تتواصل في مدينة حلب شمال سوريا أعمال مشروع "فرص العمل الخضراء" الذي أطلقته المحافظة بالتعاون مع منظمة العمل الدولية ووحدة دعم الاستقرار ومديرية الشؤون الاجتماعية والعمل وحملة "لعيونك يا حلب".
ويستمر المشروع ضمن خطة تنموية مجتمعية تهدف إلى إعادة الحياة إلى الأحياء المتضرّرة بفعل سنوات الحرب، وتأمين مصادر دخل مستدامة للأسر الفقيرة والعائدين إلى منازلهم.
مدينة تبحث عن حياة جديدة
بعد أكثر من عقد من الدمار الذي طال البنية التحتية والصناعات والأسواق، لا تزال حلب تواجه تحديات هائلة في إعادة الإعمار والتشغيل. ورغم تحسّن نسبي في بعض القطاعات، فإن البطالة تبقى مرتفعة، خصوصاً بين فئة الشباب والنساء.
ومن هنا تأتي أهمية المشروع الجديد الذي لا يكتفي بتوفير فرص عمل مؤقتة، بل يسعى إلى بناء ثقافة عمل خضراء مستدامة، تُعيد تنظيم الحرف والأعمال اليدوية في إطار بيئي وصحي، وتفضي إلى نموذج مصغّر للتعافي المحلي القائم على تكاتف المجتمع والدولة والمنظمات الدولية.
ميزانية بملايين الدولارات
بميزانية تقديرية تبلغ 31 مليون دولار، يوفّر المشروع نحو 170 فرصة عمل مباشرة تشمل مهندسين وفنيين وعمّالاً عاديين، مع تسجيلهم في التأمينات الاجتماعية وتأمين رواتب شهرية ثابتة.
وتغطي أعمال المشروع ثمانية أحياء من أكثر المناطق تضرراً: الحلوانية، السكن الشبابي، الميسر، الجزماتي، القاطرجي، ضهرة عواد، صلاح الدين والعامرية، حيث يتم تأهيل الأرصفة، وتنظيف الشوارع، وفرز الأنقاض، وإعادة التدوير، وصيانة شبكات الصرف الصحي، وتأهيل المساحات الخضراء.
يقول محافظ حلب عزام الغريب إن المشروع يجمع بين إعادة البنية التحتية وتعزيز الوعي المجتمعي، موضحاً أن العمل في قاضي عسكر لم يُختر صدفة، بل لرمزية المنطقة التي كانت من أكثر الأحياء تضرراً. نحن نعيد بناء المكان والإنسان معاً".
ويضيف الغريب أن المحافظة تخطط لتوسيع هذه التجربة لاحقاً لتشمل مناطق أخرى، "على أساس أن التعافي لا يمكن أن يكون حكومياً فقط، بل يجب أن يكون مشاركة بين الأهالي، والمنظمات، والقطاع الخاص المحلي".
من جانبه، يؤكد رئيس مجلس المدينة محمد علي العزيز أن المشروع يمثّل "تحوّلاً في فلسفة إعادة الإعمار، من فكرة التعويض إلى فكرة التنمية".
ويقول: "نريد أن نعيد بناء المدينة على أسس جديدة؛ أن يكون الشباب والنساء جزءاً من العملية، وأن نخلق فرصاً إنتاجية بدلاً من المساعدات العابرة. نحن نعيد الاعتبار للعمل كقيمة مجتمعية ومصدر كرامة".
العاملون: "نزرع الأمل"
في أحد شوارع حيّ الميسر، يضع العامل محمد عبد القادر خوذته البلاستيكية الصفراء، يمسح العرق عن جبينه ويبتسم وهو يقول لـ"المدن": "كنت أعمل في معمل نسيج قبل الحرب، وبعد تدميره لم أجد عملاً ثابتاً. كنت أعيش من أعمال يومية متقطعة. الآن، من خلال هذا المشروع، أشعر أنني عدت للحياة من جديد. الراتب ليس كبيراً، لكنه منتظم، والأهم أنني أعمل في بناء حيّي بيدي. كل حجر نعيده إلى مكانه يشعرني بأننا نستعيد مدينتنا".
وعلى بعد أمتار، تعمل مجموعة نساء على تنظيف رصيف وطلائه بشكل منتظم ونظيف، حيث تقول رهف المحمد، وهي أرملة في الأربعين من عمرها لـ"المدن": "لم أكن أظن أنني سأعمل يوماً في مشروع عام. كنت أبحث فقط عن وسيلة لإطعام أطفالي، لكنني هنا أشعر أن لي دوراً حقيقياً".
أما الشابة ليلى سليم (25 عاماً)، فتقول وهي تمسك بأداة تنظيف معدنية: "تخرجت من معهد تجاري، ولم أجد عملاً منذ ثلاث سنوات. المشروع أعطاني فرصة للتدريب، وتعلمت كيف أستخدم معدات إعادة التدوير. الآن لدي خبرة أستطيع من خلالها أن أعمل في أي شركة خدمات بيئية لاحقاً".
تكافل محلي ومشاركة دولية
المشروع الذي يجمع بين التمويل الدولي والإدارة المحلية والمبادرات المجتمعية يُنظر إليه كنموذج عملي لإعادة الإعمار التشاركي، إذ تشارك في تنفيذه منظمات المجتمع المدني المحلية، ومبادرات شبابية تطوعية.
ويرى متابعون للشأن السوري أن نجاح هذا المشروع في حلب قد يفتح الباب أمام توسيع مفهوم "الإعمار الأخضر" في سوريا، الذي يربط بين التنمية المستدامة وتوفير فرص العمل، بما يتماشى مع أهداف خطة التعافي الوطنية التي أطلقتها الحكومة السورية بالتعاون مع شركاء دوليين.
