الحرائر والدساتير: كيف نستعيد مفاتيح البيت السوري؟!

دمشق - أحمد عليالأحد 2025/11/16
Image-1762941465
تبقى سيادة سورية ومستقبلها رهن إرادة أبناء شعبها وحدهم (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

ليست كل الشعارات البراقة غايةً نبيلة في حد ذاتها، فكثيراً ما تتحوّل المبادئ السامية في دهاليز السياسة إلى أدوات تخدم مصالح خفية. وهكذا هو الحال مع شعاري الديمقراطية وحقوق المرأة حين يُرفعان على مدخل أي مجتمع؛ إذ يمكن أن يصبحا بوابة للتدخل الخارجي بدلاً من كونهما غايات شريفة بحد ذاتهما. والتجربة السورية خير دليل على ذلك، فقد شهدت تاريخاً طويلاً اسُتخدمت فيه هذه الشعارات مراراً كوسائل ضغط من قوى غربية بهدف التحكم بمسار سورية السياسي والاجتماعي. 

في هذا المقال نروي حكاية هذه الشعارات في السياق السوري، تاريخياً وحاضراً، وكيف يمكن إغلاق هاتين البوابتين أمام محاولات الهيمنة كي يبقى القرار السيادي بيد الشعب السوري وحده.

 

شعارات جذابة وتدخلات خفية!

عبر القرن العشرين، مرت سورية بمحطات بارزة تجلّى خلالها استغلال الديمقراطية وحقوق المرأة كذرائع لتحقيق مآرب المستعمرين وأصحاب النفوذ الخارجي. فعقب الحرب العالمية الأولى وخضوع سورية للانتداب الفرنسي، روّجت سلطات الاحتلال لنفسها كحامية للتحديث وحقوق الفئات المهمشة بما فيها النساء. 

على سبيل المثال، عندما احتدم الجدل في ثلاثينيات القرن الماضي حول مسألة حجاب المرأة وخروجها إلى المجال العام، انبرى الإعلام الاستعماري الفرنسي مدافعاً ظاهرياً عن "حرية النساء السوريات" في نزع الحجاب، مندّداً بمن يهدّدهن بالعنف لارتدائه. ورغم أن الخطاب بدا وكأنه دعمٌ لحقوق المرأة، فقد خدم هدفاً أعمق: حيث قدّمت فرنسا نفسها راعيةً للتحرر الاجتماعي في مواجهة القوى الوطنية (الكتلة الوطنية)، مبرّرةً استمرار هيمنتها تحت ذريعة نشر الحداثة وحماية حقوق النساء. 

وهكذا تحوّل شعار تحرير المرأة إلى أداة دعائية لتلميع صورة المستعمر، بينما كان الهدف الحقيقي تكريس سيطرته السياسية والثقافية.

ومع نيل سورية استقلالها عام 1946، جرّبت البلاد فترة ديمقراطية وجيزة سرعان ما أنهتها سلسلة انقلابات عسكرية. والمفارقة أن أول انقلاب عام 1949 – الذي حظي بدعم غربي خلف الكواليس – رفع بدوره راية التحديث الاجتماعي، فقد تبنّى حسني الزعيم (حاكم سورية إثر انقلاب 1949) إصلاحات علمانية لافتة، من بينها منح المرأة حق التصويت ودعوتها إلى خلع الحجاب. 

أحدثت هذه الخطوات ضجة في مجتمع ما بعد الاستقلال؛ إذ اعتبرها البعض تعدياً على القيم الإسلامية الراسخة. ومن الصحيح أن منح المرأة حق الانتخاب كان خطوة تقدمية تليق بدولة حديثة، لكن توقيت تلك الإصلاحات ودوافعها أثارا الريبة. فالزعيم نفسه لم يتردد في حل البرلمان الديمقراطي وزجّ السياسيين في السجون، مستخدماً تلك الإجراءات ظاهرياً لكسب الشرعية في نظر الغرب. ولم تمضِ سوى أسابيع حتى أبرم اتفاقيات تخدم المصالح الأجنبية، كتوقيع صفقة خط أنابيب النفط مع الشركات الأمريكية. 

بدا الأمر وكأن شعاري الديمقراطية وحقوق النساء استُخدما كستار أنيق لتمرير تحركات سياسية تصب في مصلحة القوى الخارجية أكثر من مصلحة السوريين أنفسهم. وهكذا، اختُزلت الحداثة وحقوق المرأة في أدوات انتهازية لتلميع صورة الانقلاب أمام الرأي الدولي، فيما كان الثمن تقويض التجربة الديمقراطية الفتية في البلاد.

خلال عقود الحرب الباردة، استمر الغرب في توظيف ملفي الديمقراطية وحقوق الإنسان كورقة ضغط على الحكومات السورية المتعاقبة. فباسم دعم الحرية، لم تتردد قوى غربية في دعم محاولات انقلابية وزعزعة الاستقرار كلما تعارضت سياسات دمشق مع مصالحها. ورغم أن موضوع حقوق النساء لم يكن في الواجهة بنفس الدرجة، فقد حضر بصورة غير مباشرة في تلك السجالات. 

وتجدر الإشارة إلى أن سورية كانت من أوائل الدول العربية التي منحت المرأة حقوقاً سياسية (الانتخاب والترشّح في أوائل الخمسينيات)، كما شغلت السوريات مناصب تعليمية ومهنية مرموقة بجهود داخلية خالصة. مع ذلك، واصل الإعلام الغربي تسليط الضوء على أي انتقاص لتلك الحقوق باعتباره دليلاً على "تخلّف" المنطقة، وحجة للتدخل الثقافي والسياسي. فكلما اقتضت مصلحة العواصم الغربية الضغط على دمشق، جرى تذكير الرأي العام العالمي بقصور الديمقراطية أو وضع المرأة في سورية، بهدف تبرير سياسات أكثر تشدّداً أو فرض عزلة دولية عليها.

بعبارة أخرى، ظلّت قضايا الديمقراطية وحقوق المرأة بمثابة شعارات براقة توظَّف انتقائياً للطعن بشرعية الدولة السورية عند اللزوم، بينما الدعم الحقيقي لتلك المبادئ على أرض الواقع كان غائباً.

 

الشعارات القديمة بحُلّة جديدة!

مع انطلاق الحراك الشعبي عام 2011، عاد الخطاب السياسي والإعلامي الغربي يلوّح بشعاري الديمقراطية وحقوق النساء تحت مزاعم دعم تطلعات الشعب السوري. وأعلنت العواصم الغربية تأييدها لـ"مطالب الحرية" التي رفعها المتظاهرون، وندّدت بقمع النظام، ثم فرضت عقوبات دولية وعزلة دبلوماسية على دمشق تحت راية نصرة الديمقراطية. 

ولم ينكر السوريون حاجتهم للإصلاح السياسي وتعزيز الحريات، لكن سرعان ما تبيّن أن ذلك الدعم المشروط أفضى إلى تعميق النزاع بدل حلّه. وعلى لسان مسؤوليها، اتهمت دمشق الدول الغربية صراحةً بأنها استغلّت شعار الديمقراطية لإشعال الفوضى وتأليب الرأي العام العالمي ضدها تمهيداً لتفكيك الدولة وإخضاعها للهيمنة الخارجية. وهكذا، تكرّر المشهد القديم بحُلّة جديدة؛ فالدعم المعلن للديمقراطية أخفى وراءه أجندات جيوسياسية ساهمت في إطالة أمد الصراع ومعاناة السوريين.

أما قضية حقوق النساء فقد برزت بدورها في المشهد السوري خلال الحرب كإحدى بوابات النفوذ الناعم الغربي. فقد كثّفت منظمات دولية ووسائل إعلام غربية الحديث عن معاناة المرأة السورية تحت وطأة العنف والنزوح وانتهاك الحقوق في زمن الحرب. وبقدر ما كان تسليط الضوء على المآسي ضرورياً لتنبيه العالم، استُخدم في كثير من الأحيان بطريقة انتقائية لتوجيه الاتهامات السياسية لطرف دون آخر. فعلى سبيل المثال، احتفى الإعلام الغربي بنموذج المقاتلات الكرديات في شمال سورية اللواتي يقاتلن تنظيم «داعش» ويرفعن رايات المساواة، مقدّماً إياه كرمز للتقدم الاجتماعي المنشود في سورية. 

لكن وبالتوازي، جرى شيطنة الطرف الآخر بوصفه معادياً للمرأة ولدعاوى الديمقراطية بشكل مطلق، مما رسّخ صورة قطبية حادة تقسم البلاد إلى فريق “جيّد” يتبنّى قيم الغرب وفريق “شرير” يرفضها. ولم يتوقف الأمر عند الإعلام؛ فعلى الصعيد السياسي اشترطت الدول الغربية إشراك النساء بوضوح في أي حل سياسي للأزمة السورية. 

ومؤخراً، وضع الاتحاد الأوروبي حزمة شروط للتطبيع مع أي سلطة سورية جديدة، تتضمن تحقيق انتقال سياسي يضمن تمثيلاً لكافة المكوّنات واحترام حقوق الإنسان وحقوق المرأة بشكل خاص، إضافة إلى القضاء على الإرهاب. بل إن حماية حقوق المرأة وعدم اضطهادها اعتُبرا خطاً أحمر وشرطاً مسبقاً قبل بحث رفع العقوبات الغربية عن سورية.

هكذا أصبحت شعارات الديمقراطية وحقوق المرأة عملة سياسية رائجة في سوق الصراع على سورية، يرفعها الجميع ويؤوِّلها وفق هواه، بينما التطبيق الصادق لها على أرض الواقع لا يزال غائباً. أما الخاسر الأكبر فهو المواطن السوري نفسه، الذي يرى بلاده وقد تحولت إلى ميدان تتصارع فيه الأجندات الخارجية تحت لافتات برّاقة تخفي وراءها مصالح استراتيجية لا علاقة لها بمطالب السوريين الحقيقية.

 

كيف نغلق البوابتين ونلجم التدخل الغربي؟

إذا كانت شعارات الديمقراطية وحقوق المرأة قد استُخدمت كأبواب خلفية للتدخل في الشأن السوري، فإن إغلاق هاتين البوابتين رهنٌ بإرادة السوريين أنفسهم. الخطوة الأولى في هذا الطريق تكمن في سدّ الثغرات الداخلية التي يتسلل منها أصحاب الأجندات الخارجية. ويعني ذلك المضي بإرادة وطنية صادقة نحو تغيير سياسي حقيقي يعبّر عن إرادة الشعب ويلبي تطلعاته في الحرية والكرامة، بحيث لا يُترك مجال للقوى الغربية أن تتذرع بغياب الديمقراطية لتدّعي الدفاع عن السوريين. 

وفي السياق ذاته، فإن بناء نظام سياسي شامل يمثل جميع أبناء الوطن، ويتيح التعددية السياسية وتداول السلطة سلمياً، سيكون بمثابة درع سيادي يحصّن البلاد من أي وصاية أجنبية مهما تلونت بالشعارات. فحين يشعر كل مواطن أنه ممثّل وصوته مسموع في صنع مستقبل بلده، ستسقط ذرائع الخارج في التشكيك بشرعية النظام أو المطالبة بحلول مفروضة من وراء الحدود.

وبالتوازي مع الإصلاح السياسي، لا بدّ من تمكين المرأة السورية والارتقاء بوضعها عبر حلول نابعة من خصوصية المجتمع وثقافته، بعيداً عن الإملاءات الخارجية. لقد أثبتت النساء السوريات عبر العقود قدرتهن على تبوؤ أعلى المناصب والمشاركة الفاعلة في الحياة العامة متى ما تهيأت لهن الظروف المناسبة. 

ولذلك، فإن المطلوب إذاً هو الاستمرار في تعزيز تعليم المرأة ودعم فرص عملها ومشاركتها السياسية ضمن مشروع وطني يقرّ بحقوقها كاملة غير منقوصة. فإذا ثبت للمجتمع الدولي أن سورية ذاتها جادّة في إعطاء المرأة حقوقها وحمايتها قانونياً ومجتمعياً، ستسقط هذه الورقة من يد المتربصين في الخارج. والأهم من ذلك أن المرأة السورية تستحق تلك الحقوق كقيمة إنسانية في ذاتها قبل أي اعتبار آخر، وليس إرضاءً لأي طرف خارجي.

وإلى جانب الخطوات السياسية والمجتمعية، يبقى الوعي الشعبي سلاحاً حاسماً لكبح التدخلات الأجنبية. من الضروري أن ندرك – نحن السوريين – حقيقة أن الغرب حين يلوّح بدعم الديمقراطية وحقوق النساء فإنما يفعل ذلك بانتقائية تخدم مصالحه أولاً. وقد أثبتت التجارب مراراً صحة هذه المقولة، إذ لا يُكشف هذا الدعم المزيَّف إلا بعد خراب الدول وانهيارها ودخولها صاغرةً في أتون السياسة الأميركية. 

بناءً على ذلك، فإن تعزيز ثقافة سياسية ناقدة لدى المواطنين – ثقافة تتبنى القيم الإنسانية النبيلة وتُفرّق بينها وبين استغلالها النفعي – كفيلٌ بإحباط الكثير من مخططات الهيمنة. فالشعب الواعي يصعب استدراجه بشعارات زائفة، بل سيكون هو نفسه المبادر إلى المطالبة بالديمقراطية وحقوق المرأة كاستحقاق وطني أصيل، وليس كمنةٍ يتفضّل بها الغرب. وحين تتحقق هذه المناعة الشعبية، سيفقد الخطاب الخارجي تأثيره وبريقه الكاذب، وتصبح قرارات السوريين نابعة عن وعي وإرادة حرة لا يملك أحدٌ الوصاية عليها.

 

سيادة سورية بين أيدي أبنائها..

في الختام، تبقى سيادة سورية ومستقبلها رهن إرادة أبناء شعبها وحدهم. لقد علّمنا التاريخ القريب والبعيد أن الديمقراطية وحقوق المرأة سلاحٌ ذو حدين؛ فبإمكانهما أن يكونا جسراً إلى نهضة المجتمع وازدهاره إذا حملهما أبناؤه بوعي وإخلاص، كما يمكن أن يتحوّلا إلى بوابة خلفية للتدخل إذا تُركا مفتوحين للغرباء. 

ومن هنا تبرز أهمية العمل الجاد على الحلول الوطنية وإغلاق كل منفذ يمكن أن تتسلل منه الوصاية الخارجية. فكلما وحّد السوريون صفوفهم، وعالجوا مشاكلهم بأنفسهم، وأعلوا قيم الحرية والعدالة والمساواة التي يؤمنون هم بها، ضاق المجال على المتلاعبين بمصير الوطن من الخارج. أي إنها باختصار معركة وعي وسيادة في آنٍ معاً؛ وعي بحقائق الأمور، وسيادة على القرار الوطني والإرادة الحرة.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث