الخميس 2022/08/04

آخر تحديث: 15:37 (بيروت)

الانهيار.. واليأس الموثّق بالتفجير

الخميس 2022/08/04 خضر حسان
الانهيار.. واليأس الموثّق بالتفجير
الدولة أعدّت قنبلة موقوتة أبادت أحلامنا (Getty)
increase حجم الخط decrease
شريطُ أحداث سلبية امتدَّ من آب 2019 إلى آب 2020. لا يعني تحديد التاريخين أن عالماً وردياً كان قبلهما. لكن تأريخ ما سُمّي انهيار البلد، لم يبدأ بتاريخ 17 تشرين الأول 2019، كما يحلو للبعض اعتماده. فالصحافة الاقتصادية تستدعي رصد مؤشرات الانهيار الظاهرة قبل خروج الناس إلى الشوارع في تشرين الأول، ومسارعة السلطة السياسية إلى تصوير الخروج وكأنه سبب انفلات الأوضاع.

قبل ذلك، كنت أُلصِقُ أوهام الإصلاح في دماغي الذي استمرَّ بعرض أدلة تكذّبُ مسعايَ في اللصق الذي لا يستند إلى الحقائق. وكلّما نَخَرَ وعدٌ سياسيٌّ أذني، أعلنت يأسي، ثم تبرأت منه، مُطهِّراً خطيئة اليأس بشعارات العمل التراكمي، ظنّاً منّي بأن معادلة "التغيير الكمّي يؤدّي إلى تغيير نوعيّ"، قد تنفع في إصلاح النظام اللبناني. أعتذر، فقد أخطأت.

توثيق اليأس
بين آب وأيلول، لم أدرك أنّي ألملم آخر شظايايَ التي كنت قد بعثرتها في زوايا الوطن، باحثاً عن مواطَنة عابرة لخزعبلات التقسيم والفئوية. لم أصبح طائفياً أو مناطقياً، لكنّي أردت الانطواء قليلاً لأرتاح وأتحضّر للانفجار الآتي.

نهار آخر يشقّ طريقه ليؤرّخ بدايات الانهيار. بتاريخ 23 أيلول 2019، ورداً على ظهور ما سمّيَ بالسوق السوداء لسعر الدولار مقابل الليرة، قال حاكم مصرف لبنان رياض سلامة "لا علاقة لنا بالأوراق النقدية بل بالعمل الذي يتم في المصارف وبالتحويلات من الليرة إلى الدولار". ومع تأكيده أن "مصرف لبنان حاضر في السوق ولا حاجة لإجراءات استثنائية"، وجدتني أعنون مقالتي بعد يومين، بـ"الانهيار آتٍ: الاقتصاد لا ينفصل عن العملة". (راجع المدن).

اليوم المشؤوم
لم يكفِنا تفاقم الأزمة الاقتصادية والاجتماعية بعد نحو سنة. المصارف تسيطر على السوق. تبتزّ المودعين. القوى الأمنية تعتدي على المتظاهرين والمعتصمين أمام الوزارات والإدارات الرسمية. انتشار خبر ظهور جرثومة "تريشينوز" في لحوم تقدّمها أربع ملاحم. لا شيء خطر، فالجرثومة تموت بالطهي أو التجميد لثلاثة أسابيع.

أنباء عن استهداف منزل رئيس الحكومة سعد الحريري. على مجموعة "المدن" عبر الواتساب، يرسل الزملاء صوراً وفيديوهات عن حريق في المرفأ وانفجار مريع ودمار في كلّ بيروت. هي ثلاثة أحداثٍ متزامنة؟ الاستهداف، والانفجار وقصفٌ إسرائيلي في الجنوب؟ نعم، شعرت حينها بضغط هواء ترجَمتُه قصفاً إسرائيلياً، لأنني اختبرت الشعور عينه في حرب تموز 2006. ليتّضح بعد دقائق أن الخبر اليقين، انفجارٌ في مرفأ بيروت، وصلت أصداؤه إلى قبرص، وليس فقط إلى جهات لبنان الأربع.
رواية غير رسمية عن انفجار مفرقعات في العنبر رقم 12 في المرفأ. لم تُقنِع سذاجة الرواية أحداً. نفاها المدير العام للأمن العام اللواء عباس ابراهيم من دون تقديم الخبر اليقين الذي اتّضح لاحقاً، كاشفاً عقم محاولات إصلاح هذا البلد. فازداد اليأس مع انحدار البلاد واقتصادها. والفقر تقدَّم وحالات الانتحار. ومَن تمسَّكَ بالحياة، دَفَعَ ثمن التنفُّس أرقاً وتوتّراً عصبياً بانتظار المجهول. لكن أحداً لم يتوقَّع غيمة من نيترات أمونيوم، تصفع الهواء وتُفجِّر مدينةً وأحلاماً.

بانتظار شيء ما
إنّها نيترات الأمونيوم التي كانت تدبّر على مدى سنوات تخزينها في ذلك العنبر، أبشع طريقة لقتلنا بالموت وباليأس. نعم، هي دولة وضعت هناك قنبلة موقوتة لتبيد كل شيء بعد عجزها عن تغطية انهيارها وإقناع الناس بأنها تحكمهم بالأمل.

يومها، انتظرتُ شيئاً مختلفاً. كلمة، إشارة، صورة بلا دمار ودم. لم يصلني شيء. وفي الخامس من آب 2020، بات المرفأ بقايا. والعنبر رقم 12 اختفى، وكذلك أحلامنا... لقد انهار كلّ شيء، ودولتي فعلت هذا.

increase حجم الخط decrease

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها