آلاف السوريين ضحية تلف سجلات الوكالات العدلية

محمد كساحالجمعة 2025/11/07
Image-1762510432
حددت وزارة العدل الآليات الواجب اتباعها لترميم السجلات التي تعرضت للتلف (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

أتى تعميم وزارة العدل السورية المتضمن آليات ترميم الوكالات العدلية، بمثابة خطوة إسعافية، لكنها غير كافية. فقد تسببت ظروف الحرب التي مرت بها عشرات المدن السورية إلى ضياع وتلف سجلات دوائر الكتّاب بالعدل في بعضها، بالموازاة مع فقدان المئات من السوريين الفارين من مناطق الحروب، لأوراق الطابو والوكالات.

وأكد سكان عديدون من مدينة داريا بريف دمشق لـ"المدن" عدم حيازتهم لأي وثائق تثبت ملكياتهم لشقق سكنية في المدينة بعد تلف سجلات الكاتب بالعدل نتيجة احتراقها بين عامي 2013 و2016 وهي الفترة التي وقعت فيها المدينة تحت حصار خانق. 

تتجاوز السجلات المحروقة في محكمة داريا قرابة 1500 سجل، بحسب المحامي جلال شعيب، المطلع جيداً على هذا الملف. وأشار شعيب والسكان الآخرون لـ"المدن" إلى أن مئات الملاك وثقوا ملكياتهم ضمن هذه السجلات، ولأن مجرد حيازة الوكالات العدلية لا يعني بالضرورة دخولها السجل العقاري، فقد صدم هؤلاء من عدم امتلاكهم قيوداً في السجلات العقارية التي لم تتعرض لأي أضرار تذكر. الأمر الذي يجعلهم أمام مشكلة عويصة تستلزم جهوداً حكومية وحقوقية كبيرة، بغية حلها.

 

مئات السجلات أتلفت في داريا

يوضح المحامي شعيب أن وظيفة الكاتب بالعدل كانت تقوم على تنظيم تعاملات البيع والشراء بين الناس، بموجب وكالة عدلية غير قابلة للعزل. مشيراً إلى إقبال المواطنين قبل الثورة على هذه الوكالات عوضاً عن نقل الملكيات ضمن السجل العقاري، بما يعرف بـ"ورقة الطابو"، لأسباب عديدة منها عدم اطلاعهم الكافي على طرق تثبيت ونقل الملكيات. 

ويؤكد أنه في مدينة منكوبة مثل داريا، تعرضت جميع سجلات الكاتب بالعدل للحرق بعد العام 2012، الأمر الذي يتسبب الآن بمشكلات معقدة تواجه الملاك لاسيما سكان البيوت الطابقية التي تتميز بكونها غير مفرَزة طابقياً. ونتيجة لعدم إفرازها، ولأن هذه المباني منظمة بموجب عقود التخاصص أمام الكاتب بالعدل، فقد وجد الملاك أنفسهم أمام أزمة تتمثل بعدم وجود قيود عقارية لملكياتهم في السجلات العقارية. 

تقوم الطريقة الإسعافية المتبَعة حالياً لمعالجة هذه المشكلة، على تثبيت الوكالات الممهورة بالختم الأزرق حصراً عبر قرار محكمة، ثم رفع دعوى لنقل الملكية من "وكالة عدلية" إلى "حكم محكمة". يلفت شعيب أن هذا الحل يثقِل السجل العقاري بإشارات الدعوى، وبالتالي لا يمثل حلاً جذرياً خصوصاً مع احتمالية فتح أبواب تزوير الملكيات.

 

النزوح أضاع مئات الوثائق 

التحدي الأكبر يتمثل في أن الحل الذي أورده شعيب لا ينطبق على عدد كبير من الملاك، الذين تركوا وثائق ملكياتهم داخل منازلهم قبيل عملية النزوح من المنطقة التي جرت خلال العامين 2012 و2013. واليوم لا يمتلك هؤلاء أي وثيقة طابو أو حتى وكالة ممهورة بالختم الأزرق. 

غادر مروان مدينة داريا نهايات العام 2012 تاركاً وراءه كل شيء حتى أوراق الطابو الخاصة بعقاراته بالمدينة. في العام 2015 تعرضت المنطقة التي تقع فيها الأوراق لتمدد النظام الأسدي وتم تعفيشها بالكامل. يقول مروان لـ"المدن" إنه لم يعثر على الأوراق إثر عودته إلى المنزل بعد سنة ونصف السنة، مؤكداً أنه يعاني من تحدي التصرف بأملاكه، التي يرغب ببيع قسم منها. لكن المشترين يمتنعون عندما يدركون صعوبة نقل الملكية من البائع إليهم.

 

"العدل" تتحرك لترميم السجلات

من جانبها، وجهت وزارة العدل السورية تعميمًا إلى رؤساء العدليات في المحافظات، حددت من خلاله الآليات الواجب اتباعها لترميم سجلات بعض دوائر الكتّاب بالعدل التي تعرضت للتلف أو الضياع بفعل الحريق أو غيرها، وذلك ريثما يصدر صك تشريعي دائم بهذا الشأن. 

اشترطت الوزارة لقبول طلب إيداع أو ترميم أي عقد أو وثيقة، وجود نسخة أصلية مصدقة طبق الأصل عن المحرّر أو الوثيقة المفقودة أصلها. وأكدت أنه في حال عدم وجود هذه النسخة، لا يقبل الطلب، ويكلف صاحبه بمراجعة القضاء المختص للمداعاة بشأن أي حق يدعيه.

وأوضحت الآلية أنه إذا كانت نسخة أصلية أو صورة أولى مصدقة من الوثيقة بحوزة أحد الأطراف، ويبدو مظهرها الخارجي لا يثير الشك، فيمكن له طلب إيداعها وتسجيلها لدى الدائرة المختصة التي تم فيها التوثيق أصلًا.

وبعد تقديم الطلب، يتعين على الكاتب بالعدل إبلاغ نسخة من الطلب والوثائق المرفقة إلى جميع أطراف العقد أو الوثيقة، ودعوتهم لإبداء موقفهم أو اعتراضهم خلال مهلة ثلاثين يومًا، على نفقة مقدم الطلب.

وفي حال قبول جميع الأطراف بالطلب أو عدم ورود اعتراض منهم، يرفع الملف إلى القاضي البدائي الأول المختص. ويتولى القاضي بدوره دراسة الطلب والتحقق من هويات الأطراف وغياب البطلان الظاهر في الوثيقة، كما يأمر بإجراء خبرة للتأكد من صحة توقيع الكاتب بالعدل وخاتمه، ليصدر بعدها قراره بقبول طلب التسجيل أو رفضه.

 

مخاطر ترميم الوثيقة العقارية 

النظام السابق أصدر في 23 تشرين الثاني 2017 القانون رقم 33 الناظم لإعادة تكوين الوثيقة العقارية المفقودة أو التالفة جزئياً أو كلياً، ما أتاح فرصة إعادة إنشاء الوثائق العقارية المتضّررة عن طريق إجراءين إداري أو قضائي. لكن هذا القانون لم يراع الملاك المهجرين واللاجئين كونه اشترط اقتران الاعتراض على عملية إعادة التكوين بحضور صاحب المصلحة أو وكيله القانوني.

أما الجانب الأخطر في القانون، فتمثل بتحوله إلى منفذ للتلاعب بالملكيات، بسبب فتحه باب الاعتراض على مصراعيه، ولوجود الكثير من الملكيات غير الموثقة في السجلات العقارية، إما للاكتفاء بعقود البيع أو توثيقها بالوكالة الخاصة بالبيع غير قابلة للعزل (الوكالة العدلية).

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث