فنون التشظي والبؤس.. للترفيه والتسويق في بيروت

محمد أبي سمراالثلاثاء 2025/11/18
Image-1763372926
لبنان وبيروت مرشحان للبقاء مديدًا في حال من الشلل والاستنقاع (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

منذ سنوات سبقت الحرب الإسرائيلية الأخيرة الدموية والمدمّرة على لبنان، وفي الشطر الأخير من السنة التي مرّت على اقتصار تلك الحرب المستمرة على عمليات قصف إسرائيلية بالمسيّرات الحربية لمواقع "حزب الله" وقتل أو اغتيال عناصره، تتكاثر وتتوسع وتزدهر في بيروت نشاطات فنية وثقافية: عروض مسرحية وأدائية وغنائية وراقصة، ندوات ومحاضرات ولقاءات، معارض فن تشكيلي ومعاصر، نشر كتب وحفلات توقيعها... إلخ.

لكن معظم هذه النشاطات يكاد يقتصر، في إعداده وإنتاجه وعروضه، على الأدوار الاجتماعية والترفيهية والتسويقية، الآنية العابرة، للفن والثقافة، في دوائر منفصلة متشظية. وهذا مثل اكتفاء تلك النشاطات بتوجهها إلى مخاطبة فئات عمرية واجتماعية وذوقية شبه مغلقة في متطلباتها وشبكات علاقاتها وتصوراتها للفن والعالم وصور تلك الفئات عن نفسها. والتوزّع والتشظّي هذان لا ينفيان عن هذه النشاطات تمركزها في بيروت، وتحديدًا في شطرها الغربي المستغرق في تهالكه وفوضاه العارمة في العمران السكن ونظام السير والخدمات العامة التي انتفت عنها منذ سنوات كثيرة صفةُ العمومية، واتخذت طابع "تقنيات بؤس" خاص ومعمم في لبنان كله.

 

مثالات وأمثلة

وقد تكون صحافة الخبر العاجل، التوك شو التلفزيوني، التدوين والتخاطب وندوات الـ"أون لاين" على منصات التواصل الاجتماعي، ونجوم هذه المنصات... قد يكون هذا كله هو المثال الأقرب المتّبع في إعداد هذه النشاطات الفنية والثقافية، وفي إنتاجها وتسويقها وتذوُّقها. 

وهذا ما استجابت إليه ونسجت على منواله أقدم المكتبات وأعرقها في شارع الحمراء البيروتي، إضافة إلى دار نشرها، بإقدام المكتبة على ابتكار شكل جديد للإعلان عن العروض الفنية والثقافية في المدينة: وضعت على واجهتها لوحتين إلكترونيتين تعرضان صورًا متلاحقة لأفيشات تلك العروض. ونذكر منها هنا: "اسطفل"، "شرم برم"، "روز ماري"، "وسم - حفل موسيقي"، "أكتوبيس بند"، "نكد الغرام"، "الأرشيف يغني"، "احذف كسرة"، "ذا أكوبيكو شو"، "بار فاروق"، "هشك مشك شو"، "وين النص"، "أنا لما أكبر"، "يللي تحب الورد"، "إيروس"، "أبو الزوس"، "جولة الدنيا الثانية - الدكتور خالد غطاس: لقاء عن الحب والحياة"، "تقاطعات"، "أغاني سرفيسات"، "مقامات وضروب"، "السكي لحلح لاح"...

 

غزة وخالد غطاس

ومن الأمثلة الأخرى على هذه النشاطات ما تقوم به "جمعية فوضى منظمة بمسرح الوطني اللبناني الكوليزيه - الحمراء". ومن عروضها ما سمته "شبيهتك ببيروت". وهذه "أمسية موسيقية غنائية شعرية" وعرض "رقص تعبيري"، برعاية 9 جهات مانحة. 

وفي المكتبة البيروتية القديمة والعريقة، تجد على طاولات معروضاتها من الكتب الصادرة حديثًا في بيروت، كتبًا وروايات وشهادات تحضر غزة في عناوينها. واحدة من هذه الروايات، كتبت مؤلفتها على غلافها الخارجي الخلفي أنها ألّفتها وكتبتها بناءً على مشاهدتها محطات البث التلفزيوني وأشرطة الفيديو عن غزة أثناء الحرب الأخيرة عليها. وإلى جانب هذه الرواية تجد كتابًا لـ"داعية الحب والحياة" خالد غطاس الذي كان نجم "معرض الكتاب العربي الدولي في بيروت" قبل 3 سنوات، حينما وقّع كتابًا وسط جمهرة من مئات مريديه ومحبيه.

وغطاس من بلدة في إقليم الخروب. وهو فيلسوف شفوي وداعية أخلاقي، من صنائع وسائط التواصل الاجتماعي المبثوثة عليها أشرطة حفلاته الفلسفية المحكية في ندوات ومعارض كتب في عواصم بلدان خليجية. ومن عناوين هذه الأشرطة: "لماذا أنا أحب الفواكه؟"، "شو مفهوم الحب بالنسبة إليك". ويجيب الدكتور غطاس على مثل هذه الأسئلة بعبارات حكائية تتراصف فيها كلمات لا معنى لها، فيما موسيقى إيقاعية خفيفة وناعمة، كتلك التي يُقال إنها رومنسية، تصاحب تلك الكلمات التي كتب نزار قباني مرة أنها "كلمات ليست كالكلمات".

والحكواتي الفيلسوف واحد من نجوم ما يسمى "صنّاع المحتوى" والصور على السوشيال ميديا، وبينهم إعلاميات وشاعرات ومذيعات تلفزيون. وهو ظاهرة تجمع حشودًا من الشبان الفتيات في سن المراهقة أو تجاوزوها بقليل. ومعظمهم من فئات وسطى وما دونها في بيئات تقليدية ومحافظة، يتوقون إلى مثال أخلاقي وعاطفي جديد يفتقدونه في أوساطهم الاجتماعية، فيلجأون إلى تلقفه من وسائط التواصل الاجتماعي. ويستغل الداعية غطاس وأمثاله هذين الغياب والفقدان لدى شبان وشابات هذه البيئات، فيروح يبث ويسوّق مواعظه في الحب والصداقة والسعادة والخيانة وغيرها في الفضاء الإلكتروني المفتوح، قبل طباعتها في كتب وتوقيعها لحشد من مريديه ومريداته في معارض الكتب.

 

حطام مثالات يسارية آفلة

لكن الأنشطة الثقافية والفنية الشائعة والسارية اليوم ومنذ سنوات في بيروت المنكوبة، غالبًا ما تستمد مثالاتها من أخلاط نماذج ذهنية وشعورية وانفعالية يسارية سابقة، تحولت إلى حطام وركام، بعدما انقطعت عن ماضيها البيروتي وغير البيروتي في التسعينات والعشرية الأولى من الألفية الثالثة. ومنذ العام 2005 كانت قد هبت على بيروت موجة عارمة من نشوء جمعيات وهيئات مجتمع مدني (NGOS) ناشطة في المجالات الحقوقية والثقافية والفنية. وهي كانت قد تلاشت وخبت مع داعميها ومموّليها من منظمات دولية، إلى أن انبعثت وتجددت في خضم انتفاضة 17 تشرين 2019، التي تعرضت للاختناق والتمزّق بفعل هشاشتها ومنازعاتها الداخلية، والضغط الكبير الذي مارسه عليها ثنائي "حزب الله" و"حركة أمل"، فيما كان ينكشف النهب والإفلاس الماليان، وينكشف معهما الانهيار الاقتصادي والسياسي الكبير في لبنان.

في خضم ذاك الانكشاف وهوله المخيف آنذاك، تحولت نشاطات جمعيات المجتمع المدني إلى المساعدات الإنسانية وتنشيط فولكلوري للزراعة المحلية والانتاج المحلي، وللعودة إلى الأرياف. لكن هذا كله سرعان ما راح ينطفئ في سياق تيار هجرة شبابية واسعة من لبنان إلى الخارج، على غرار ما كان يحصل في محطات ومنعطفات الحروب الأهلية في لبنان (1975- 1990).

أما الفئات الناشطة في إعداد العروض الفنية والثقافية في بيروت اليوم وفي السنوات القليلة الماضية، فتعيش على قلق وتمزق مقيمين في مثالاتها الأخلاقية والشعورية والذوقية والانفعالية. وهي مثالات منقطعة عمّا عرفته المدينة إلا في الحقبة التي تلت انتفاضة 17 تشرين 2019 المغدورة التي ذهبت سدىً، وكأنها لم تكن. وهذه حال الحوادث الصغرى والكبرى في لبنان، أقله منذ ستينات القرن العشرين وحتى اليوم.

والفئات الشابة الجديدة المنخرطة في النشاطات الثقافية والفنية البيروتية اليوم، يتناهبها، مثل جمهورها، قلق يتركها متشظية وموزعة الإقامة والعمل والمثالات، بل منغلقة في دوائر ضعيفة التواصل والتبادل. ولا يخرج ما تنتجه في نشاطاتها من أعمال وعروض عن هذه الدوائر المتشظية والمغلقة والحائرة بين رغبة العيش والإقامة في لبنان ومغادرته إلى الخارج، أو التنقل الدائم بين لبنان والخارج. وهذا فيما يبدو أن لبنان وبيروت مرشحان للبقاء مديدًا في حال من الشلل والاستنقاع.

 

مشهد إجمالي لبيروت

هل هي حياة ما بعد سنوات البؤس واليأس والنقمة المقيمة كمرض أو كوباء لا شفاء منه؟

كقصدير ممغنط تعنُّ مسيّرات قتل ما بعد الطوفان في سماء بيروت. وينغرز العنين الممغنط المسموم في لحم سكان المدينة المبنّجين باليأس. وفي إسمنت عمرانهم الكالح المتهالك من دهر، ينغرز العنين. فيما سائقو مركبات المعدن الفخمة والبائسة ينفثون غضبهم الفوضوي المذعور والقاتل في أحيان كثيرة في الشوارع، كأنهم في يوم الحشر، يوم حشرهم الطويل.

وبقع دم متخثر على أكوام ردم وركام. أسنان جرافات ترفع الردم والركام إلى شاحنات. أكوام نفايات تعوم متدافعة في سيول شتوة الخريف الأولى الخفيفة في الشوارع. غابات ألواح معدنية منصوبة كمرايا سوداء على أسطح  بنايات لامتصاص الطاقة الشمسية. وإلى جانب الألواح أرتال براميل بلاستيك رمادية لجمع مياه آبار ارتوازية. المياه مالحة وترفعها مضخات صغيرة ترسل أنينًا خفيضًا، وتضخها إلى أعالي البنايات من براميل أخرى مماثلة مكدسة في فسحات مظلمة في أسافلها، تتراكض فيها وعلى السطوح جراذان عمياء. والبنايات محجوبة شرفاتها ببرادي بلاستيكية مهترئة. 

ومشهد بيروت العمراني الإجمالي يشبه أكداس بناياته تآليل ودمامل قيح تنيرها من الداخل طاقة مولدات تنفث في الجو سخامها القصديري، فيما يبعث سعار الدرّاجات النارية هستيريا صاعقة في شوارع المدينة. والأرجح أن يومًا لا ينقضي من دون أن تنطرح جثة سائق دراجة نارية في شارع ما من شوارع بيروت. 

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث