ليست هذه المرة الأولى التي يتصدّر فيها رئيس الدائرة الإدارية في مصلحة النظافة في بلدية بيروت، مارك كرم، واجهة الحديث في أروقة البلدية وبين موظفيها، وسط اتهامات له بإثارة النعرات الطائفية. فالكلام الذي جرى تسريبه، والذي وجّهه إلى مديرة المصلحة المالية، غنى عراجي، لم يمر مرور الكرام، بل وصل إلى حدّ تلويح عدد من الموظفين في البلدية بـ"استقالات جماعية" إن لم تتم محاسبته، فضلًا عن تكاثر الدعوات عبر وسائل التواصل الاجتماعي في بيروت لمساءلته واتخاذ الإجراءات بحقه.
سجلّ كرم حافل بالمخالفات والتجاوزات، بل وبالتعديات الإدارية، بدءًا من التحرش بموظفات، وصولًا إلى احتلال مكتب وصلاحيات مدير مصلحة النظافة، زكي ذبيان، والتدخل في فضّ العروض، في استغلالٍ لنفوذ يضرب عرض الحائط بقانون المحاسبة العمومية.
كرم الذي "طلعت ريحته" في دائرة النظافة، حصلت تجاوزاته بعلمٍ وغضّ نظر من محافظ بيروت، مروان عبود، الذي بدلًا من تصويب الوضع، اكتفى برأي مفاده "أن نتروى قليلًا". ووفق معلومات "المدن"، وجّه وزير الداخلية، أحمد الحجار، كتابًا إلى المحافظ يطلب فيه التحقيق مع كرم تمهيدًا لاتخاذ الإجراءات المناسبة. وعلمت "المدن" من مصادر مطلعة أن كرم خضع مؤخرًا للتحقيق، بتهمة تهديد المراقب العام المالي في البلدية، إيهاب نصر الدين، بالقتل. ووفق المعلومات حول المحافظ مروان عبود كرم إلى الهيئة العليا للتأديب صباح اليوم الأربعاء في 13 آب.
كتابان للداخلية في أقلّ من أسبوع
ترفض مديرة المصلحة المالية في بلدية بيروت، غنى عراجي، التعليق، تأكيدًا أو نفيًا، على التسريبات التي تناقلتها مواقع وصفحات بيروتية، حول شتمها وشتم الدين الإسلامي بألفاظ نابية (نتحفّظ عن ذكرها)، مكتفية بالقول: "الملف بات بعهدة وزير الداخلية أحمد الحجار، والمحافظ مروان عبود، والجهاز الأمني الذي يحقق في القضية، ولست معنية بأي تعليق."
بدورها، أكدت مصادر في وزارة الداخلية لـ"المدن" أنه، فور ورود تلك التسريبات إلى الوزير، وجّه الأسبوع الماضي كتابًا إلى محافظ بيروت، مروان عبود، لإجراء تحقيق. كما وجّه أمس، كتابًا آخر، بناءً على معطيات جديدة تم تناقلها حول كلام منسوب إلى كرم، مشيرة إلى أن "هناك مهلة للرد، ليُتخذ القرار المناسب استنادًا إلى نتائج التحقيقات، ولا غطاء على أحد".
تحرش... وآلة تصوير
وفي كتاب موجَّه إلى محافظ بيروت، مروان عبود، بتاريخ 24/8/2020، تقدمت ثلاث موظفات من المراقبين الصحيين في مصلحة النظافة بشكوى حول تعرّضهن لـ"التحرش الجنسي، والتصرفات اللاأخلاقية، والمضايقات، إضافة إلى التهديد المستمر من رئيس الدائرة الإدارية في مصلحة النظافة، مارك كرم". وطالبن بـ"اتخاذ الإجراء اللازم على وجه السرعة"، إما عبر "نقلنا من مصلحة النظافة أو فصله منها".
بعد يأسهن من اتخاذ أي إجراء بحق كرم من قِبل المحافظ، تقدّمن بشكوى أمام النيابة العامة الاستئنافية، بجرم "التحرش والتهديد والتشهير وإثارة النعرات الطائفية". وجاء في الشكوى: "على الرغم من إخبار المحافظ، لم يرتدع كرم، الأمر الذي يشكّل خطرًا معنويًا واجتماعيًا وسلوكيًا علينا، لأنه يعمل معنا في الدائرة نفسها، ونخشى إقدامه على أي عمل غير أخلاقي." وفي شكوى أخرى موجهة إلى التفتيش المركزي، تقول إحدى المراقبات الصحيات، واصفة "غيضًا من فيض" سلوكيات كرم الطائفية معها: "تذكّري أنك في منطقتنا... نفّذي ما أقوله وإلا فلن تكوني مرتاحة... كثيرون اصطدموا بي ولم يتمكنوا من فعل شيء... أنا مدعوم"، في إشارة إلى أن مصلحة النظافة تقع "في منطقة مسيحية" حيث يتمتع بنفوذ سياسي.
والأخطر من ذلك، طلبات تنطوي على فساد إداري، كطلبه منها التلاعب بدفتر الدوام، و"الاتصال بي خارج أوقات العمل لسؤالي عن تقرير يخص إحدى الشركات، طالبًا أن أعدّه كما يشاء، مع العلم أنه لا يملك صلاحية لذلك".
قرارات تأديبية... والتعاقد مستمرّ!
سجله الحافل بالمخالفات كان سببًا لتنقله بين مختلف المصالح في البلدية. ففي عام 2013، صدر قرار عن محافظ بيروت بالتكليف، ناصيف قالوش، حمل الرقم 1124/ب، استنادًا إلى قرار هيئة التفتيش المركزي، قضى بتوقيف المتعاقد، رئيس دائرة اللوازم سابقًا ورئيس الدائرة الإدارية في مصلحة المسالخ حينها، مارك كرم، عن العمل من دون راتب لمدة شهر، كإجراء تأديبي لقيامه بعمل يحطّ من كرامة الوظيفة.
وفي عام 2015، أحاله المحافظ زياد شبيب كرم إلى الهيئة العليا للتأديب، بسبب مخالفات وظيفية، منها: التغيّب المتكرر عن العمل، وإلزام مرؤوسيه بالتوقيع عنه في سجل الدوام، والامتناع عن تسجيل رأس غنم مُتلف في الجداول، على الرغم من وجود تقرير طبيب شرعي. وفي 25 آب 2017، أوقفه عن العمل ومن دون راتب لمدة ستة أشهر، بناءً على قرار الهيئة العليا التي أوصت بإنزال هذه العقوبة بحقه، قبل أن ينتقل إلى مصلحة النظافة، حيث "تطوّر" أسلوبه في المخالفات ليصل إلى حدّ احتلال موقع مدير مصلحة النظافة!
مصادرة موقع مدير مصلحة النظافة!
الفضيحة الأكبر، المستمرة حتى اليوم و"بغطاء من المحافظ"، تكمن في أن كرم يشغل منصب رئيس الدائرة الإدارية في مصلحة النظافة، أي أن رئيسه المباشر هو مدير المصلحة. لكن ورغم تكليف المحافظ، زكي ذبيان مديرًا للمصلحة في عام 2020، لا يزال يصادر كرم مكتب ومهام مدير المصلحة معًا، وبعلم المحافظ، الذي لم يحرك ساكنًا لتطبيق قرار صادر عنه، وأكثر من ذلك، اعتدى كرم على صلاحيات ذبيان، عبر العمل على مناقصات المصلحة التي تسلمها المحافظ منه بدلًا من ذبيان، الذي لا يزال غير قادر أصلًا على الوصول إلى ملفات المصلحة. هذه التصرفات من المحافظ تضفي شرعية على احتلال كرم لمنصب ليس من حقه، وعلى تعديه على مهام تقع خارج صلاحياته، وتتضمن مسؤوليات مباشرة في صون المال العام.
وتظهر عدة مراسلات وجهها ذبيان إلى المحافظ معرفته بالأمر وسكوته وتغطيته. ومن بين هذه المراسلات:
في 9/3/2021، أرسل مدير مصلحة النظافة بالتكليف، زكي ذبيان، كتابًا إلى محافظ بيروت، مروان عبود، جاء فيه: "بناءً على المذكرة الإدارية الصادرة عن سعادتكم، والتي عُينت بموجبها مديرًا لمصلحة النظافة بالتكليف، مذكرة رقم 15898 بتاريخ 30/11/2020، والتي باشرت بتنفيذ مضمونها بتاريخ 7/12/2020، وبعد مرور أكثر من ثلاثة أشهر على صدور هذه المذكرة، لم أستلم حتى هذه اللحظة مكتبي، ولا يزال كرم يرفض تسليمنا المكتب أو الملفات الإدارية المتعلقة بمديرية مصلحة النظافة للقيام بواجباتنا كمدير مصلحة."
وقد سبق هذا الكتاب كتاب آخر يكشف عن سلوكيات "بلطجة" مارسها كرم، إذ يقول ذبيان: "تفاجأنا بتصرف كرم، من خلال رفضه تسليمي المكتب وجميع الملفات، بل وأكثر، قام بتهديد الموظفين في حال تعاونوا معي." وأشار إلى أن حيازة كرم للملفات أو امتناعه عن تسليمها "يمكن أن يترتب عليه تقصير أو تقاعس..." واضعًا المحافظ في صورة ما حصل معه، "كي لا نتهم بالتقصير أو التقاعس."
بعض مخاطر استيلاء كرم على منصب مدير مصلحة النظافة: استحواذه على البريد، وهو ما أوضحه ذبيان في كتب عدة موجهة إلى المحافظ.، سيطرته على مستودع النظافة، الذي "فاض" بالمعدات ومواد التنظيف عقب انفجار 4 آب، من دون أن تكون لمدير المصلحة معرفة بمحتوياته أو أسباب وكيفية صرفها. أما أخطر الملفات، هو فضّ عروض الأسعار من قبل رئيس الدائرة الإدارية، خلافًا للأنظمة وقانون المحاسبة العمومية. وهنا نتحدث عن كرم، المتهم من قبل ملاحقة صحية بالضغط عليها لتعديل تقرير يخص شركة بعينها، فكيف إذا تعلق الأمر بالمناقصات ورسوّها على متعهدين محددين؟
تبرير محافظة بيروت
أكدت مصادر محافظ بيروت القاضي مروان عبود لـ"المدن" أنّ المحافظ كلّف مفتشاً إدارياً بالتحقيق في قضية الشتائم الطائفية، وقد باشر المفتش يوم أمس الاستماع إلى الشهود، على أن يستمع اليوم إلى كرم. وشددت المصادر على أنّ المحافظ لن يتهاون في هذا الملف، وهو مستاء من الموضوع ولا يقبل المسّ بالدين أو بالكرامات، وينتظر انتهاء التحقيقات ليبني على الشيء مقتضاه، تجنباً لظلم أي طرف (عاد وحول المحافظ كرم إلى الهيئة العليا للتأديب صباح اليوم). وفي ما يتعلق باتهامات تعدّي كرم على صلاحيات مدير مصلحة النظافة على مدى نحو أربع سنوات، وعدم اتخاذ المحافظ إجراءات بحقه، بررت المصادر ذلك بالقول: "مارك كرم شغّيل، والمكان الفارغ في الحياة لا بد أن يُملأ، فالدنيا لا تحب الفراغ".
أما عن صلاحيات فضّ العروض التي قيل إن كرم صادرها، وفق ما ورد في كتب ذبيان إلى المحافظ، فقد حاولت المصادر نفي الأمر بقولها: "أي عروض؟ هذا غير صحيح". لكن بعد مواجهتها بالمستندات، عادت لتقول: "ليست هناك تلزيمات كبيرة، إنما فواتير تنظيف وفّر فيها كرم". وفي ما يخص القرارات التأديبية بحقه، ولا سيما ملف التحرش، علّقت المصادر: "وردت نحو 50 شكوى إلى المراجع المعنية، والمحافظ أحالها جميعاً إلى الجهات المختصة، لكن ماذا نفعل إذا كان كرم دائماً يخرج بريئاً؟".
كرم: لعبوها عليي
في معرض ردّه على التهم، يقول كرم لـ"المدن": "اتهموني بالطائفية بسبب إنجازي في ملف متعهدي رشّ المبيدات، ولعبوها طائفية. أنا أملك تسجيلات تُثبت أنهم هم من شتموا الدين المسيحي، وأحتفظ بها". وعن ملف التحرش يجيب: "ما عليّ شي، والدليل أنه لم صدر أي حكم بحقي". أما بشأن العقوبات التأديبية الصادرة بحقه، فيقول: "ما في شي". وعندما نحاججه بأنه لا يمكنه القول "ما في شي" لوجود قرارات صادرة عن محافظين، يرد: "جيبيلي ياهن، كل مرة بيطلعوا هالخبرية عليّ". وحين بدأنا بتفنيد القرارات المرفقة بمستندات رسمية، احتجّ منهياً الحوار: "شو عم تحققي معي؟". وقد حاولنا الاتصال به أكثر من مرة لاحقاً، لكنه تهرّب من الإجابة.
وللتذكير، في 10/10/2023، وجّه ذبيان كتاباً إلى المحافظ يشرح فيه وضع النظافة في بلدية بيروت، واصفاً إياه بأنه "في قمة السوء والقذارة". وأضاف أنّ "الموظفين يستعينون بعمال تنظيف على نفقتهم الخاصة، رغم صرف المحافظ سلفة مالية لتنظيف مباني البلدية". لكن يبدو أن قذارة من نوع آخر كانت تستشري في البلدية، أساسها الاحتماء بالحصانات الطائفية لارتكاب مخالفات إدارية ووظيفية. والسؤال اليوم: هل يتجرأ المحافظ على رفع الغطاء عن كرم أخيراً ومصارحة وزير الداخلية بضرورة فتح تحقيق أوسع من قضية شتيمة طائفية؟




