كهرباء سوريا ضيفة ثقيلة.. نُهلّل لعودتها أم نخشى فاتورتها؟

دمشق - كلير عكاويالثلاثاء 2025/11/11
Image-1762872158
عبر العديد من السوريين عن استيائهم مؤكدين أنهم لا يستطيعون دفع فاتورة الكهرباء (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

 

لم تقصد الموظفة نور عند ذكرها المثل الشعبي "يا ما أحلى الجمعة لو على فانوس وشمعة"، الإشارة إلى قيمة اللحظات البسيطة، والتّجمعات العائلية رغم الظلام الدامس، بل استنكرت به قرار رفع تعرفة الكهرباء الأخير في سوريا، تلميحاً منها بأن معاناة الجلوس في العَتمة أهون بكثير من دفع "الفاتورة".

وتحدّثت الموظفة، التي تعمل في إحدى المؤسسات الحكومية، لـ "المدن" عن "زيادة ساعات التغذية الكهربائية بمناطق عديدة في سوريا منذ الإعلان الأخير عن رفع التعرفة، وكأن المارد السحري تدخّل ووفّر الكهرباء التي كانت ضيفة عزيزة في "كل حين ومين"، بحسب وصفها، متسائلة: "هل نُهلّل لعودتها أم نخشى فاتورتها!". 

وأضافت نور، التي تبلغ من العمر 30 عاماً: "مرتّبي الشّهري لا يصل إلى 60 دولاراً تقريباً، وهو لا يكفيني لتأمين مقوّمات حياتي الأساسية، فيما أصدرت الجهات المعنيّة قراراً مُجحفاً بحق المواطن من دون النظر إلى حاجاته ورغباته في ظل هذه الظروف الاقتصادية الصعبة".

بدوره، أكد الباحث الاقتصادي عمار يوسف لـ "المدن" أن "قرار رفع تعرفة الكهرباء من حيث المبدأ يُعد ضرورياً لمعالجة العجز التشغيلي في سوريا، ولكنّ توقيت إصداره وطبيعته غير المنطقيين يثيران قلقاً بالغاً، نظراً للوضع المعيشي الراهن للمواطن السوري".

وأضاف يوسف: "كان من الممكن إيجاد بدائل أخرى، مثل اللجوء إلى التمويل أو القروض وغير ذلك، بدلاً من تحميل المواطن السوري كامل العبء المالي المتمثّل في عجز لا يستطيع تحمله، خاصة وأنّه يكافح لتأمين الحد الأدنى من متطلباته الأساسيّة".

وتداول نشطاء سوريّون على مواقع التواصل الاجتماعي ردود فعل متباينة بعد زيادة ساعات التغذية الكهربائية من لحظة ارتفاع أسعارها، حيث عبّر البعض عن استيائهم ورغبتهم بفك العدّادات، مؤكدين أنّهم لا يستطيعون دفع الفاتورة بسبب صعوبة تأمين قوت يومهم.

وفي المقابل، هلّل آخرون بتحسّن خدمات الكهرباء بعد 14 عاماً من المعاناة، معتبرين أن هذه الزيادة مؤشر على التعافي المستدام، ومبرّرة جداً مقارنة بتكاليف المولّدات الخاصة والبطاريّات، وما إلى ذلك.

وجاء في تفاصيل قرار رفع التعرفة الكهربائية المنزلية والصناعية والتجارية الصادر عن وزارة الطاقة، تحت شعار "إصلاح دعم الطاقة"، أنه سيتم تقسيم استهلاك الكهرباء إلى أربع شرائح: الشريحة الأولى حتى 300 كيلوواط بسعر 600 ليرة لكل كيلوواط، والثانية فوق 300 كيلوواط بسعر 1400 ليرة لكل كيلوواط، فيما حدّدت التعرفة للمؤسسات الحكومية بـ 1700 ليرة لكل كيلوواط، وللمعامل الكبيرة بـ 1800 ليرة سورية لكل كيلوواط.

 

السباق "الماراثوني" بتصميم سوري

اختلفت سلوكيات بعض العائلات السورية في الواقع الكهربائي المنزلي بين الماضي والحاضر، فبدلاً من السباق "الماراثوني"، الذي كان يحكمهم لاستغلال ساعة التغذية الواحدة في إنجاز الأعمال المنزلية، باتوا يركضون "لفصل قابس الكهرباء" عند مجيئ الكهرباء، خوفاً من "الفاتورة" التي قد تفوق رواتبهم المحدودة. 

وأكد طارق، الذي يعمل في التجارة العامة، أنه من "الراكضين يومياً لفصل الكهرباء عن منزله لحظة مجيئها، بعد زيادة ساعات التغذية". ووصف "القرار بالكارثي، لأن متوسط استهلاك عائلته من الكهرباء يبلغ 700 كيلوواط تقريباً، وبالتالي سيقابله فاتورة تصل إلى 750 ألف ليرة سورية أو ربما أكثر".

وأكمل التاجر الذي يبلغ من العمر55 عاماً: "كان من الأفضل الحد من البطالة وتأمين فرص عمل جيدة للمواطنين السوريين مع الاستفادة من الخبرات السابقة، ثم تحسين مرتباتهم الشهرية الزهيدة، بما يتناسب مع أي تعديل في أسعار المواد والخدمات الأساسية، بدلاً من زيادة الضغوط عليهم".

من جانبه، أوضح الباحث الاقتصادي يوسف أن "سعر الكيلوواط الواحد ارتفع من 3 ليرات إلى 600 ليرة سورية، أي ما يمثل زيادة قدرها 200 ضعف، الأمر الذي يضع الكثير من الشرائح الاجتماعية السورية أمام صدمة ومشكلة حقيقية، لأن فواتير الكهرباء الجديدة قد يصل حدها الأدنى إلى 180 ألفاً، وربما تتجاوز الـ 500 و600 ألف ليرة بالوقت الذي لا يتجاوز دخل المواطن الشهري 120 دولاراً أمريكياً". 

وأضاف يوسف: "سيسعى المواطن السوري جاهداً لتقليل استهلاكه من الكهرباء، مما سيجعله يتجنّب استخدام العديد من الأجهزة، على سبيل المثال، إذا كان جهاز التدفئة الكهربائية يستهلك كيلوواط واحد في الساعة، ويعمل لمدة 6 ساعات يومياً، فإن استهلاكه سيتجاوز 300 كيلوواط المحدّدة للشريحة المدعومة، دون احتساب تشغيل الأجهزة الكهربائية الأخرى".

وأكمل: "الدعم الحكومي الكهربائي للشريحة الأولى لا يكفي المواطن السوري سوى عشرة أيام كحد أقصى ضمن الدورة التشغيلية التي تمتد لشهرين، وبالتالي لن يغطي ذلك احتياجاته، كما حال راتبه الشهري الذي لا يكفيه سوى أيام قليلة". 

يشار إلى أن وزارة الطاقة السورية ذكرت في تصريحاتها الأخيرة أن "الأسعار السابقة لا تغطّي سوى جزءٍ ضئيل من تكلفة إنتاج الكيلوواط الواحد، وهو ما جعل استمرار الدعم الواسع غير ممكن اقتصادياً في ظل العجز المالي المتزايد".

 

هل ستؤثر الزيادة على أسعار السلع؟ 

ازدادت الضغوط على المتقاعدة السورية سلوى (سبعون عاماً) بعد زيادة التعرفة الكهربائية، وقالت: "شر البليّة ما يضحك!.. الكهرباء ضيفة ثقيلة بعد طول انتظار.. وأنا يا دوبني آكل وأشرب، من خلال مرتبي التقاعدي الذي لا يتجاوز الـ 80 دولاراً تقريباً". وتخوفت "من ارتفاع أسعار السلع الأساسية بعد هذا القرار".

بدوره، اعتبر يوسف أن "أزمة الكهرباء هي مجرّد قمة جبل الجليد، ومن المتوقع أن تشهد سوريا ارتفاعاً في أسعار العديد من المواد الأخرى في المستقبل القريب، وسيكون المواطن هو الضحية"، بحسب وصفه.

ويرى مدير حماية المستهلك وسلامة الغذاء في الإدارة العامة للتجارة الداخلية وحماية المستهلك السورية، حسن الشوا، أن القرار "الأخير لم ينعكس على أسعار السلع في الأسواق، إذ لم تُسجّل أي زيادة بعد صدور القرار، بحسب بيانات دائرة "سبر الأسعار" التي ترصد حركتها في جميع المحافظات"، بحسب جريدة "عنب بلدي".

من جانبها، أكدت وزارة الطاقة السورية أن "الزيادة جاءت بما يتناسب مع الوضع المعيشي للمواطن السوري"، مشيرة إلى أن "العوائد سيعاد ضخّها في مشاريع توليد جديدة، مع تركيب العدّادات الذكية، وغيرها من الأدوات التي تساعد على تحسين كفاءة القطاع وضمان استمرارية الخدمة".

لا شك أن ذلك يعكس توجّهاً نحو إعادة بناء وتطوير البنية التحتية للقطاع الكهربائي السوري، الأمر الذي يتطلّب تمويلاً كبيراً وشراكات استثمارية، وكان أولها توقيع الجهات المعنيّة اتفاقات رسمية، الخميس الماضي، مع تحالف شركات بقيادة شركة "أورباكون" القابضة لإنشاء وتشغيل محطات توليد كهرباء بقدرة 5 آلاف ميغاواط.

 

"راتبي ما بكفي ضو لمبة!"

"راتبي ما بكفي ضو لمبة"، هي كلمات مكتوبة على يافطة ندّد بها أحد المحتجّين على رفع تعرفة الكهرباء أثناء خروجه في مظاهرات سلمية شارك فيها العشرات من الأهالي في حمص، السبت الماضي، والتي سبقتها مظاهرات مماثلة في حماة.

ورفع المتظاهرون شعارات تؤكد أن "الكهرباء حق للمواطنين وليست رفاهية، مطالبين بتجميد القرار، إضافة إلى ربط أي تعديل بالمواد الأساسية بدخلهم ومرتباتهم الشهرية".

 

وشرح الباحث الاقتصادي الأنف الذكر أن "نسبة الإنفاق الكهربائي الأسري ستراوح ما بين 30 و40  في المئة على حساب معيشة المواطن وحياته الطبيعية، ما سيؤدي إلى ارتفاع مؤشرات الفقر وزيادة التضخم". واستشهد في ذلك بإحصائيات سابقة صدرت عن "الأمم المتحدة، التي تؤكد أن "98 في المئة من الشعب السوري تحت خط الفقر المدقع، والقرار غير عادل"، بحسب تعبيره.

وأفاد يوسف أن "الوضع الاقتصادي في سوريا يعاني بشكل كبير، وكان من الأفضل للمواطن السوري أن يبقى على الوضع السابق بدلاً من تحسين خدمات الكهرباء بتكاليف مرتفعة تستنزف مدخراته". 

لم يقتصر الأثر على الجانب المنزلي فحسب، بل امتد ليشمل الجانب الإنتاجي، حيث أثار القرار موجة من الاستياء داخل الأوساط الصناعية والتجارية التي تعتمد على الطاقة كمكون أساسي في عملية الإنتاج، فيما احتفل آخرون بالتخلّص من كابوس "الأمبيرات" وتكاليف المولدات الخاصة.

 

الرفع منطقي وإصلاحي!

سيطرت مشاعر الفرح على عدد من المواطنين في حلب، بعد تحسّن واقع الكهرباء ببعض المناطق، والذي وصل إلى 20 ساعة تغذية يوميّة، محتفلين فيها بعد مرور سنوات كثيرة على غيابها، ولجوئهم إلى نظام "الأمبيرات".

وساهمت الأعباء المادية التي أنفقها المواطن لتوفير الكهرباء في حلب خلال السنوات الماضية بتقبّل الواقع الكهربائي الجديد نسبياً مع تكاليفه المرتفعة على مبدأ "شي أحسن من شي"، حيث كان المحور الأبرز لدى محمد (33 عاماً) الذي يعمل في ورشة صغيرة بحلب، هو التحرّر من "الأمبيرات"، التي شكّلت عبئاً ماليّاً على عمله، متفائلاً بأن تكون الكهرباء الرئيسية "أرحم" بكثير، بحسب تعبيره لـ "المدن".

واتفق محمد في وجهة نظره مع رنا (48 عاماً) التي تعمل في مجال الألبسة بدمشق، قائلة: "هذا التحسّن الكهربائي مع رفع التكلفة منطقي، وإصلاحي، وضروري، لأنه سمح بتشغيل الآلات اللازمة دون تشغيل المولدات بشكل متواصل وتحمّل أعباء تكلفتها الكبيرة". 

ومع ذلك، كان للباحث الاقتصادي وجهة نظر مختلفة، فقد أشار إلى أن "الكهرباء تعد من أهم الخدمات اللازمة للإنتاج الصناعي، وعند زيادة تعرفتها، سيؤدي ذلك إلى تكاليف تشغيلية إضافية، وبالتالي تقويض قدرة المنتج السوري على المنافسة مع المنتجات المستوردة أو منتجات الدول المجاورة، مما سينتج عن ذلك خلل اقتصادي جديد".

 

المستثمر على حساب المواطن!

يواجه قطاع الكهرباء في سوريا تحديات كبيرة نتيجة التهالك الشديد في البنية التحتية للمنظومة الكهربائية التي تخسر مليار دولار سنوياً، وفق ما أكد مدير الاتصال في وزارة الطاقة السورية أحمد السليمان.

وبرر السليمان، قرار رفع تعرفة الكهرباء بأنه "ضروري لتغطية التكاليف وضمان استمرارية الخدمة"، مضيفاً: إن "القرار يهدف أيضاً لجذب المستثمرين بتحقيق أرباح مناسبة مقابل رؤوس أموالهم."

واعتبر الباحث الاقتصادي "أن "السبب الرئيسي في هذه الزيادة هو إرضاء المستثمر، ولكن للأسف كان ذلك على حساب المواطن، وهو أول من سيدفع الثمن"، مشدّداً على أن "مسألة دعم الطاقة، وخاصة الكهرباء، هي قضية جوهرية تتطلّب تدخل الحكومة لضمان استمراريتها، مع مراعاة الحالة الاقتصادية المتدهورة".

ويقدّر حجم استهلاك الكهرباء في سوريا بنحو 7000 ميغاواط، ومن المفروض أنها تستطيع إنتاج نحو 5000 ميغاواط منها، إلا أن التوليد الفعلي حالياً يبلغ فقط 2200 ميغاواط بسبب نقص مواد التشغيل والحاجة إلى الغاز الطبيعي والفيول لتوليد الطاقة الكهربائية والوصول إلى ساعات تشغيل أكبر.

وفي نهاية المطاف، ما زال المواطنون السوريون منقسمون، فمنهم من لم يعد يقوى على تحمّل المزيد من المتاعب وبات يرقص مذبوحاً من شدّة الألم، ومنهم من يرضى بالنصيب وأكبر أحلامه كوخ صغير آمن بين شجر "الحور والكينا"، حتى لو لم يكن لديه "كهربا ولا جوخ"، قائلاً: "المهم بقا نعيش وما يعرف حدا فينا".  

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث