في الديّمان ضجّة. فاللجنة المكلّفة من البطريركيّة بمعالجة ملف أراضيها مع الأهالي، وهم "شركاء الدير" منذ مئات السنين، لا ترد على الاتصالات. محامي اللجنة يمتنع عن الإجابة عن أي سؤال. والأهالي طبعوا لافتات كبيرة بلغات متعدّدة لرفعها في الساحات العامّة، وكذلك في اللقاءات التي ستحصل خلال زيارة البابا لاوون الرابع عشر للبنان. لماذا وصلت الأمور إلى هنا؟
قرية عذراء بين الوادي المقدس وجبل المكمل
تقع الديمان في إحدى أجمل بقاع لبنان. تضم المقر الصيفي للبطريركية المارونية في دير السيدة، وفيه كنيسة السيدة التي رسم الفنان صليبا الدويهي على سقفها وجداريّاتها أجمل الرسوم الكنسية. امتداد مساحتها هائل في كل الاتجاهات من الوادي المقدس حتى جبل المكمل، وهي الوحيدة الباقية عذراء في تلك النواحي، لم تمتد إليها غابات الباطون وبشاعاته.
تمتلك البطريركية المارونية أراضي الديمان، باستثناء جزء ضئيل منها، ويقوم فيها نحو 150 بيتاً يسكنها أحفاد وأبناء أحفاد لشركاء قدامى. وعلى غرار بقية البلدات والقرى في قضاء بشرّي، تمتلئ صيفاً وتكاد تفرغ شتاءً. في لوائح الشطب الانتخابية 1250 اسماً ديمانيّاً يقترع منهم في القرية 350، والباقون مقيمون في الخارج: كندا (هاليفاكس خصوصاً)، أوستراليا وسواهما.
ملف الشراكة: من عهد صفير إلى التنفيذ الأحادي الجانب
بدأ البحث في موضوع الأراضي من زمن بعيد أيام البطريرك الراحل نصرالله صفير. ولكن أخيراً، بدأت لجنة كنسية تنفيذ إجراءات من جانب واحد لفك الشراكة مع أهالي الديمان على قاعدة تمليك كل ساكن بيته مع مساحة تراوح من 1100 متر إلى 1400 حوله، لقاء بدل رمزي. في المقابل، يَسقُط حقه كلياً في شراكة الأراضي التي ورثها عن أجداده، فتصير البطريركية مالكة نحو 87 % من الأرض والأهالي 13 % . ولكن يمكن ابن الديمان استغلال الأرض مجدداً بموجب عقود إيجار، وفق أسعار العرض والطلب في السوق العقاري.
بين "سوليدير" و"الهنود الحمر": أين الثقة؟
يخشى الأهالي حيال هذا العرض اعتبار أراضي قريتهم عقارات للعِمار بدلاً من أن تبقى أراضي زراعية كما كانت عليه منذ مئات السنين. يتخوفون بالأكثر -نتيجة فقدان عامل الثقة بفعل حالة الصمت وعدم الحوار معهم- أن يكون ثمة ما يُشبه مشروع سوليدير في الأفق، مُقدِّرين جمال قريتهم الذي سيجذب المقتدرين إليها من كل حدب وصوب، بما يقضي عليها كـذاكرة وروح ويحوّلهم أشبه بـِ "هنود حمر" فيها، على غرار أنحاء عدة في الشمال هجم عليها الأغنياء من خارجها بالفِلل والقصور، فما عادت تُشبه في شيء ذاتها.
ويُقدّر الأهالي أن المسألة تتعلّق بمئات ملايين الدولارات في ظل لا شفافية مطلقة، ولا شراكة، أو حتى أخذ رأي الأهالي.
حوادث "الإيجار الطويل": مواجهة الأهالي والمستثمرين
يروي الأهالي في السياق ثلاث حوادث وقعت أخيراً في الديمان. إحداها عندما حضر أحد الأشخاص بصفته مستثمراً جديداً، وأراد أن يضع حدوداً وعلامات لقطعة أرض استحصل عليها حديثاً من الكنيسة بموجب عقد إيجار طويل الأمد، يقال لمدة 20-30 سنة ويُقال لمدة 9 سنوات قابلة للتجديد. بسؤاله عن الضمان الذي يطمئنه إلى أن البيت أو الفيلّا التي ينوي بناءها ستبقى له بعد انقضاء مدة الإيجار، قال إن المؤجّرين أكدوا له استحالة أن تطرد الكنيسة الناس من بيوتهم، وعقد الإيجار سوف يتجدد تلقائياً.
في مكان آخر، رافقت المستثمر الجديد عناصر من قوى الأمن، لأنّ رجلاً كان قد اعترضه وقال له إنه ورث الحق في تلك الأرض عن والده وجدّه ولا تزال الشراكة سارية المفعول. وبالرغم من المواكبة الأمنية، استطاع الرجل أخذ رخصة العِمار بين يديه ومزّقها. حادثة ترمز إلى أن ثمة من يضع الناس في مواجهة بعضهم مع بعض بفعل قصر نظر، وبذهنية استعجال الاستثمار العقاري السريع.
الحادثتان الأخريان مرّتا على خير أيضاً. ولكن لا أحد يعرف عدد قطع الأرض التي أُجِّرت على مدى بعيد بهدف البناء عليها من دون علم الأهالي الذين يقولون إنهم ورثوا الأرض عن أجدادهم. بعضهم يتحدث عن أشخاص شهيرين بنفوذهم وشهيتهم المفتوحة على المال يحركون العملية برمتها. ويضيفون أن الغاية ليست تحسين مردود الأراضي الزراعية أو تثبيت الأهالي في قريتهم؛ بل بيع العقارات للبناء عليها بأسعار السوق لمن يستطيع، وهُم لا يستطيعون لأنهم فقراء إجمالاً.
وثائق الكنيسة وغياب إثباتات الأهالي
في غياب مستندات ووثائق بين أيدي الأهالي عن طريقة تملّك تلك المساحات الشاسعة، يروي بعضهم أن الأرض لم تكن ذات قيمة قبل الثورة الصناعية وصناعة الحرير. كثيرون من المُلّاك القدامى تخلّوا عن أراضيهم للكنيسة لقاء تعليم أولادهم أو وفاءً لنذور والصلاة لراحة أنفس موتاهم، أو خصوصاً تخلّصاً من دفع الميرة زمن الدولة العثمانية على أن يستعيدوها لاحقاً. ثم حلّت نكبات اقتصادية وتلتها مجاعة الحرب العالمية الأولى، فمات من مات وهاجر من هاجر ولم يستعيدوا أراضيهم، وها هي اليوم تُؤخذ من أبناء أحفادهم.
ويروون أن الكنيسة جمعت المستندات والوثائق والحُجَج بسلطتها من الأهالي، مطلع النصف الثاني من القرن العشرين، ومسحت الأراضي باسمها في غفلة منهم ومن الزمن. ولكن لا إثباتات مادية لدى أيّ منهم على ما يذهبون إليه.
أسئلة القلق: لماذا حرمان البنات والأخوة من حقهم؟
شكّل الأهالي لجنة ثنائية من المختار ورئيس النادي الديمانيّ حاورت اللجنة الاقتصادية التي يترأسها مطران في الديمان، وتعلوها لجنة برئاسة مطران في بكركي. وكانت الأجواء جيدة إلى أن بدأت إجراءات فض الشراكة من جانب واحد. فوسّع الأهالي اللجنة التي تمثلهم لتضمّ سبعة محامين وحقوقيين من القرية. ومع إثارة الضجة حول إدخال مستثمرين جدد إلى أراض ما زالت بأيدي الديمانيّين بحكم الشراكة المستمرة، توقف الحوار منذ أكثر من شهر، وتفاقم غياب الثقة بعامل مرور الوقت.
إلا أن مؤشرات برزت لاحقاً إلى قبول اللجنة الكنسية معاودة الحوار قريباً مع لجنة الأهالي الموسعة التي ستقدم طلباً واحداً: أوقفوا رجاءً كل أشكال إدخال مستثمرين جدد على أراضي الشراكة مع أهالي الديمان.
والظاهر أن عوامل القلق متوافرة بكثرة عند الجانبين، لكن أحدهما صامت لا يُجيب ولا يُفصح عما ينوي فعله.
وبدافع القلق، يطرح الأهالي سلسلة طويلة من الأسئلة:
لماذا تريد البطريركية الأراضي الشاسعة وفك شراكتها مع الديّمانيّين وحصرهم في بيوتهم، بدلاً من تشجيعهم على البناء في قريتهم عبر منح أراضٍ صالحة للعمار للفروع وبنات القرية؟
الحاصل أن العرض بالتمليك يشمل ساكن المنزل أو من يشغله وليس إخوته أو أخواته. والبنات المسيحيات يرثن كالأبناء، فلماذا تحرمهنّ الكنيسة مكاناً لهنّ في قرية أهاليهنّ وتحصر الحق في أحد إخوتهنّ، وماذا عن الأخوة والأعمام الباقين؟
إذا كانت الكنيسة تخشى أن يبيعوا الأرض، فهم أيضاً -بفعل انعدام الثقة- يخشون أن تبيعها بالطريقة التي اتبعت في بكركي لتمليك السيد وليد غيّاض، حيث استُبدِلت قطعة أرض بخسة الثمن يملكها بقطعة أرض في محيط المقر البطريركي. وما الذي يمنع اتباع الأسلوب نفسه في الديمان ما دامت الشهية مفتوحة على الأرض كعقارات وليس لقيمتها الاستثمارية الزراعية؟
وهل تساعد هذه المقاربات والأخلاقيات في تثبيت الناس في قراهم وتدفع من هاجروا إلى استعادة روابط بأرض أجدادهم، أم تضطر الباقين إلى الهجرة بحثاً عن أرض يعرف أهلها الرحمة؟
"فيلسوف الأرض": الخلاف ليس مع البطريرك بل مع السماسرة
أسئلة الديّمانيّين لا تجد من يجيب عنها ما دامت اللجنة الكنسية تلزم الصمت.
إلا أن أستاذ الفلسفة المتقاعد سمير غصن، الذي لُقّب بـِ "فيلسوف الأرض" بعد أن بنى نظرية أن "سبب شقاء الإنسان هو ابتعاده عن الطبيعة"، يتحدث عن خلل في النظام الذي تحوّل من زراعي إلى رأسمالي متوحش. يسأل: "من أين سيأتي الراغبون في بناء فيللات وقصور في الديمان بالمياه، وهي ما عادت تكفي لبيوتنا فكيف بالمزروعات؟"
ويُصرّ على أن "الخشية هي من احتمال وجود شبكة سماسرة تتطلّع إلى بيع الديمان بهدف جني الأرباح من دون علم سيّدنا البطريرك. ولا خلاف مع الكنيسة المارونية؛ بل نتبعها ونحترمها وندافع عنها من جيل إلى جيل".
