تحركات مطلبية بالجملة تزامناً مع الجلسة التشريعية: خطوة تحذيرية

بتول يزبكالخميس 2025/04/24
5.jpg
الهتافات خارج البرلمان ذكرت الجميعَ بأن أيَ معادلةٍ لن تمر من دون مراعاةِ أوضاع العسكريين (مصطفى جمال الدين)
حجم الخط
مشاركة عبر
انقشعت العاصفة الرمليّة، وعجّت شوارع بيروت مُجدّدًا بالسيّارات والمارّة المشتاقين إلى شمسٍ ساطعة، بعد أيّامٍ عدّة من سطوة الغبار والأتربة الحمراء الّتي لفّت المدينة بهالةٍ كئيبة. غير أنّ الدَّعة والإشراق وعودة العاصمة بيروت إلى إيقاعها الروتينيّ الغامر لم ينسحبا على كلٍّ من ساحتي الشهداء ورياض الصلح، اللَّتين كانتا محطّتين لغضبٍ مؤجَّل؛ غضب أصحاب الحقوق الذين لم ينالوا حتّى اللحظة أيًّا منها.

بضعة آلافٍ من المواطنين هو ما استطاعت روابط المتقاعدين من الأسلاك العسكريّة وروابط المعلّمين، فضلًا عن تجمّعات المطالبين بالتمديد لقانون الإيجار القديم، أنّ تحشده صباح اليوم الخميس. التظاهرة الألفيّة الّتي تزامنت مع جلسةٍ عامّة لمجلس النواب كانت بالتزامن وحسب؛ فالتظاهرة "الغاضبة" الّتي بدأ حشدها قبل عشرة أيّام بدعواتٍ شتّى انتهت إلى مطالبٍ وعناوين شتّى أيضًا، من دون أن تصل إلى خطابٍ موحَّد أو جهةٍ مسؤولة واحدة لمطالبتها، فكلّ حاضرٍ لديه مطلبه.

تظاهرة مطلبيّة
منذ السّادسة صباحًا أُقفلت معظمُ المداخل المؤدِّية إلى وسط بيروت. حواجز من الجيش وقوى الأمن الداخليّ ووحدات مكافحة الشغب، مدعَّمةٌ بآليّاتٍ مدرَّعة، شكّلت طوقًا حول السرايا الكبير ومبنى مجلس النواب. وعكَس هذا الانتشار الكثيف قرارًا رسميًّا بعدم السّماح بتكرارِ مشاهدِ اقتحامِ السّرايا في شباط 2024، حين استُخدم الغازُ المُسيل للدموع لتفريق متظاهرين من الفئة نفسها. وعند الثامنةِ إلاّ ربعًا دوّى أوّلُ هتافٍ موحّد: "بدنا حقّنا بالدولار"، تلتْه شعاراتٌ تطالب بتنفيذ كامل بنود قانون سلسلة الرتب والرواتب (46/2017)، وربطِ المعاشات إمّا بسعرِ الصرفِ الموازي، وإمّا بمؤشّر غلاء معيشةٍ لا يقلّ عن عشرين مليون ليرة شهريًّا.

صدرت الدعوة إلى التحرّك في 15 نيسان عبر بيان "تجمّع العسكريّين المتقاعدين" الذي منح الحكومةَ مهلةً من عشرة أيّام "ِحفظِ كرامة مَن قدّموا دماءهم" قبل النزول إلى الشارع. وعلى مدى الأسبوع الفاصل، انضمّت روابطُ المعلّمين ومُتضرّرو قانون الإيجار القديم إلى التحرّك، فاختلطت الأصواتُ وتنوّعت المطالب. وفي موازاة حضور روابطِ المتقاعدين التقليديّة، برز ظهورٌ لافت لمجموعة المدّعين الذين تقدّموا العامَ الماضي بمذكّرةِ ربطِ نزاعٍ أمام مجلس الوزراء (راجع "المدن")ـ وهي مبادرةٌ تقودها "الجبهةُ القانونيّة للقوى المُسلّحة" وتضمّ نحو 600 ضابطٍ وعنصرٍ سابقٍ من مختلف الأسلاك الأمنيّة. حَمَل هؤلاء نُسَخًا من مذكّرتهم القضائيّة خلال تحرّكهم اليوم في ساحتي الشهداء ورياض الصُّلح، في إشارةٍ رمزيّة إلى انتقال معركتِهم من دهاليزِ القضاء الإداريّ إلى الشارع، مؤكّدين أنّ مشاركتهم تهدف إلى دعم مطلبِ ربطِ المعاشات بالقيمة الشرائيّة الحقيقيّة، وربط أيِّ تسويةٍ ماليّةٍ مقبلةٍ بمآل دعواهم القائمة أمام مجلس شورى الدولة.

الشعارات المرفوعة
وتدرّجت الشعارات والمطالب الّتي رُفعت في الشارع العموميّ لأربع عناوين أساسيّة، كالتالي:

-        التطبيقُ الفوريّ للقانون 46/2017 المُتعثِّر منذ اندلاعِ الأزمة الماليّة أواخرَ 2019.

-        ربطُ الأجور بالدولار أو بمؤشّرِ غلاءٍ يُحدَّد شهريًّا، على ألاّ يقلّ الحدّ الأدنى عن عشرين مليون ليرة.

-        مساعدةٌ عاجلة لا تقلّ عن عشرين مليون ليرة تُدفَع ابتداءً من حزيران لكلّ متقاعد، إلى حين إعادة هيكلة الأجور.

-        توحيدُ التقديمات بين الأسلاك الأمنيّة، ولا سيّما بدلاتُ المحروقات والاستشفاء.

يرتكز المتقاعدون في احتجاجهم على قانون سلسلة الرتب والرواتب رقم 46 الصادر في 21 آب/أغسطس 2017، الذي أعاد هيكلةَ رواتبِ الأسلاك العسكريّة وربطها بمراحل زيادةٍ تدريجيّة؛ إلّا أنّ تطبيقه توقّف فعليًّا بعد بدايةِ الأزمة الماليّة، فصارت موادُّه "وعدًا غير مُحقّق" في نظر حملةِ السلّاح السابقين. وفي المقابل يبيّن تقريرُ البنك الدوليّ أنّ كتلةَ رواتب العاملين والمتقاعدين هي ثالثُ أكبرِ بنود الإنفاق الحكوميّ، وتبتلع أكثرَ من 3 % من الناتج المحلّي سنويًّا، ما يجعل إصلاحَها شرطًا لأيِّ انضباطٍ ماليٍّ مستدام.

وقد ذهب صندوق النقد أبعدَ من ذلك: ففي مشاورات المادة الرابعة لعام 2023 نبّه إلى أنّ "أيَّ زياداتٍ غيرِ مُمَوَّلةٍ في الأجور أو المعاشات قد تنسف مسارَ التعافي"، مشدّدًا على توحيد أسعار الصرف وضبطِ كتلة الأجور قبل المضيّ في برنامجٍ تمويليّ موسَّع. لكنّ المتقاعدين يردّون بأنّهم مَن يدفع ثمنَ هذا "الضبط"، بعدما تراجع معاشُ الواحد منهم إلى ما أقصاه 350 دولارًا. ويرى خبراءُ الماليّة أنّ الاستجابةَ الفوريّةَ لهذه المطالب سترفع العجزَ إلى أكثر من 10 % من الناتج، إذا لم تُرفَق بإصلاحاتٍ ضريبيّةٍ صارمةٍ أو بخطّة إعادةِ هيكلةٍ شاملةٍ للدَّين العامّ. ويشدّد تقريرُ صندوق النقد نفسه على "إصلاح نظام التقاعد السخيِّ وغيرِ المستدام" شرطًا لأيّ برنامجِ إنقاذ.

أما على الأرض بدا واضحًا أنّ القوى الأمنيّة وضعت في حسابها أسوأَ السيناريوهات، من محاولات اقتحامٍ إلى تعطيلِ الجلسة النيابيّة. غير أنّ الاحتجاج مرَّ سلسًا نسبيًّا، باستثناء لحظاتِ تدافعٍ طفيفة أمام الحاجز الحديديّ الفاصل عن السرايا. وأفادت مصادر أمنيّة ميدانيّة إلى أنّ التعليمات اقتصرت على منع أيّ خرقٍ للمربّع الأمنيّ مع احترامِ حقّ التظاهر.

تحت قبّة البرلمان… معركةُ أرقامٍ وسياسة
وفي وقتٍ كان الشارع المقابل يموج غضبًا، كان مجلسُ النواب يُناقش – في جلستِه المُقرَّرة منذ 23 نيسان – ثلاثةً وعشرين اقتراحَ قانونٍ، أبرزُها تعديلُ السريّة المصرفيّة، وتعديلاتٌ على قانون البلديّات، إضافةً إلى بنود الموازنة. لكنّ دويَّ الهتافات في الخارج ذكّر الجميعَ بأنّ أيَّ معادلةٍ رقميّةٍ لن تمرّ من دون مراعاةِ الأمن الاجتماعيّ للمؤسّسة العسكريّة. وقد زاد انتخابُ الرئيس جوزاف عون، في 9 كانون الثاني، رهاناتِ المتظاهرين على "بابٍ مفتوح" في القصر الجمهوريّ؛ فالرجلُ كان القائدَ المباشرَ لكثيرين منهم ويُعَدّ بنظر عواصمِ الغرب الضامنَ الأوّل لاستقرار الجيش. غير أنّ الرئيسَ المنتخب يجدُ نفسَه عند مفترقِ طرق: تنفيذُ الإصلاحات التي يطلبها صندوقُ النقد لضمان قرضٍ ميسَّر، أو تلبيةُ مطالبِ رفاقِ السلاح حفاظًا على تماسك المؤسّسة التي يرتكز عليها أمنُ البلاد. وهذا ما يتبدى في حديث عددٍ من المتظاهرين إلى "المدن".

ماذا بعد 24 نيسان؟
مع حلول بعد الظهر تفرّق المتقاعدون على وعدٍ بالعودة "متى دعت الحاجة". في المقابل هدّد أحدُ منظّمي الاعتصام بتصعيدٍ مفتوحٍ إذا لم تُقِرّ الحكومةُ مساعدةً نقديّةً قبل نهاية أيّار. إلى ذلك، يبقى الشارعُ مفتوحًا على كلّ الاحتمالات: فإمّا إقرارُ موازنةٍ تُمسك بالعجز ولا تُهدر ما تبقّى من ثقة، وإمّا مواجهةُ موجةِ احتجاجٍ تكبر مع كلِّ تآكُلٍ إضافيٍّ في الأجور..

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها

جاري التحميل...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث