عودة إلى الشام: عبده جاجاتي.. ذهب الذاكرة وحلم الصناعة

دمشق - واصل حميدةالخميس 2025/11/06
Image-1762422283
اضطر لمغادرة دمشق بسبب ظروف صعبة فرضتها الحكومة السورية آنذاك (المدن)
حجم الخط
مشاركة عبر

 

بعد عقود من الغياب، يعود عبده جاجاتي، السوري الأمريكي ابن حي القيمرية في دمشق القديمة، لاستعادة أكثر من مهنة ولإعادة وصل خيط قطعه الزمن بين الحياة والذاكرة، وبين الحرفة والهوية.

 

من سوق الصاغة بنيويورك إلى دمشق

وُلد عبده جاجاتي ونشأ في قلب دمشق القديمة، في بيت تنتمي عائلته إلى الطائفة الموسوية (اليهودية). يفخر بأصوله قائلاً: "إحنا خانتنا 7... يعني من أوائل أهل الشام، يعني من الشام والشام القديمة، من القيمرية".

البيت ذاته، الذي كان من أكبر بيوت دمشق القديمة ويضم ثماني وعشرين غرفة، تحول في غياب العائلة إلى فندق. وكان ذلك يُؤلم جاجاتي: "شيء بزعج... كان لازم يبقى هذا بيت جاجاتي متل ما كان منذ أكثر من 300 سنة".

 

قصة ارتباطه بسوق الصاغة مسار مهني وشخصي متداخل. يروي بتأثر: "دخلت سوق الصاغة كان عمري تسع سنوات وخرجت منه متزوجاً وعمري أربعة وثلاثين سنة". كانت الأسواق والأزقة مدرسة وحياة، ومن هناك نسج علاقاته ومهنته بين الذهب والناس.

 

عام 1990 فرضت ظروف سياسية واقتصادية تغيّراً قاسياً: "قرار مغادرة الشام كان صعباً جداً. ففي عام 1990، عند صدور قرار الرحيل، بقي في البداية حوالي 1700 مواطن من يهود دمشق. ولكنه اضطر للمغادرة لاحقاً بسبب ظروف صعبة فرضتها الحكومة السورية آنذاك". ومنذ تلك اللحظة بدأت رحلة الغربة التي لم تقطع ارتباطه بالمدينة. ويؤكد: "من يوم اللي طلعت أنا، لوقت اللي اندلعت فيه الثورة ضد بشار الأسد، كنت تقريباً بالسنة أجى ثلاث مرات".

 

حتى بعد استقراره في نيويورك بعد عام 1992، ظل يعود لوطنه عبر زيارات متكررة. وبسبب عمله في الخليج، وخاصة دبي، كان يستغل أي وجود له هناك ليقضي عطلة نهاية الأسبوع (يومين أو ثلاثة) في دمشق مع أصدقائه الذين تربوا معه في سوق الصاغة. كانت آخر زيارة له قبل الثورة قبل أربعة أشهر، دلالة على أن علاقته مع مدينته لم تنقطع جسدياً أو روحياً.

 

التعايش الذي كان.. 

من زاوية طفولته وشبابه ينسج جاجاتي صورةً لتعايش دمشقيّ تميّز باليومية والتلاقح الاجتماعي. "ما كان في أي تفرقة، العالم كله عايشين مع بعضها"، هكذا يصف أيام السوق ويستعيد وجوهاً وممارسات رمضان التي عبّرت عن تكاتف المجتمع. يتذكر شخصيات مثل الشيخ عبد الرزاق والشيخ توفيق (رحمهما الله) اللذين، في أيام رمضان، كانا يدخلان إلى كل المحلات دون استثناء — مسيحية كانت أو إسلامية أو يهودية — لجمع التبرعات، وكان الجميع يتبرع بسخاء وافتخار.

 

ومع هذا الحنين العميق، ينقلب الحزن على ما فقده من معالم شكلت إطار الحياة اليومية: "سوق الصاغة كان يقع مقابل الجامع الأموي. بجوار أسواق المسكيّة، القباقبية، والقوافين... مع الأسف، هذه الأسواق كلها راحت على أيام النظام لسبب تافه... هالحكي صار له 42 سنة تقريباً".


لطالما كانت خسارة الذاكرة الجماعية مؤلمة أكثر من الخسائر المادية، ويبدو أن جزءاً من دوافع عودة جاجاتي يكمن في استعادة تلك الذاكرة والبنى الاجتماعية.

 

صون المهنة الدمشقية في المهجر

واصل جاجاتي مسيرته الحرفية رغم الهجرة، محافظاً على المعايير التي اكتسبها في أسواق دمشق القديمة. تميّز في صناعة الذهب عيار 21 (الشرقي)، ونقل هذه الخبرة معه إلى نيويورك حيث أسس مشروعاً ناجحاً، حافظ من خلاله على نكهة الحرفة الدمشقية وهويتها التقليدية. كما يقول: "الذهب الشرقي يفضله العرب، وخاصة أخوتنا الفلسطينيين الذين يشكلون النسبة الأكبر من زبائني ويبادلوني كل مشاعر الحب والثقة ونبتعد بإنسانيتنا عن التفرقة السياسية والمشاعر الحاقدة التي نسمع عنها".

 

يرى جاجاتي في إعادة صناعة الذهب (عيار 21) إلى سوريا فرصة لإعادة الصناعة اليدوية السورية إلى مكانتها، ويشير إلى أن "نسبة كبيرة من الصناعة في دبي والأردن هي بأيدي سوريين". وعلى هذا الأساس يرسم هدفه بإعادة الحرفة السورية خصوصاً اليدوية منها، التي ما زالت مطلوبة بشدة على المستوى العالمي. ويؤكد: "يشهد على جودة الصناعة السورية انتشار معامل سورية ناجحة في دبي ولبنان".

 

من منظوره، ليست العودة الاقتصادية مبادرة فردية فحسب، بل نمط يمكن أن يتسع ليشمل فئات ومهناً متعددة داخل الجالية السورية وخارجها. ويوضح أن لديه أفكاراً كثيرة وأنه زار الجهات الحكومية المعنية لعرض خطط إقامة مصانع في سوريا، مضيفاً: "كانوا منفتحين وكتير كانوا متساعدين".

 

يختتم حديثه مؤكّداً أن عودة الحركة الاقتصادية والصناعية لن تقتصر عليه فحسب، بل ستشمل الكثيرين من أفراد طائفته ومجالات عدّة، ويتمنى أن تتحقق هذه العودة "بالوقت القريب".

 

بين الذاكرة والواقع

قصة عبده جاجاتي، اليهودي الدمشقي، ليست مجرد حكاية عائد إلى مسقط رأسه لإطلاق مشروع تجاري، إنها فصل في الحكاية السورية وتذكير بأن قصص التعايش والمهارة اليدوية والبيوت التي تحوّلت إلى فنادق مازالت تحمل دلالات سياسية وثقافية واجتماعية. جاجاتي لا ينظر إلى استعادة الماضي كمرجع جامد، بل كقاعدة يُحتمل أن تُبنى عليها اقتصاد وصورة اجتماعية جديدة: "بدنا ترجع الشام مثل ما كانت وبس".

 

يطرح مشروعه تساؤلات عملية، كيف تُوظّف التجارب المهاجرة خبراتها ومعارفها لصالح إعادة الإعمار؟ وكيف تتحول الحرف اليدوية إلى محركات تشغيل ومصادر دخل تحفظ الذاكرة وتؤمن العيش؟ في إجابات جاجاتي ثِقة بسيطة، الشغف بالحرفة، الارتباط بالمدينة، والثقة بقدرة مؤسسات الدولة والمجتمع على التعاون، عوامل قد تشكّل بداية طريق طويل نحو استعادة ما فُقد.

 

ويبقى صوت الدمشقي عبده جاجاتي حاملاً لحناً واحداً: حب الشام، الأمل بالعودة، وحِفظ الذاكرة. 

هو عائد ليرمّم ذلك الرباط بين الماضي والحاضر، بين ذهب السوق وذهب الذاكرة.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث