تتفاقم معاناة أصحاب الشاحنات والصهاريج في بلدة عرسال، بعد مصادرة الجيش نحو 250 آلية كبيرة ومتوسطة وصغيرة خلال الأشهر الماضية. وعلى الرغم من تأكيد أبناء البلدة احترامهم لدور المؤسسة العسكرية وإجراءاتها، إلا أن هذه التدابير باتت تُلقي بظلالٍ ثقيلة على حياتهم المعيشية المنهارة أصلًا، خصوصًا أن كثيرين لجأوا إلى التهريب في ظل غياب أي بدائل اقتصادية حقيقية.
أصحاب الشاحنات: نحن نموت ببطء
تتعدد روايات أصحاب الشاحنات وقصصهم. لكن الخلاصة واحدة: مأساة تُراكم البطالة واليأس، وكأنّ الفقر قدرٌ لا مفرّ منه.
يقول محمود الحجيري مالك شاحنة مصادرة منذ ستة أشهر، إن توقيفه حصل "على نحو يثير الاستغراب، لأن غيرنا لم يجرِ توقيفه وحجزه "، مضيفًاً: "عملت على هذه الشاحنة 12 سنة في قطاع حجر الزينة. وبعد توقف السوق بسبب الحرب لم يبق أمامي سوى التهريب لأعيش منه". ويقول: "اليوم خسرت عملي ورأس مالي الوحيد، وعدت إلى النقطة الصفر. ولم أعد قادرًا على تأمين حاجات بيتي وأقساط المدارس لأولادي".
وتُقدّر قيمة الشاحنات المصادرة مع بضائعها بنحو 15 مليون دولار، وهو ما يجعل الخسارة ثقيلة على أصحابها، في حين تبدو معاناة السائقين أشدّ مرارة وأكثر إيلاماً في ظل اقتصاد منهار ومع حلول الشتاء.
أحمد زعرور سائق فقد عمله بعد مصادرة الصهريج الذي كان يعمل عليه، يقول: "لم تكن الشاحنة ملكي، كنت أعمل بالأجرة. بعد المصادرة توقف رزقي بالكامل. لدي أربعة أولاد، والديون تتراكم". ولدى سؤاله عن عمل بديل، يجيب: "المنطقة فقيرة والفرص معدومة. نحن لسنا ضد الجيش، نحن ضد الظلم فقط. نريد من الدولة أن تنظر إلى حالنا، وأن تعدل في الظلم أيضًا".
المفتي يرفع الصوت
في خضمّ السجال حول الآليات المحتجزة، برز موقف لافت لمفتي بعلبك الهرمل الشيخ بكر الرفاعي خلال اجتماعه مع وفد من أصحاب الشاحنات في دار الفتوى. الرفاعي أكّد أن دور الجيش أساسي في حماية الحدود، لكنه شدّد في الوقت نفسه على رفض "الظلم غير المقصود" في حق أهالي عرسال، معتبرًا أن "تطبيق القانون يجب أن يحفظ حقوق الناس ولا يقطع أرزاقهم".
وأوضح المفتي في حديث إلى "المدن" أنه تابع القضية منذ أشهر مع رئيس الحكومة نواف سلام والمعنيين، حيث جرى التوصل إلى اتفاق يقضي بإعادة الآليات القانونية بعد مصادرة الموادّ المهرّبة، وإحالة المخالفات إلى القضاء المختص. لكن الاتفاق – كما يقول – لم يُنفّذ منذ ستة أشهر بسبب إصرار وزارة الدفاع وقيادة الجيش على تجميده.
وسأل الرفاعي عن قدرة الأهالي على تحمّل الواقع الاقتصادي المتدهور، في ظل توقف المقالع والكسارات وانحسار النشاط الاقتصادي، محذرًا من انفجار اجتماعي يهدّد مئات العائلات. وأضاف: "أين كانت هذه الشدة يوم كان التهريب يطال المواد المدعومة؟ اليوم المواد كلها مجمركة وتدر أرباحًا للدولة". ودعا الدولة إلى اعتماد معايير عادلة تمنع تحوّل تطبيق القانون إلى عقاب جماعي.
بين الأمن ولقمة العيش
يتفق أبناء عرسال على أهمية دور الجيش في حماية الحدود ومنع استغلالها للعبث بالأمن، لكن استمرار مصادرة الشاحنات والصهاريج من دون آلية واضحة يزيد الاحتقان الاقتصادي والاجتماعي. ومع غياب فرص العمل، شكَّل التهريب شريان حياة لآلاف العائلات في البلدة.
بين حماية الحدود وحماية الناس من الجوع، يبقى الأمل معلّقًا على حل يعيد التوازن بين الأمن والعدالة، ويحول دون انهيار ما تبقى من مقومات العيش في واحدة من أكثر البلدات حرمانًا وتهميشًا في لبنان.
