"الشط لكل الناس"... شعار تحوّل إلى صرخة استغاثة أطلقها ناشطون بيئيون في مواجهة واقع مرير يعيش على مياهه اللبنانيون، بعدما تحوّل البحر من مساحة عامة مشتركة، إلى ملكٍ خاص محجوب خلف أسوار الإسمنت والمسابح والمنتجعات.
في مؤتمر صحافي عقده "الائتلاف الوطني لحملة الشط لكل الناس" يوم أمس في منطقة عين المريسة، في بيروت، سلّط الناشطون الضوء على تفاقم التعديات على الأملاك العامة البحرية، داعين إلى تحرّك فوري لوقف ما وصفوه بـ"النهب الممنهج" للساحل اللبناني.
ركّز الائتلاف على ثلاث نقاط أساسية، وقف ما يُسمّى بـ"رخص الصيانة" فوراً، إزالة جميع التعدّيات، القديمة والجديدة منها، وإلغاء كلّ الرخص الممنوحة على الأملاك العامة البحرية فوراً، ودعا المواطنين إلى التظاهر يوم الثلاثاء القادم أمام مقرّ وزارة الأشغال في الحازمية.
كل الساحل اللبناني
في حديثٍ لـ"المدن"، أكد المتحدث باسم الائتلاف محمد أيوب أنّ "التعدّيات طالت كامل الساحل اللبناني، حتى بات الوصول إلى البحر في معظم المناطق شبه مستحيل".
يضيف: "اليوم، نحو 80% من الأملاك العامة البحرية غير متاحة أمام المواطنين، بسبب تعديات تمتد على مساحة تتجاوز العشرة ملايين متر مربّع، وتضم أكثر من ألف متعدٍّ على الأملاك العامة البحرية"، مشيراً إلى أنّ "العشرين في المئة المتبقية من الشواطئ، للأسف، ملوّثة ومجاري مفتوحة، نتيجة غياب أي رقابة فعلية".
ويتابع أيوب: "تترواح أنواع التعديات بين منتجعات سياحية ومطاعم ومسابح وفيلات وأبنية وكيوسكات. لكن أخطرها هي المنتجعات السياحية الكبرى، لأنها تقوم بردم البحر وإنشاء سنسولات، وتحجب الشاطئ عن الناس بالكامل".
رسوم زهيدة للدولة
من جهته، يوضح الخبير الاقتصادي جاد شعبان لـ"المدن"، أن مساحة الأملاك البحرية المشغولة تقدر حالياً بنحو خمسة ملايين متر مربع، تتراوح فيها بدلات الإيجار بين 20 و100 دولار للمتر المربع سنوياً. وبما أن معظم هذه العقارات تقع في مناطق سياحية مهمة، فإنّ الإيرادات السنوية المفترضة للدولة من تأجيرها بأسعار عادلة يجب أن تتراوح بين 300 و500 مليون دولار، بينما لا تتعدى الرسوم الفعلية حالياً 2 إلى 3 ملايين دولار سنوياً فقط.
نصف هذه الإشغالات على الأقل غير شرعية، أما الجزء الشرعي منها فيدفع رسوماً زهيدة جداً لا تتناسب مع قيمتها السوقية. من الضروري أن تضع الحكومة مراسيم واضحة تضمن وضع اليد على هذه الأملاك وتأجيرها وفق أسعار السوق، لما لذلك من أثر مباشر على الخزينة العامة والعدالة في استخدام الملك العام.
"رخص الصيانة": باب خلفي للمخالفات
من أبرز النقاط التي ركّز عليها المؤتمر ما يُعرف بـ”رخص الصيانة”، التي تصدرها وزارة الأشغال العامة والنقل، وتُستخدم كغطاء قانوني لتشريع مخالفات جديدة.
يشرح أيوب: "رخص الصيانة كانت تُمنح نظرياً لإصلاح منشآت قديمة أو مؤقتة، لكنها تحوّلت إلى وسيلة تحايل لبناء مشاريع ومنتجعات جديدة. وعندما نواجه الوزارة، تقول إنها ليست مسؤولة ميدانياً، فيما الشرطة البحرية تدّعي أنها لا ترى مخالفات. هذا التواطؤ الإداري حرم اللبنانيين من حقهم الطبيعي في البحر".
وأشار إلى أن مواقع عدة تُعتبر رموزاً لهذه التعديات، مثل Eden Bey، AUB، فندق الريفييرا في بيروت، ومواقع أخرى في الشمال، وصولاً إلى منتجع ليدي سانس في جبيل.
وأكد أنّ "كل هذه المشاريع استفادت من ثغرات قانونية ومن غياب رقابة فعلية، حتى بات الشاطئ ملكاً خاصاً يُدار كأنه حديقة مغلقة".
العبث بالشاطئ عبث بالحياة نفسها
من جهته، حذّر الناشط البيئي مالك غندور من "المخاطر البيئية الكارثية الناتجة عن هذه التعديات"، موضحاً أنّ "مجرد تغيير تكوين الشاطئ ومعالمه الطبيعية يعني أننا دخلنا مرحلة الخطر".
ويشرح: "الخلل الذي يصيب الساحل يؤدي إلى اختفاء أنواع بحرية مهمة، من الأعشاب الدقيقة إلى الكائنات الصغيرة كالسلطعون، وصولاً إلى الأسماك والفقمات والدلافين، وكلّها مترابطة في دورة الحياة البحرية".
ويضيف: "من يغطس في البحر يدرك أن ما نراه على سطح الأرض هو جزء بسيط جداً من الحياة الموجودة تحته. ثلاثة أرباع الكرة الأرضية مياه، وهذه المساحات المائية تمنح الحياة للربع الباقي الذي نعيش عليه. لذلك، عندما نعبث بالبحر، نعبث بأساس الحياة على الأرض".
ويتقاطع الحديث البيئي مع أزمة المناخ المتفاقمة في لبنان والمنطقة، يقول غندور: "كل خلل بيئي، سواء في البحر أو على البرّ، يفاقم الوضع المناخي. ما نعيشه اليوم من جفاف وحرائق هو نتيجة مباشرة لهذا التدهور. المسألة لم تعد جمالية، بل وجودية تمسّ حياة الناس وصحتهم ومستقبلهم".
ويرى أنّ "المطلوب ليس فقط إزالة المخالفات، بل وضع سياسة شاطئية وطنية شاملة تُعيد تنظيم العلاقة بين الإنسان والبحر، وتمنع ردم الشواطئ أو خصخصتها بأي شكل".
غياب الدولة… وغياب العدالة
في موازاة ذلك، يشير غندور إلى أنّ "الناشطين والجمعيات لا يسعون إلى مواجهة الدولة، بل إلى دفعها لتقوم بدورها، لأن لا أحد يمكنه أن يحلّ مكانها في تطبيق النظام وتطوير التشريعات وإنشاء المؤسسات البيئية اللازمة".
ويضيف: "المشكلة ليست فقط في وجود المخالفات، بل في ضعف قدرة الإدارات الحكومية والبلديات على تطبيق القوانين، وأحياناً في تغاضيها المتعمّد عن المخالفين".
ويكشف أنّ "قيمة العائدات التي يمكن أن تجنيها الدولة من تنظيم الأملاك البحرية تتراوح بين مليارين وثلاثة مليارات دولار سنوياً. بينما تسعى الدولة إلى الحصول على ثلاثة مليارات من صندوق النقد الدولي على خمس سنوات، يمكنها استرداد المبلغ نفسه خلال عام واحد فقط من خلال فرض الغرامات واستعادة حقوقها البحرية".
ما يجري على الشاطئ اللبناني ليس مجرد مخالفة بيئية أو قانونية، بل انعكاس مباشر لخللٍ اجتماعي واقتصادي عميق. فالساحل الذي يُفترض أن يكون مساحة عامة لكل المواطنين، تحوّل إلى مرآةٍ واضحة لتفاوت الطبقات والامتيازات.
في بلدٍ تُغلق فيه المنتجعات الشاطئ بوجه العامة وتسمح بالدخول فقط لمن يملك ثمن الكراسي البلاستيكية، يصبح البحر مقياساً حاداً للتمييز الطبقي.
فحين يُمنع المواطن العادي من الوصول إلى مياهه، بينما يتمتّع أصحاب رؤوس الأموال بمساحات خاصة من البحر، تتكرّس فكرة أن "الملكية العامة" ليست سوى شعارٍ فارغ أمام سلطة رأس المال والسياسة.
التعديات البحرية ليست مجرد إسمنتٍ على الرمال، بل هي استعارةٌ مادية لنهبٍ منظّم يمتد من الشاطئ إلى قلب النظام العام في لبنان.
وما لم تُستعاد الأملاك العامة البحرية بالقانون والرقابة، سيبقى البحر امتيازاً طبقياً، لا حقّاً طبيعياً لكل اللبنانيين.
