تعتمد مدارس خاصة نهجاً سافراً في سرقة جنى وموارد المعلمات والمعلمين وأهالي الطلاب من خلال أساليب ملتوية وبالإكراه. بيان نقابة المعلمين الأخير حدد بلغة قاسية ما تمارسه مدارس خاصة من سلب لتعويضاتهم وإجبارهم على توقيع عقود جديدة براتب 28 مليون ليرة وهو حتماً مخالف للقانون. هذه المدارس تروج أنها تحترم معلميها وتحتضنهم وتسدد واجباتها القانونية دائماً. لكنها في الحقيقة تسرق جنى المعلمين والأهالي لتجني أرباحاً، رغم أنها مؤسسات لا تبغي الربح بحسب القانون.
خلال العقد الماضي تراجع عدد اساتذة الملاك ليوازي المتعاقدين في التعليم الخاص وهذه سابقة، تجعلنا نفكر بممارسات قطاع التعليم الخاص وأساليبه. وقد سجلنا في الأشهر القليلة الماضية ثلاث مخالفات كبرى لدى هذه المدارس.
توقيع عقود جديدة مع معلمي الملاك
فرضت إدارات مدارس خاصة على المعلمين توقيع عقود جديدة بالإكراه تحدد فيها رواتب كل المعلمين بمقدار 28 مليون ليرة، أي الحد الأدنى المصرح به لدى الضمان الاجتماعي. وارتكبت المدارس 3 مخالفات. أولاً أنها عقود يوقعها المعلم بالإكراه حفاظاً على مصدر رزقه. المخالفة الثانية أنه لا يجوز قانوناً تجديد عقد لمعلمي الملاك بالمطلق. ثالثاً العقد الجديد المقترح يحدد الراتب الشهري لجميع المعلمين بمقدار 28 مليون ليرة. لكنه فعليا أدنى مما يتقاضاه الأستاذ فعلياً. أي أن هذا الراتب ستعتمده المدارس للتصريح عنه للضمان وصندوق التعويضات والضرائب، للتهرب من دفع الرسوم المتوجبة على الإدارة لهذه الجهات. وهذا يشكل بحد ذاته مخالفة قانونية فضلاً عن الانتهاك لحقوق المعلمين. كما يلغي تدرجهم وشهاداتهم وفق سلسلة الرتب والرواتب والتصريح عنها قانوناً.
براءة ذمة على أساس دولار 1500 ليرة
ووفق المعلومات طلبت ثلاث مدارس تابعة للأمانة العامة للمدارس الكاثوليكية من المعلمين توقيع براءة ذمة بعد تقاضيهم مبلغ مالي زهيد (1.925 مليون ليرة ما يعادل 22 دولاراً) كتعويض إنهاء خدمة. ووعدتهم بإبرام عقد جديد بمبلغ 28 مليون ليرة، يضاف إليها مساعدة بالدولار خارج العقد وخارج الموازنة وخارج التصريح بها للضمان وصندوق التعويضات. ما يعني أن المدارس ارتكبت مخالفات عدّة. فبراءة الذمة هذه تعتبر ملغاة قانوناً لمخالفتها القانون وأتت بالإكراه. ولا يحق للإدارة فرض مبلغ تعويض استنسابي مخالف للقانون الذي ينص صراحة على دفع تعويض يوازي قيمة آخر راتب، على مدى عدد سنوات الخدمة. ولما كان الراتب الأخير يتضمن جزء بالليرة وآخر بالدولار فهو الراتب المعتمد قانوناً. لكن تنوي هذه المدارس قضم تعويض المعلمين المغطى بالأقساط المدرسية التي يدفعها الأهالي.
تحديد وتقاضي أقساط قبل إقرارها
حددت المدارس الخاصة أقساطها قبل بداية العام الدراسي، وهذه مخالفة مزدوجة أولاً: لا يحق للمدارس تحديد الأقساط قبل درسها وإقرارها من قبل لجان الأهل قبل نهاية كانون الثاني وبعد موافقة الوزارة. المخالفة الثانية أن هذه المدارس فرضت على الأهل سداد القسط الأول على أساس موازنتها المفترضة بما يخالف القانون الذي يحدد القسط الأول بقيمة 30% من قسط السنة السابقة. وقد أصدرت مصلحة التعليم الخاص تعميماً بخصوص هاتين المخالفتين اللتين لم تلتزم بهما المدارس الخاصة مجتمعة.
الأهالي يسددون والمعلمون لا ينتفعون
تؤكد لمى الطويل رئيسة لجان الأهل في المدارس الخاصة "أن الأهالي لم يعارضوا أبداً تضمين اشتراكات الصندوق الراتب بالليرة والدولار. وحتى عندما كان المقترح رفع النسبة إلى 8% لم نعارض. فهذا حق للمعلمين. لكننا أصرينا على الزام المدرسة ببراءة ذمة مالية موقعة من الصندوق تتضمن قيمة الاشتراكات المسددة لمطابقتها مع الموازنة المدرسية. فنحن نريد التأكد من أن ما ندفعه من خلال الأقساط يذهب فعلياً إلى أصحاب الحق."
لم تعارض المدارس علنا إدراج براءة الذمة في تعديلات القوانين، إلا أنها انطلقت للبحث عن مخارج محاسبية وقانونية للتهرب من سداد حقوق المعلمين. وكان هدفها الإلتفاف على مطلب لجان الأهل بالتدقيق بالموزانات لمعرفة ما يتم تسديده من أموال الأهالي والتأكد أن حق المعلمين مصان.
رغم أن المخالفات الآنفة الذكر حصلت في ثلاث مدارس كاثوليكية، إلا أن ما حصل لا يوضع في إطار المبادرات فردية. فواقعياً لا تجرؤ أي مدرسة على الخروج عن إرادة الأمانة العامة للمدارس الكاثوليكية، التي كانت سباقة على مدى عقود في انتهاك القوانين.
المخالفات المرتكبة اليوم يمكن وضعها في إطار مخطط أوسع لدفع باقي المدارس للمضيّ بخطوات مشابهة. وفي حال أقدمت مدارس أخرى على هذه الارتكابات ومن دون أي رادع تكرّ السبحة. فحقيقة الأمر أن المدارس الكاثوليكية لم تتمكن من عرقلة إقرار القانون المتضمن "براءة ذمة من صندوق التعويضات". فالعرقلة كانت ستعدّ اعترافاً مباشراً منها أنها تتلاعب بالموازنات. لذا تعمل اليوم على إيجاد وسائل أخرى لتفريغ القانون من مضمونه. وتسعى لجر الشبكات المدرسية الأخرى لتحويل أساتذة الملاك إلى متعاقدين وبشروط مجحفة.
هذا السلوك سيؤدي حتما إلى التضحية بالمعلم اللبناني وبتمايز لبنان في هذا المجال. فالمعلم اللبناني خسر الاستدامة وحقوقه والأمن الاجتماعي، ما يدفع بالمعلمين إلى التخلي عن مهنة التعليم أو الهجرة. ومستقبلاً لا تعود مهنة التعليم خياراً مغرياً للطلاب. وهذا الأمر يمكن ملاحظته في تراجع المنتسبين لكليات التربية.
المجالس التحكيمية
ثمة ضغوط كثيرة تمارس من تحت الطاولة لتأخير إقرار المجالس التحكيمية التي تنظر بالنزعات بين الأهالي وإدارات المدارس. وبحسب المعلومات سيتأخر إقرار "المجالس" إلى ما بعد شهر شباط المقبل. والهدف من هذا التأخير تمرير انتخابات لجان الأهل في المدارس، وإقرار الموازنات ومصادقتها من مصلحة التعليم الخاص. بعد هذا التاريخ يمكن إقرار المجالس التحكيمية التربوية. فإلى حين استلام هيئة المجلس التحكيمي مهامها تكون السنة الدراسية قد انتهت وسقطت معها المهل القانونية. وبمعنى أوضح تسقط مهل الطعون في انتخابات لجان الأهل بمرور الزمن، وتكون الموازنات قد أقرت أيضاً.
