته الدينية والإجتماعية المرتبطة ارتباطا وثيقاً بهم وبأعداد مؤلفة من المواطنين الذي كانوا يؤمونه للصلاة والوفاء بالنذور قبل الحرب.
دارت على أعتاب المقام، اشتباكات من النقطة الصفر بين عدد من المقاومين وجنود وحدة غولاني، قتل على إثرها المؤرخ والباحث الإسرائيلي زئيف إيرلتش، الذي جاء لينقّب عن آثار أجداده، وفق الإعلام الإسرائيلي، في الحادي والعشرين من تشرين الثاني من العام 2004، في حين استشهد مقاومان.
الضرر أصاب النسيج التاريخي
وأكد بدوي أن أعمال إعادة بناء وترميم وتأهيل المقام، ومن بينها المئذنة والقباب والجدران الداخلية والخارجية، تتم تفصيلياً بإشراف المديرية العامة للآثار، وبالتعاون والتنسيق مع البلدية. وقال بدوي: "لقد حاولنا أن نحصل من جهات مانحة على مساعدة تقنية أو مالية لتنفيذ الأعمال في المقام، المسجل على لائحة الجرد العالمي. وهذا المقام معروف، ويعود تاريخه إلى القرن التاسع ميلادي، ولا يزال مستمراً، وهو يتمتع بمكانة وقيمة لدى المسلمين والمسيحيين. ولكن للأسف لم يكن هناك تجاوب في هذه المرحلة".
أضاف أن أهل بلدة شمع ً قاموا بجمع بعض الأموال من أجل الصيانة الأولية لجزء من المقام وليس للمقام بكامله. ونحن من جانبنا رحبنا بهذه الفكرة، ونقدّم المساعدة لناحية وضع الشروط التقنية والإشراف على الأعمال التي يقومون بها.
وفي ما يخص المواقع والأماكن الأثرية الأكثر تدميراً وتضرراً، يوضح بدوي أن عدداً كبيراً من المواقع قد دمّر أو تضرر، من ضمنها القلاع التاريخية، مثل شمع والشقيف وتبنين، ومقامات ومساجد وكنائس، والنسيج العمراني والإجتماعي والثقافي، تحديداً في قرى الحافة الأمامية، ومدينة النبطية، وهي مسجلة على لائحة المواقع الأثرية.
وأشار بدوي إلى أن مساجد جبل عامل يختلف طابعها العمراني عن المساجد الأخرى، فهي عمارة متواضعة ومتمايزة في الوقت عينه.
ويلفت بدوي في هذا السياق، إلى أن الضرر الأكبر قد أصاب المكوّن التاريخي في البلدات الحدودية، التي دُمّر معظمها أو أُزيل. ومن الصعب تقدير الكلفة. لكن ما هو مؤكد، أنّ الترميم في حاجة إلى الملايين من الدولارات، وأن بعض الضرر لا يُعوّض، فالأموال لن تُعيد إلينا الأوصاف التاريخية. ولكي نُعيد تشكيلها، نحن في حاجة إلى أفكار أكثر في المرحلة المقبلة، لا سيما استكمال المسوحات وتأمين الأموال لإعادة تشكيل التراث المعماري التاريخي لجبل عامل والحفاظ عليه.
ويردف بدوي: لدينا مسوحات أولية للأسماء والمواقع، لكن القيم التقديرية في حاجة إلى أعمال هندسية، وهي أكثر تعقيداً من ذلك. ونتمنى أن نستطيع القيام بها في مرحلة لاحقة.
إعادة استخدام الحجارة
يشرف المهندس محمد يوسف، المكلف من قبل داعمي وممولي المشروع، على الأعمال المتواصلة في المقام، حيث تم الانتهاء من إعادة تأهيل قبتين، في حين أنَّ العمل مستمرفي المئذنة، التي يعود إنشاؤها إلى سنة 1097 ميلادي.
وشدد يوسف على أن الاعمال، التي يتولاها حرفيون وفنيون تحافظ على التراث؛ إذ نستخدم الحجارة نفسها والتفاصيل التي اعتمدت سابقاً. كما أننا نحافظ على التراث القديم الذي يعبّر عن قيمة المقام وهويته.
وأفاد يوسف بأن أعمال الترميم أتت بمبادرة خيرية من شباب وأهل بلدة شمع الذين يعتبرون المقام جزءاً لا يتجزأ من تاريخهم وحاضرهم، مؤكداً أن الأشغال تنسق على نحو كامل مع المديرية العامة للآثار، حيت يُحافَظ على مكان اعتلاء المؤذن في رأس المئذنة.
وأوضح مختار شمع محمود فياض أن ابناء شمع أنجزوا إعادة بناء النادي الحسيني، وأن مقتدرين وميسورين وغيورين من الأهالي، جمعوا الأموال اللازمة لإعادة ترميم مقام النبي شمعون الصفا، وهو جزء من وجدانهم.
