على تلٍ مرتفع يُشرف على سهول واسعة قرب الحدود السورية التركية، تتربّع قلعة حارم في ريف إدلب الشمالي، شاهدة على قرونٍ من الحروب والصراعات والتحولات.
القلعة التي تعود أصولها إلى العهد البيزنطي، شهدت فترات حكم متعاقبة من الفرنجة إلى الأيوبيين، لتظلّ حتى اليوم أحد أبرز المعالم التاريخية في المنطقة.
لم تسلم قلعة حارم من رماد الحرب، فقد لحقت بها أضرار كبيرة أدت إلى تصدع غرفها، وانهيار أجزاء من جدرانها، ما يهدد بفقدان جزء هام من التراث السوري.
في تصريح خاص لـ"المدن"، أكد حسان إسماعيل، مدير الآثار في إدلب، أن قلعة حارم تُعدّ من أعظم القلاع العسكرية الإسلامية، وهي تحفة تاريخية تواجه أضرار الحرب والزلزال معاً. تقع القلعة في شمال غرب سوريا، بمدينة حارم، على تل صخري يبعد نحو 60 كيلومتراً عن مدينة إدلب، على الطريق الرابط بين حلب وأنطاكيا. هذا الموقع الاستراتيجي جعلها نقطة حصينة عبر العصور، لكنها اليوم في حاجة ماسة إلى إنقاذ فوري للحفاظ على إرثها العريق.
التاريخ العريق لقلعة حارم
يعود تاريخ أول بناء للقلعة إلى القرن العاشر الميلادي، في العهد البيزنطي، إذ كانت جزءاً من نظام دفاعي يحمي الحدود الشرقية للإمبراطورية البيزنطية. ومع مرور الزمن، تعرضت لغزوات ومعارك عدة، أبرزها الغزو المغولي بقيادة هولاكو في العام 1260 ميلادياً، الذي دمر أجزاء كبيرة منها.
ومع ذلك، أعيد بناؤها كقلعة إسلامية في عهد الأيوبيين، تحديداً في عصر الظاهر غازي بن صلاح الدين الأيوبي، الذي أضاف إليها العديد من الأبراج والتحصينات العسكرية لتعزيز دورها الدفاعي. وكانت القلعة في تلك الفترة مركزاً للقوة العسكرية، تشرف على الطرق التجارية والعسكرية الرابطة بين الشام والأناضول. قبل ذلك، شهدت القلعة فترات حكم الفرنجة خلال الحروب الصليبية، إذ سيطر عليها الصليبيون لعقود قبل أن يستردها صلاح الدين الأيوبي وأتباعه.
هذه التحولات المتعاقبة جعلت منها رمزاً للصراعات التاريخية في المنطقة، حيث امتزجت في بنائها عناصر بيزنطية، صليبية، وإسلامية.
وتتميز القلعة بمنشآت متنوعة، تشمل الدكاكين والأسواق التجارية داخل أسوارها، إلى جانب الأبراج الشاهقة والأسوار السميكة. ويُبرزها الخندق المحيط بها بالكامل، الذي بُني لأغراض دفاعية وحماية القلعة من الهجمات. وهذا الخندق، الذي يبلغ عمقه أمتار عدة، كان يُملأ بالماء في بعض الأحيان، ما يجعل الاقتراب من القلعة مهمة شبه مستحيلة. كما تحتوي القلعة على غرف داخلية واسعة، وأنفاق سرية، ومنصات للمدافع، تعكس عبقرية الهندسة العسكرية في العصور الوسطى. وكانت مركزاً تجارياً حيوياً، يجذب التجار من مختلف المناطق.
محمد الشرتح، أحد زوار القلعة، ذكّر بأنها كانت قبل الثورة عامرة، وتجذب سياحاً من أنحاء العالم كافة. ويضيف أنها قلعة قديمة ولها تاريخ عريق، وتشهد مهرجانات ثقافية وجولات سياحية منتظمة، ما ساهم في تعزيز الاقتصاد المحلي.
أضرار الحرب والزلزال
لكن بسبب الأضرار الناجمة عن الحرب والزلزال، مع اندلاع الثورة السورية عام 2011، تحولت قلعة حارم إلى ساحة للصراعات العسكرية. واستخدمها نظام الأسد كمقر عسكري، وتعرضت للدمار أجزاء منها، أثناء المعارك لتحرير مدينة حارم. وخلال سنوات الحرب السورية، تعرضت القلعة لأضرار جسيمة، بما في ذلك القصف المدفعي والجوي، الذي أدى إلى انهيار أجزاء من الأبراج والأسوار، فضلاً عن تعرضها لأعمال نهب وتخريب عدة، خصوصاً في ظل غياب الدولة والرقابة والسلطة، ما سمح للصوص بسرقة القطع الأثرية والحجارة التاريخية.
الزلزال الذي ضرب المنطقة بقوة في 6 شباط 2023، تسبب بتشققات واسعة، وتصدع الغرف الداخلية وانهيار جدران، وأحدث فتحات في سطح القلعة، وتسبب بانهيار أجزاء من التل الصخري الذي بنيت عليه القلعة.
وفي هذا الإطار حذّر حسان إسماعيل، مدير آثار إدلب، من الانهيار الصخري الذي قد يحصل. وشرح أن القلعة مبنية على تل صخري محاط بمدينة حارم في الأسفل، وسقوط الصخور يهدد المنازل السكنية الحديثة.
نداء عاجل للحفاظ عليها
ولفت إلى أن الأضرار في القلعة لا يمكن اعتبارها مجرد خسائر مادية، بل هي تهديد للهوية الثقافية السورية، إذ تفقد القلعة تدريجاً ملامحها التاريخية. وأكد أنها في حاجة ماسة إلى تدخل فوري، يشمل سد الفتحات على السطح، ومعالجة التشققات، ونقل الأتربة والركام والصخور. وهذه الخطوات الأولية تهدف إلى منع المزيد من الانهيار، لا سيما مع اقتراب فصل الشتاء الذي يجلب الأمطار والرياح القوية.
وأوضح إسماعيل أنه رغم التحديات، أعدت دائرة آثار إدلب خطة لحماية القلعة، شملت توثيق وضعها الحالي في شكل كامل من خلال صور وخرائط دقيقة، مطلقاً نداء عاجلاً إلى المنظمات الدولية والعالمية وكل المهتمين بالتراث إلى المساهمة لصيانة وترميم القلعة. وشدد على الحاجة المستعجلة إلى هذه الأعمال بسبب طبيعة بنائها الهشة.
بدوره، عبّر محمد الشرتح عن أن السكان المحليين يرون في القلعة رمزاً للصمود والتاريخ، وأن إعادة ترميمها "يعيد جزءاً من تاريخنا"، داعياً المنظمات الدولية، مثل اليونسكو، إلى لعب دور حاسم في هذا الشأن، ولو أن الوضع الأمني في المنطقة يعوق الجهود الدولية.
