مفاضلة الجامعات في سوريا: تصحيح لمسار التعليم أم خيبة أمل؟

دمشق - رهام عليالجمعة 2025/11/14
Image-1763110680
رفع معدلات القبول حرَم العديد من الطلاب من الدخول إلى الاختصاصات التي يرغبونها (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

لم يكن 11 تشرين الثاني 2025 مجرد موعد لإعلان نتائج قبول الدخول إلى الجامعات في سوريا، بل اختباراً حقيقياً لعدالة الحكومة الانتقالية الجديدة بعد سقوط النظام.

صدرت نتائج مفاضلة الجامعات للعام الدراسي 2025-2026 وأثارت موجة واسعة من الجدل، بين طلاب رأوا فيها بداية تصحيح لمسار التعليم، وآخرين وصفوها بأنها "خيبة جديدة لجيل عاش الحرب والانتظار".

وبحسب بيانات وزارة التعليم العالي والبحث العلمي، بلغ عدد المتقدمين إلى المفاضلة العامة والموازي والخاصة 249,970 طالباً وطالبة على مستوى البلاد، بينهم حملة الشهادات الثانوية العامة القديمة.

ورغم أن الوزارة تحدثت عن انخفاض نسبي في معدلات القبول في عدد من الكليات ولا سيما في السنة التحضيرية للكليات الطبية (210.7 للعام و205.4 للموازي)، إلا أن شريحة واسعة من الطلاب رأت في المفاضلة "ظلمًا صامتًا".

 

جيل الحرب يبحث عن العدالة

في حديثها إلى "المدن" عبّرت إيناس الزين، إحدى الطالبات العائدات بعد سنوات الغربة، عن حجم الإحباط الذي شعرت به هي وزملاؤها بسبب نتائج المفاضلة الأخيرة، مؤكدة أنّ رفع معدلات القبول حرَم العديد من الطلاب المستحقين من الدخول إلى الاختصاصات التي يرغبونها. وتقول الزين: "كنتُ من الذين اضطروا للبقاء خارج سوريا بسبب الحرب، وأعرف تماماً كم عانى هؤلاء الطلاب ليكملوا تعليمهم في ظروف قاسية، ويحققوا النجاح رغم كل التحديات. واليوم، وبعد أن عدنا إلى وطننا، نُفاجأ بأننا نُعامل وكأننا لا نستحق، وكأن تعبنا لا يُحتسب. نحن لا نطلب امتيازات، بل عدالة وفرصة حقيقية لإتمام تعليمنا بكرامة".

تعليقات مشابهة انتشرت على صفحات الجامعات والمنصات الطلابية. كتب أحد الطلاب: "حتى نبني بلداً مدمراً يجب أن نبدأ بالعلم. جيل كامل دُمّر تعليمياً بسبب الحرب وكان يستحق فرصة أفضل".

طالب آخر علّق بنبرة سياسية واضحة: "أبناء الثورة يُعاملون وكأنهم كانوا مع النظام. حتى في المفاضلة طُلبت معدلات أعلى لحملة الشهادات القديمة، وكأنها حرب على أبناء الثورة".

هذه الأصوات، وإن كانت متباينة في دوافعها، تعكس قلقاً حقيقياً من غياب رؤية تعليمية تراعي التحول السياسي والاجتماعي في البلاد بعد سقوط النظام.

 

"لكل طالب مقعد جامعي"

في المقابل، نفت وزارة التعليم العالي وجود أي نية لحرمان الطلاب أو تهميش فئات بعينها. وقال مدير المكتب الإعلامي في الوزارة، أحمد الأشقر، في تصريح تداولته منصات إعلامية محلية: "لكل طالب الحق في مقعد جامعي. الوزارة ستعلن قريباً عن مفاضلة ملء الشواغر بما يضمن حقوق جميع الطلاب الذين لم يحصلوا على قبول في المفاضلة العامة".

وأضاف أن الوزارة تعمل على تقديم تسهيلات جديدة للطلاب، تشمل توسيع عدد المقاعد في الجامعات الحكومية والخاصة، وفتح باب التسجيل المباشر في بعض الفروع ذات الشواغر.

هذا فيما تشير المعلومات إلى أن عدد المقاعد الشاغرة في الجامعات تجاوز 30 ألف مقعد، ما دفع الوزارة لإعلان مفاضلة إضافية تشمل التعليم العام والموازي والخاص، حرصاً على "تحقيق مبدأ تكافؤ الفرص".

 

فرصة ثانية للطلاب غير المقبولين

وفي ظل الانتقادات والاعتراضات التي رافقت نتائج المفاضلة الجامعية الأخيرة، وكفرصة ثانية للطلاب غير المقبولين، أعلنت وزارة التعليم العالي والبحث العلمي أنّه سيتم قريباً إصدار مفاضلة لملء الشواغر للطلاب الذين لم يحصلوا على قبول في المفاضلة العامة، وذلك في ضوء وجود أكثر من 30 ألف مقعد شاغر في الجامعات الحكومية والخاصة على مستوى الجمهورية.

وأوضحت الوزارة أنّ المفاضلة الجديدة ستشمل التعليم العام، والتعليم الموازي، والتعليم الخاص، وستتاح لجميع الطلاب من حملة الشهادة الثانوية السورية وغير السورية، إضافةً إلى حملة الشهادات الثانوية القديمة، حرصاً على تحقيق مبدأ تكافؤ الفرص وتأمين مقعد جامعي لكل طالب مستحق وفق أسس القبول المعتمدة.

 

جيل على حافة الأمل

وعلى الرغم من الجدل، تشير الأجواء الجامعية إلى حالة ترقب لا استسلام. طلاب كثر يرون في المرحلة الانتقالية الحالية فرصة لإصلاح التعليم من جذوره، شرط أن تتحول الوعود الحكومية إلى سياسات تنفيذية واضحة.

تقول إيناس في ختام رسالتها لـ"المدن": "لسنا جيل أرقام، نحن جيل بكى على مقاعد الدراسة ووقف رغم الركام. نريد فقط أن نُعامل كمن يستحق حياةً جديدة".

وبين الأرقام الرسمية والصرخات الشعبية، تكشف مفاضلة الجامعات السورية 2025 عن معادلة حساسة: دولة تحاول ترميم نظامها التعليمي وسط مرحلة انتقالية، وجيل يسعى لإثبات أن مستقبله لا يُقاس بالمعدل وحده.

فهل تنجح الحكومة في تحويل المفاضلة المقبلة إلى اختبار للعدالة التعليمية، أم تبقى الأصوات الغاضبة مرآة لجيل لا يزال ينتظر "درجته المستحقة" في وطن جديد؟

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث