يحمل واحدهم علبةً رتّب فيها عددًا من النّباتات، ويقول إنّه سيغادر إلى سوريا من غير رجعة، وإنّه لا يريد لزهوره وورده أنّ تموت في لبنان، فيما تشير لاجئةٌ أخرى إلى أنّها حزمت خلال سنوات اللجوء كلّ ما تملك في حقيبةٍ ضخمة، وتصف هذه الحقيبة بأنّها "حياتها الجديدة في سوريا".
في حديثهم إلى "المدن"، عبّر عددٌ من اللاجئين المغادرين عن أسفهم لمغادرة بلد اللجوء الذي قضوا فيه ردحًا من الزمن، إلّا أنّهم أبدوا في الوقت نفسه حماسًا لعودةٍ يرون فيها محاولةً لاستعادة حياتهم وكرامتهم في وطنهم الأم، مؤكدين أنّهم "يرحلون بأملٍ لا بخوف".
عاد اليوم ما لا يقلّ عن 400 لاجئٍ سوريّ إلى بلادهم، ضمن الدفعة التاسعة من برنامج "العودة الطوعيّة المنظّمة ذاتيًا" الذي تدعمه المفوضيّة، وتشمل وجهات العودة مناطق إدلب وحمص وحماة وريف دمشق، مع تأكيدٍ على أن تتمّ العودة "بصورةٍ طوعيّة، وبقرارٍ حرّ، وبعد توفير أكبر قدرٍ ممكن من المعلومات للسوريين عن ظروف مناطقهم"، وفق ما نقلت مصادر في المفوضيّة "للمدن".
وتفيد أرقام المفوضيّة أنّه، ومنذ بداية عام 2025 حتّى اليوم، جرى شطب ملفّ أكثر من 335 ألف لاجئٍ سوريّ من سجلاتها في لبنان بعد عودتهم إلى سوريا، وغالبيّتهم كانوا قد عادوا قبل إطلاق البرنامج المدعوم رسميًا من المفوضيّة، إذ انطلق هذا البرنامج في الأوّل من تمّوز 2025، ويمتدّ على مدى ستة أشهر.
وبرنامج "العودة الطوعيّة المنظّمة ذاتيًا" هو مبادرةٌ أطلقتها المفوضيّة لدعم السوريين المعرّفين لديها في لبنان الذين اتّخذوا، بحريةٍ وبصورةٍ طوعيّة، قرارًا بالعودة الدائمة إلى سوريا، ويحصل كلّ فردٍ من أفراد الأسرة العائدة، بموجب هذا البرنامج، على منحةٍ ماليّة لمرةٍ واحدة بقيمة ١٠٠ دولار أميركي، تخصّص للمساهمة في تغطية تكاليف الترتيبات اللّوجستيّة للعودة عبر المعابر الحدوديّة الرسميّة، كما توفّر المفوضيّة إرشاداتٍ مكتوبةً وشفهيّة حول إجراءات الخروج من لبنان، والوثائق الأساسيّة الواجب اصطحابها، ونصائح عمليّةً حول كيفية الاستعداد للعودة بأفضل طريقةٍ ممكنة، وبما يحفظ كرامة العائدين وسلامتهم قدر الإمكان.
وعلى صعيدٍ متّصل بملفّ العودة، برز مسارٌ حكوميّ لبنانيّ موازٍ، منذ إعلان وزيرة الشؤون الاجتماعيّة في لبنان حنين السيّد، عن منح "مئة دولارٍ لكلّ سوريّ عائد من لبنان إلى سوريا، وأربعمئة دولار لكلّ أسرة عند وصولها"، إذ بدا أنّ آليّةً جديدة، موثّقةً بالأرقام وبعض الضمانات، وضعت على الطاولة أمام الرأي العام اللبناني والسوري والدولي في آنٍ معًا.
السيّد، الّتي وصفت العرض بأنّه "بدايةٌ جيّدة ومهمّة"، أوضحت أنّ الخطة الحكوميّة تتكفّل بتغطية تكاليف النقل كاملة، وأنّ سلطات الحدود قرّرت إعفاء العائدين من الرسوم، مؤكّدةً أنّ التنسيق تمّ مسبقًا مع "نظرائنا السوريّين" بما يضمن تسهيل الإجراءات عند المعابر، وفي الأسبوع الأوّل فقط سجّل أحد عشر ألف شخصٍ أسماءهم للعودة، فيما تسعى الحكومة إلى أنّ يتراوح عدد العائدين بين 200 ألف و400 ألف قبل نهاية السنة، مع التركيز على المخيّمات غير الرسميّة حيث يعيش قرابة 200 ألف لاجئ.
وفي محاولةٍ لتخفيف التوتّرات الاجتماعيّة والاقتصاديّة، لوّحت الحكومة بإمكان منح أرباب الأسر الذين يختارون بقاءهم في لبنان بعد عودة عائلاتهم تصاريح عملٍ محدودةً في قطاعاتٍ كالبناء والزراعة، بما يتيح لهم الاستمرار في إعالة أسرهم من دون أن يفقدوا ارتباطهم القانونيّ بسوق العمل، في صيغةٍ تعدّ الأولى من نوعها منذ تصاعد موجة النزوح في العام 2011.
ويشدّد ناشطون حقوقيّون على أهميّة أن تبقى كلّ هذه البرامج خاضعةً لمعايير واضحة، تقوم على مبدأ "العودة الطوعيّة الآمنة والكريمة"، وعدم تعريض أيّ لاجئٍ للضغط أو الإكراه المباشر أو غير المباشر، مع الدعوة إلى توسيع آليّات الرصد والمساءلة المشتركة بين الجهات اللبنانيّة والسوريّة والدوليّة، لضمان أن يبقى قرار العودة قرارًا شخصيًّا وحرًّا يحترم حقوق الإنسان وكرامته، قبل أيّ اعتبارٍ آخر.
