ألمُوطَنَة الرقميّة المُحْبَطَة: إلى أين تتّجه هويّة الكوكب؟

إدمون بو داغرالأحد 2023/06/25
GettyImages-1258873333.jpg
تتسارعُ التقنيات التكنولوجية "في التناسل"، وبوتيرةٍ أسرع من ذي قبل (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

أيُّ نوعٍ من الإنتماء ولّدت التكنولوجيا الرقيمّة في العقود الأخيرة لدى البشر؟ أيُّ نوعٍ من المواطنة العالَميّة أسّست؟ إلى أين تتّجه هويّة الكوكب؟ سنحاول في سياق هذا المقال الإجابة عن هذه التّساؤلات، لأنّه ومع تكنولوجيا الاتّصال متسارعة النموّ والذّكاء الاصطناعيّ، لم تعد أيّة قارّة بمنأىً عن أحداث "نظيراتِها".

لنأخذ حالة التخبّط السياسيّ والاقتصاديّ والاجتماعيّ والصحيّ العَالَميّ، والذي ينعكسُ في كلّ ثانية مواقفَ وشعاراتٍ على مواقع التّواصل الاجتماعيّ ومختلف المنصّات الرقميّة. لقد فرضت التقنيّات الرقمية للتواصل أسُسًا جديدةً للمُواطنة والإنتماء وبالتّالي لمعالجة الأزمات الوطنيّة المحليّة التي بجزءٍ منها أخذت طابعًا دوليًّا أو عالميًّا أو حتّى كونيًّا. 

أحداثٌ غيّرت وجه العالم في القرن العشرين ولم تسلَم مُعظمُ دولِ العالَم من نيرانِها وشظاياها: حروب ومجازر واغتيالات ومجاعات وأسلحة. وها هو القرن الحادي والعشرين وقد مرّ على دخوله 23 عامًا، يُكمل مسيرة خلَفه ولكن بحلّة أخبث. وهذه المرّة مع تكنولوجيا الحروب البيولوجيّة والرقميّة والأسلحة العابرة للقارّات والدّمار الشّامل.

تتسارعُ التقنيّات التّكنولوجيّة "في التّناسل"، وبوتيرةٍ أسرع من ذي قبل، وفي كلّ مرّة بحلّة وهيئة مستحدثة. وكأنّ هناك تهديداً خفيّاً لهذه التّكنولوجيا وللقيّمين عليها، وكأنّها بهذا التّسارع تهدِفُ إلى فرضِ نفسِها على العالَم، وإلاّ فلن يتسنّى لها الانتشار أكثر. لا شكّ أنّ أرباب هذه التقنيّات الخارقة للأذهان، منقسمون. وأخذ هذا الانقسام يتجلّى أكثر فأكثر على السّاحة العالميّة والعلميّة، من خلال فضائح ودعاوى قضائيّة وتسريبات إعلاميّة ولاسيّما على مواقع التّواصل الاجتماعي.  

صرّح الرّئيس الرّوسي فلاديمير بوتين عام 2017: إنَّ "الذكاء الاصطناعي هو المستقبل ليس فقط لروسيا، ولكن للجنس البشري كله، ومن يقود التطوير في هذا المجال سيحكم العالم". ويأتي هذا الحديث في إطار تلميح العارف بـ"البيضة والتقشيرة"، من صانعِ قرار من دولة عُظمى يكشف عن طبيعة السّباق المتعاظم الذي بدأ بين القِوى الكُبرى. وهذا السّباق والتّزايد في التّكنولوجيا، هو الذي سيقرّر السّلم والحرب في المستقبل القريب.

جميعُ رؤساء العالَم، من أوروبا الغربيّة فالشرقية، من أميركا إلى الشرق الأقصى وإلى دول الخليج، منغمسون في "ورطة" التّكنولوجيا الخارقة أو الذكاء الاصطناعي. ففي أميركا والصّين وأوروبا تشكّلت لجان لبحث تأثيرات الذّكاء الصناعيّ على أمنها القوميّ والاقتصاديّ والغذائيّ. ومن داخل دولها تصبو إلى الهيمنة على العالَم من خلال هذه التّقنيات "الديكتاتوريّة". ألعلّ هذا الذّكاء المُصطنع يكون وسيلةً مضادّة بأيدي الدّول لتنتقم من بعضها البعض؟

في آب 2019، حذر وزير الخارجية الأميركي الأسبق هنري كيسنجر من أن الذكاء الاصطناعي سيؤدي إلى تطوير أسلحة واستراتيجيات جديدة تكون نتيجتها إلغاء توازن القوّة العسكرية. وبعدها شكل الكونغرس لجنة لدراسة تأثير الذكاء الاصطناعي على الأمن القومي الأميركي. وعليه تقوم الولايات المتّحدة الأميركيّة بزيادة الإنفاق على تطوير قدراتها لاستخدام الذّكاء الصناعيّ لتطوير تقنيّاتها الحربيّة.

في المقابل، لم يقف العملاق الصينيّ مكتوف اليدَيْن، بل يُنفق الملايين على الذّكاء الصّناعي لتطوير استخداماته العسكريّة في هذا الإطار. وبتعبيرٍ آخر، لتطوير حروب المُستَقبَل. وهذا ما يُقلق الولايات المتّحدة الأميركيّة، إذ تفوّقت الصّين عليها بأشواط. وهو ما أشارت إليه تقارير لجان أميركية تحدثت عن مفهوم "فجوة الابتكار" بين البلدين لصالح الصّين. ولهذا كله اعتبر الرئيس الأميركي جو بايدن أن مستقبل العلاقة مع الصين ستحكمه المنافسة الحادة. ومن هنا نطرح الفرضيّات التّالية: أوّلاً، حروب الذّكاء الصناعيّ قد تُعيدُ الكون إلى زمن "السّلاح الأبيض"، عوضًا من نقله إلى مستقبل خارق. ثانيًا، مخاطر الذكاء الصّناعي المُحتَمَلَة تتجلّى باحتمالات مواجهات عسكريّة وفقدان للسّيادة المحليّة وحدوث حروب أهليّة.
لقد قال يومًا ألبرت أينشتاين: "أنا لا أعرف ما هي الأسلحة التي سوف تكون في الحرب العالمية الثالثة ولكن الحرب العالمية الرابعة ستكون بالعصي والحجارة".

عُقدَ في عام 2020 مؤتمر ميونخ للأمن الذي عبّرت فيه الدّول الأوروبيّة عن قلقها وحيرتها إزاء "ثورة الذّكاء الاصطناعيّ". وقد أشار المؤتمر إلى ضعف القدرات الأوروبيّة في منافسة أميركا والصين في هذا المجال. وبالتّالي، يصعب عليها أن تكون لاعبًا أساسيًّا في "هندسة البيانات". وهذا ما سيؤثّر على الصناعات الأوروبية. وبالتّوازي، هناك مفهوم آخر مثير للقلق وهو "القوميّة السيبرانيّة"، وهنا يكمن الخطر الأكبر، الذي يتجلّى في إمكانيّة تبادل سكّان بعض الدّول معلومات سريّة عنها وقد تثير لديهم رغبة تأسيس قوميّة جديدة لأنفسهم، وبذلك ينشقّون عن دولهم الأمّ. وهنا تقع فاجعة الانقسامات والحروب الأهليّة والتشرذم. وبذلك قد نُثبت الفرضية الثانية المطروحة.

كيف ستكون الحال في المستقبل؟ ما هي الخطّة وراء استحداث الذّكاء الاصطناعيّ لبلوغه هذا الحدّ من الخطر؟ (هذا وقد انطلق مشروع الذكاء الاصطناعي منذ عام 1956 في كليّة دارتموث في الولايات المتّحدة الأميركيّة، خلال انعقاد مدرسة صيفيّة نظّمها أربعة باحثين أميركيين: جون مكارثي، مارفن منسكي، نتانييل روتشستير، وكلود شانون).

نختمُ مع المفكّر الفرنسيّ Stéphane Olivessi الذي يشرح هذا الامتداد الرقمي في كتابه بعنوان: "الرّوابط الرقميّة، نحو مؤانسة جديدة"، على النحو التالي: "منذ فجر التاريخ ، رتّب النّاسُ مناطقهم لجعلها تبدو كمساحة من الجمال والراحة والكفاءة. سيكون اختراع الفضاء الرقميّ أو "السيبيرانيّ" من وجهة نظر معينة شكلاً أصليًا لهذه الإرادة. بالنسبة لعامة الناس، يبلور الفضاء الإلكتروني هذا البعد الأسطوري. إنّه بمثابة جنّة "البيانات الخام" المفتوحة لكل مستخدم للإنترنت مُتواجد في نقطة اتصال Wi-Fi ومن خلال التقنيّات والوسائل الرقميّة".

تكتسي هذه "الفجوة الرقميّة" اليوم أهميّة أكثر من ذي قبل. يجب قولها بصراحة: لا بدّ من التّمييز بين ما هو افتراضيّ وبين ما هو حقيقيّ، وبتعبير آخر، بين ما هو رقميّ غير ملموس وبين ما هو ملموس بل محسوس. وهنا، لا بدّ من أداء الضّريبة لكلّ مجال في الحياة: المجال الإفتراضيّ والمجال الحقيقيّ، وبهذا تكمنُ قيمة الإنسان. إنّ العالَم الإفتراضيّ أو الرقميّ ما هو إلاّ انعكاس للعالم الحقيقيّ.

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث