السجون: لا الدواء يصل ولا العدالة... وموت ميلاد مثالاً

بتول يزبكالجمعة 2025/04/11
السجناء.jpg
يرى مراقبون أن باب الخروج موجودٌ لكنه يحتاج إلى قرارٍ سياسي: عفوٌ عامٌ مدروسٌ (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

لا تزال قضيّة السّجون اللّبنانيّة تُشكِّل المرآة الأوضح لانهيار منظومة العدالة وانكشاف الدولة أمام عجزها البنيويّ. فمنذ سنواتٍ طويلةٍ والسجناء وذووهم يطرقون أبواب وزارات العدل والداخليّة والصحّة، ويستصرخون الضمائر الحيّة في المنظّمات الحقوقيّة، مطالبين بخطة إنقاذ تُعيد إلى أماكن الاحتجاز حدًّا أدنى من إنسانيّتها، وتُعيد إلى القضاء هيبته المفقودة. غير أنّ كلّ مطالبة ترتطم بجدار الشلل المؤسّساتيّ: آلاف المحتجزين في أبنيةٍ شُيِّدت لاستيعاب ربع هذا العدد، بنسبة إشغالٍ تقارب 380 في المئة، تُغلق عليهم أبواب زنزاناتٍ لا تدخلها أشعّة الشمس ولا خدمات الطبابة، فيتحوّل المرض الجلديّ أو التنفّسيّ إلى حكم إعدامٍ بطيء. وفيما يتناسل وباء H1N1 في أروقة سجن القبة، ويستحيل التهاب الرئة قاتلًا صامتًا، تواصل الدولة استهلاك الزمن في إعداد خططٍ ورقيّة لا ترى النور، وتترك قوى الأمن تُدير أزمةً تفوق طاقتها.

مأساة "أبو شربل" تشعل الغضب
انفجرت مأساة ميلاد مهبل، الستينيّ المعروف بـ"أبو شربل"، الذي لفظ أنفاسه الأخيرة قبل يومين في سجن القبة بعد أربع سنواتٍ من التوقيف بلا محاكمة؛ فقد استغاث الرجل طوال أكثر من عشرين يومًا لنقله إلى المستشفى جرّاء مضاعفات أمراضٍ مزمنة، فكان الردّ صمتًا رسميًّا مطبقًا. رحيله المجّانيّ أطلق حالة غليانٍ في الزنازين؛ نزلاءٌ يرون آخرين يسقطون واحدًا تلو الآخر. فإلى جانب أزمة الاكتظاظ المقيت بنسبة إشغالٍ تتجاوز الحدود المعقولة، علمت "المدن" – بعيد حديثها مع عددٍ من نزلاء السجون (بين رومية والقبة) – أنّ الأزمة الصحيّة قد استفحلت في الأشهر الماضية بصورةٍ غير مسبوقة، من أمراضٍ جرثوميّة كالكوليرا وH1N1 والتيفوئيد، إلى التهاباتٍ جلديّةٍ منتشرة، من دون أيّ تحسينٍ في ظروف الطعام أو المياه الملوّثة، ناهيك بانقطاع الكهرباء الدائم. يُقابِل ذلك امتناعُ المستشفيات الحكوميّة والخاصّة عن استقبال المرضى من النزلاء، وتقصيرُ مصلحة الصحّة في قوى الأمن الداخليّ عن واجباتها في هذا الشأن، فيما بات عبء الطبابة مُلقىً على كاهل العائلات التي تدفع تكاليف العلاج لأقربائها في المستشفيات.

 وفي هذا السياق، أشارت منظّمة العفو الدوليّة: "يَحتّم على وزارة الصحّة فرضُ تدابيرَ تأديبيّةٍ على المستشفيات التي ترفض – على نحوٍ غير قانونيّ – تقديمَ العلاج لنزلاء السجون من دون الدفع مُقدَّمًا"، خصوصًا أنّ قانون السجون اللبنانيّ ينصّ صراحةً على أنّ وزارة الداخليّة مسؤولةٌ عن تقديم الرعاية الصحيّة لجميع الأشخاص الذين تحتجزهم. ويشير أحد السجناء إلى أنّ "أبا شربل" لم يكن أوّل الضحايا ولن يكون الأخير: إبراهيم شحادة يواصل إرسال البرقيّات لإنقاذه من مصيرٍ مماثل، وعيسى سمية يرقد على حافة الموت منتظرًا جرعة دواءٍ لم تَأتِ حتى اللحظة.

احتجاجات الإسلاميين في رومية
وتحت سقف هذه الفوضى، قرّر السجناء الإسلاميون في مبنى "ب" بسجن رومية تحويل معاناتهم اليوميّة إلى فعلٍ احتجاجيّ؛ فاعتصموا وسجّلوا بيانًا مصوَّرًا طالبوا فيه بتسريع المحاكمات، وتخفيض الأحكام، وتحديد سقفٍ للمؤبّد والإعدام، بل وتعويضٍ ماديّ عن سنواتٍ قاسوها في ظروفٍ لاإنسانيّة. إنّه صدى ملفٍّ متشعّبٍ يمتدّ من أحداث الضنية عام 2000 مرورًا بمعارك نهر البارد 2007، إلى جولات التبانة–جبل محسن حتى 2014، ومعارك عبرا في صيدا 2013. هؤلاء الموقوفون، الذين غيّرت الحرب السوريّة تموضعهم القانونيّ والسياسيّ، يطرحون اليوم سؤال العدالة الانتقاليّة: إذا كانت التهم الموجَّهَة إليهم تستند إلى مشاركتهم في الثورة السوريّة أو انتمائهم إلى تنظيماتٍ مسلّحةٍ باتت خريطة تصنيفها تتبدّل، فكيف يستمرّ حبسهم فيما تتبدّد الوقائع التي أسّست لملاحقتهم؟

ولئن كان اللبنانيّون غارقين في هذه المتاهة الداخليّة، فإنّ بُعدًا إقليميًّا يفرض نفسه على الملفّ: أكثر من ألفَي سجينٍ سوريّ في لبنان يطالبون بتسليمهم إلى سلطات دمشق أو شملهم في أيّ عفوٍ عامّ، خصوصًا حين ترتبط الجرائم المنسوبة إليهم بأراضٍ سوريّةٍ لا لبنانيّة. هؤلاء يجدون أنفسهم عالقين في فراغٍ قضائيٍّ بين دولتين؛ فالسفارة السوريّة في بيروت لم تقدّم لهم سوى دعوةِ ذويهم للاعتصام (وفق ما أشار السّجناء في حديثهم إلى "المدن")، فيما الدولة اللبنانيّة تُلوّح بخياراتٍ نظريّة للتسليم أو العفو من دون ترجمةٍ عمليّة.

 سلام يحمل الملف إلى دمشق
يتبلور التشابك بين القضائيّ والسياسيّ مع الزيارة المرتقبة لرئيس الحكومة نواف سلام إلى دمشق للقاء الرئيس السوريّ أحمد الشرع، على رأس وفدٍ وزاريّ يطرح ثلاثة مساراتٍ متلازمة: أمن الحدود، وتسوية الملفات السياسيّة، وتنشيط التعاون الاقتصاديّ. في المسار الأمنيّ، يتطلّع الطرفان إلى ضبط الجبهة الشماليّة الشرقيّة ومنع تسلّل السلاح والمقاتلين، خصوصًا بعدما استُبيحت الحدود الجنوبيّة من إسرائيل. في المسار السياسيّ، تُطرَح إعادة صياغة العلاقات على قاعدة احترام السيادة المتبادلة، وهو شرطٌ لا بدّ منه لبحث ملفّ السجناء السوريّين وتسهيل عودتهم أو إعادة محاكمتهم في بلادهم.

حقوق النزلاء وامتحان الشرعيّة
وهذا الربط العضويّ بين الأمن والسياسة والاقتصاد يُعيد ملفّ السجون إلى صلب النقاش الوطنيّ: فحقوق النزلاء ليست تفصيلًا إنسانيًّا يُعالَج في هوامش العمل الحكوميّ، بل عنصرًا مفصليًّا في إعادة ترميم شرعيّة الدولة نفسها. فلا معنى لأيّ خطّةٍ إصلاحيّةٍ أو تفاهمٍ حدوديٍّ إذا بقيت السجون شاهدةً على انهيار مبدأ المحاكمة العادلة، ومسرحًا لانتهاكاتٍ تُوثَّق يوميًّا على يد جمعيّاتٍ محلّيةٍ ودوليّة. ويرى مراقبون ونشطاء فضلًا عن لجان الأهالي الذي تتواصل معهم "المدن" دوريًّا أنّ باب الخروج موجودٌ لكنّه يحتاج إلى قرارٍ سياسيّ: عفوٌ عامٌّ مدروسٌ يشمل الموقوفين في قضايا ذات طابعٍ سياسيّ أو إشكاليّ، مع آليّات استثناءٍ للجرائم الخطيرة التي تهدّد الأمن المجتمعيّ؛ تعهّدٌ بتسريع المحاكمات عبر تفعيل النيابات العامّة وتوفير الدعم اللوجستيّ للقضاة؛ إعادة تأهيل البنى التحتيّة للسجون وفق قواعد الأمم المتّحدة النموذجيّة لمعاملة السجناء؛ وإنشاء نظام رعايةٍ صحّيّةٍ متكاملٍ يضمّ مستشفياتٍ حكوميّة وأقسام طوارئ متنقّلة. هذه الخطوات لا تُعَدّ منّةً بل التزامًا دستوريًّا بموجب المادة 8 من الدستور اللبنانيّ، وبموجب العهد الدوليّ الخاصّ بالحقوق المدنيّة والسياسيّة الذي صادق عليه لبنان.

أمّا على الأرض، فتتكثّف التحرّكات الأهليّة: لجان أهالي السجناء تنظّم اعتصاماتٍ دوريّة أمام قصر العدل وفي ساحة رياض الصلح، مطالِبةً بجدولٍ زمنيٍّ لإقرار العفو وبإجراءاتٍ فوريّة لتخفيف الاكتظاظ مثل إطلاق الموقوفين على مخالفاتٍ بسيطة بكفالةٍ رمزيّة. وفي الكواليس، تتداول الكتل النيابيّة مسوّداتٍ متضاربةً لمشاريع عفوٍ عامّ، لكنّها تصطدم بانقسامٍ سياسيٍّ حادّ حول تعريف "الجرائم المشمولة" وكيفيّة الموازنة بين الحقّ الفرديّ بالعدالة والحقّ الجماعيّ بالأمن.

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث