قالت الأمينة العامة المساعدة في الأمم المتحدة ورئيسة المؤسسة المستقلة للمفقودين في سوريا (IIMP) كارلا كينتانا إنّ ضعف تبادل المعلومات بين الجهات المعنية يبقى العقبة الأكبر أمام الجهود المبذولة لمعرفة مصير عشرات الآلاف من المفقودين في سوريا، مؤكدة أنّ العمل في هذا الملف الإنساني "لا يبدأ بالتوقيع على الأوراق، بل بالإرادة المشتركة والثقة المتبادلة بين الأطراف".
وفي حديث خاص لـ"المدن" على هامش توقيع إعلان المبادئ المتعلق بملف المفقودين في سوريا، أوضحت كينتانا أن التعاون بين المؤسسة والجهات السورية بدأ فعلياً قبل الإعلان بفترة طويلة، مشيرة إلى أنّ المؤسسة "كانت على تواصل مستمر مع اللجنة الوطنية للمفقودين، وكان قبل تأسيسها مع وزارة الخارجية"، معتبرة أنّ هذا الحوار المبكر "أرسى قاعدة عملية لبناء تفاهمات مشتركة حول آليات العمل المقبلة".
وأضافت: "نحن نعمل فعلاً منذ مدة، حتى قبل هذا الإعلان، من خلال محادثات متواصلة مع اللجنة الوطنية، وقبلها مع وزارة الخارجية السورية. هذا الحوار لم ينقطع، وقد ساعدنا في تهيئة أرضية مشتركة للبدء بخطوات عملية".
تعاون مؤسسي ومذكرات تفاهم
ترى المسؤولة الأممية أن إعلان المبادئ يشكّل خطوة أساسية لتنظيم العلاقة المؤسسية بين الأطراف المختلفة، إذ ينصّ على توقيع مذكرات تفاهم ثنائية تحدد دور كل جهة في التعامل مع اللجنة الوطنية للمفقودين. وتتابع بالقول: "كنت الأسبوع الماضي في دمشق، حيث عقدنا اجتماعاً مع الدكتور رضا الجلخي، واتفقنا على إطلاق مشاريع محددة سيبدأ العمل بها قريباً. فرقنا جاهزة للشروع بالتنفيذ في أقرب وقت".
السجلّ الوطني وتحدي الثقة
توضح الأمينة العامة المساعدة في الأمم المتحدة أن الخطوة الأولى في أي عملية بحث عن المفقودين هي تحديد من نبحث عنهم أصلاً، مشيرة إلى أنّ إنشاء اللجنة الوطنية للمفقودين نصّ على إعداد سجلّ وطني موحّد يجمع كل البيانات المتوفرة من مختلف الجهات، وهو ما يتطلب موافقة الأسر المعنية لأن "المعلومات في النهاية ملك للعائلات".
وتؤكد أن تبادل المعلومات يبقى الحلقة الأضعف في هذا الجهد الجماعي، ليس في سوريا فحسب، بل في تجارب دولية مشابهة، قائلة: "من أكبر التحديات التي نواجهها هي معرفة من يمتلك البيانات وكيف يمكن مشاركتها بطريقة آمنة وفعّالة. نحتاج إلى تجميع كل قطع الصورة المبعثرة لنرى المشهد الكامل لكل حالة مفقود، وهذا لا يتطلب موارد تقنية فقط، بل بناء ثقة حقيقية مع العائلات كي توافق على مشاركة ما لديها من معلومات".
حماية البيانات والحفاظ على السرّية
تشير رئيسة المؤسسة المستقلة إلى أنّ الحوار الدائر حالياً لا يقتصر على الجانب الفني لتبادل المعلومات، بل يشمل إرساء أطر قانونية لحماية البيانات الحسّاسة وضمان سرّية المصادر، مبينةً أن لكل نوع من المعلومات مستوى مختلفاً من الحماية، سواء كانت مفتوحة المصدر أو شهادات شهود أو بيانات مقدّمة من أفراد العائلات، ويجب التعامل مع كل منها بحذر واحترام.
وتتابع: إنّ "الهدف في هذه المرحلة هو بناء الثقة كأساس لأي تعاون فعّال، مؤكدة أن عامل الثقة هو الأهم: "من دون الثقة لا يمكن لأي عملية بحث أن تنجح". وترى أن التحدي الأكبر يكمن في تحقيق التوازن بين حقّ العائلات في المعرفة وواجب المؤسسات في الحفاظ على السرّية، معتبرة أن هذا التوازن هو ما يمنح العملية مصداقيتها واستدامتها.
أرقام وإشكاليات ميدانية
تشير تقديرات اللجنة الدولية لشؤون المفقودين (ICMP) إلى أن عدد المفقودين والمغيبين قسراً خلال الحرب السورية يتجاوز 130 ألف شخص.
أما بخصوص المقابر الجماعية، فقد وثّقت تقارير حقوقية واستقصائية وجود مئات المواقع غير المفحوصة أو المكتشفة جزئياً، نشأت عبر سنوات النزاع من دون أن تُخضع للمعايير الجنائية في التوثيق أو الحماية.
وفي ضوء هذه المعطيات، تقول كينتانا إنّ غياب قاعدة بيانات وطنية موحّدة، وتشتّت السجلات، وامتناع بعض الأسر عن الإفصاح لأسباب أمنية، تجعل من الصعب تحديد رقم نهائي للمفقودين. وتشدّد على أن "الإجراءات العاجلة لحماية مواقع الدفن، وتوحيد آليات جمع البيانات والتحقق منها قانونياً وتقنياً، ليست خياراً بل ضرورة لإنصاف الضحايا وعائلاتهم".
