عندما أطلّ المدير التنفيذي السابق لمشاريع "غوغل إكس"، محمد جودت (Mo Gawdat)، في برنامج "يوميات مدير تنفيذي" مع ستيفن بارتليت قبل ثلاثة أسابيع، أطلق توقّعاً مثيراً للجدل: الذكاء الاصطناعي على وشك أن يُقوّض أسس النظام الرأسمالي. وبرأيه، فإن وتيرة تطوّر الذكاء الاصطناعي تجاوزت كلّ التوقّعات، إلى حدّ أن العالم قد يواجه خلال عقد واحد فقط اضطراباً اقتصاديّاً واجتماعيّاً عميقاً، يليه عصر جديد تُنتج فيه الآلات السلع والخدمات بتكلفة شبه معدومة. هذه المرحلة الانتقالية، التي وصفها جودت بـ"الديستوبيا"، قد تمتدّ ما بين 12 و15 عامًا، وستُحدث تحوّلات جذرية في مفاهيمنا حول العمل، والحرية، وتوزيع السلطة.
التقدّم السريع نحو الديستوبيا
يعتقد محمد جودت أن الأزمة المقبلة ستكون نتيجة السرعة الهائلة في تطوّر الذكاء الاصطناعي. فبحلول عام 2027، يتوقّع أن تبدأ ملامح مجتمع تهيمن عليه الخوارزميات والرقابة الرقمية بالظهور. في هذا العالم، قد يتمكّن وكلاء الذكاء الاصطناعي من اتخاذ قرارات مصيرية، مثل السماح بالسفر أو إدارة الأموال، من دون تدخّل بشري. وإذا ما أصبح معظم الناس معتمدين على هذه الأنظمة في حياتهم اليومية، فإنها ستتحوّل تدريجيّاً إلى أدوات تتحكّم بمسارات حياتهم بشكل كامل.
ويرى جودت أن هذا التحوّل الاجتماعي العميق يُعيد رسم حدود الحرية، والمساءلة، والاتصال، والاقتصاد، وتوزيع السلطة. وفي غياب ضوابط تنظيمية واضحة، قد تؤدّي القرارات الخوارزمية إلى تضخيم انحيازات بسيطة وتكريس ظلم ممنهج.
ويذكر جودت مثالاً شخصيّاً حين تمّ تجميد حساباته المصرفية بشكلٍ مؤقت، بناءً على تقييمات آلية للمخاطر، يُحتمل أنها تأثّرت بخلفيّته الشرق أوسطية. هذا المثال، كما يُحذّر، ليس استثناءً بل نذيرٌ لما يمكن أن تُصبح عليه حياتنا في ظلّ أنظمةٍ تصدر قرارات مصيرية بلا ضوابط أو مساءلة.
نهاية الرأسمالية وإعادة تعريف العمل
يرى جودت أن الأتمتة هي المحرّك الحاسم للتحوّل المقبل، رافضاً الاعتقاد بأن وظائف جديدة ستحلّ تلقائيّاً محلّ الوظائف المفقودة كما حدث في الثورة الصناعية. فشركته الناشئة استبدلت بالفعل مئات المبرمجين بأنظمة ذكاء اصطناعي.
ومع تنامي قدرة الآلات على أداء المهام الجسدية والمعرفية معاً، لن يكون العمل أساساً للقيمة. إذ تقوم الرأسمالية على دورة يتقاضى فيها العمال أجوراً ويستهلكون السلع، بينما يراكم رأس المال القيمة الزائدة. لكن هذه الدورة تنهار عندما تحلّ الأنظمة الذكية محلّ البشر، دون أن يكون لهؤلاء دخل يُمكّنهم من الاستهلاك.
ويضيف: مع انخفاض تكلفة الطاقة والإنتاج، يفقد المال وظيفته. في مثل هذه الحالة، حيث تصبح السلع وفيرة ومتاحة بأقلّ التكاليف، يتّجه توزيع الموارد تلقائيّاً نحو نموذج أقرب إلى الاشتراكية.
ويُحذّر جودت من اندثار معظم الوظائف المكتبية، باستثناء تلك التي تعتمد على التفاعل الإنساني المباشر. ويدعو الحكومات إلى الاستعداد لهذا التحوّل عبر توفير دخل أساسي شامل، وإعادة تأهيل القوى العاملة لمهارات تتناسب مع الواقع الجديد.
ويُوضح الفرق بين عصرنا، عصر "الذكاء المعزّز"، حيث نستخدم أدوات ذكية، وعصر "السيادة الآلية"، حيث تتولّى الآلات المهام بالكامل. ولتفادي الاضطرابات، يدعو إلى أن تتركّز النظم التعليمية على القيم الإنسانية مثل التعاطف والإبداع، وأن يتحوّل تركيزنا نحو الفنون، والحرف، والعلاقات، بدلاً من الوظيفة.
لكنّ عالم ما بعد العمل يطرح سؤالاً أعمق عن معنى الحياة. يرى جودت أن البشر لا يبحثون عن العمل بحدّ ذاته، بل عن العلاقات، والفراغ، والطعام الجيد. ويستشهد بمجتمعات تقليدية تلبّي احتياجاتها الأساسية، وتقضي بقية وقتها في الرقص والضحك، كدليل على أن الرفاه لا يرتبط بالكدّ المستمر.
فكرة أن العمل الشاق يُعرّف قيمة الإنسان ليست حتميّة. فقبل الصناعة والإنتاج المجتمعي، قامت المجتمعات بالصيد، وجمع الثمار، والعمل فقط لتلبية الاحتياجات؛ ونجح البشر من خلال التعاون لا التنافس. لذلك، فإنّ عصر ما بعد العمل يتطلّب تبنّي قيم مشابهة.
تركّز القوة والانفجار الذكائي
يزداد التعقيد بسبب احتكار الذكاء الاصطناعي. بعض النماذج الأساسية، مثل ChatGPT وقلّة من المنافسين، تهيمن على الساحة، وبعض الأنظمة مُصمَّمة لتحسين شفرتها ذاتياً. مثل هذه الخصائص قد تُسبّب "انفجاراً ذكائياً"، حيث تتطوّر الأنظمة بوتيرة لا يستطيع البشر مواكبتها. وفي الوقت نفسه، ينكبّ المديرون التنفيذيون لشركات الذكاء الاصطناعي الكبرى على تعظيم قيمة أسهمهم وأرباحهم، ويُواصلون سباق تطوير النماذج رغم المخاطر والتحذيرات. لقد غادر كُثر من فرق السلامة لدى شركة OpenAIبعد تحوّلها نحو الربح، وهذا مؤشّر مقلق. يدعو جودت الجمهور إلى "اتباع المال"، وفهم أن الدوافع الربحية، وليس الإيثار، هي التي تقود انتشار الذكاء الاصطناعي اليوم.
يشير جودت إلى أن مدير OpenAI، سام ألتمان، انتقل من الدعوة لإبطاء التطوير إلى التنبؤ بالاقتراب من الذكاء الاصطناعي العام. هذا الخطاب يُعبّر عن سباق تسلّح عالي المخاطر، حيث لا تستطيع الشركات التوقّف بمجرد أن تصبح الأنظمة قادرة على تصميم الجيل التالي من شفرتها.
الاشتراكية ضرورة حتمية
رغم الصورة القاتمة على المدى القصير، يرى جودت أملاً في الأفق. فهو يخشى الذكاء الاصطناعي دون ضوابط تنظيمية، لكنه يضع أمله في ذكاء اصطناعي عادل، يدعوه "فائق الذكاء". فعندما تُدير أنظمة فائقة الذكاء الإنتاج والتوزيع، ستَميل إلى الكفاءة. بفضل الطاقة الرخيصة، والروبوتات، وتقنيات النانو، تقترب تكلفة إنتاج الغذاء، والرعاية الصحية، والإلكترونيات من الصفر. في هكذا بيئة، تصبح المبادئ الاشتراكية، مثل التوزيع العادل، والرعاية الصحية للجميع، والقضاء على الفقر، حاجة عملية أكثر من كونها "أيديولوجيا".
ويقترح إطار "الازدهار المتبادل"، حيث تتعاون الدول في مجال الذكاء الاصطناعي بدلًا من المنافسة، شبيهاً بالتعاون العلمي بين الدول في مصادم الجسيمات الأوروبي CERN. ويتطلّب تحقيق ذلك إقناع النخب بالتنازل عن جزء من السيطرة، وإقناع الناس بأن الوفرة تفيد الجميع.
يشكّك جودت في قدرة القادة الحاليين على إدارة هذا التحوّل. يقول إن المساءلة انهارت، ويقترح أن الذكاء الاصطناعي "فائق الذكاء" وحده قد يُدير الحكومات بكفاءة. حتى ذلك الحين، يدعو إلى إنشاء هيئات دولية للإشراف على تطوير الذكاء الاصطناعي، شبيهة بمختبرات العلوم المشتركة. ويَحضّ الناس على تعلّم أدوات الذكاء الاصطناعي، وتعزيز التعاطف، والبحث عن الحقيقة، وتعظيم القيم الأخلاقية. ويدعوهم للضغط على الحكومات لتنظيم تطبيقات الذكاء الاصطناعي، وحظر الاستخدامات الضارّة.
يرى محمد جودت أن الذكاء الاصطناعي سيجعل الرأسمالية غير صالحة، سواء قبلنا أم رفضنا. ستقضي الأتمتة على معظم الوظائف، ويُسارع تركّز القوة لدى الشركات العملاقة في تسريع التقدّم، وفي النهاية، ستفقد المال قيمته. البديل عن الفوضى هو شكل من أشكال اليوتوبيا الاشتراكية: ازدهار مشترك، وتوفير شامل للاحتياجات الأساسية، وتركيز جديد على العلاقة الإنسانية. ويعتمد تحقيق ذلك على الإرادة السياسية والخيارات الجماعية. إنّ قبول المجتمعات للتعاون، أو تمسّكها بالمنافسة، سيُحدّد ما إذا كان المستقبل ديستوبياً أم يوتوبياً.
