الثلاثاء 2022/06/14

آخر تحديث: 12:03 (بيروت)

خيرات مهدورة: بعلبك-الهرمل ليست فقط أرض طفّار وعصابات

الثلاثاء 2022/06/14 بتول يزبك
خيرات مهدورة: بعلبك-الهرمل ليست فقط أرض طفّار وعصابات
منطقة بعلبك- الهرمل بحاجة ماسة لسياسة إنمائية (Getty)
increase حجم الخط decrease

سيكون أمرًا بالغ الإثارة لو عمدت السّلطة اللبنانية للتوجه شرقًا فعلاً، وتحديدًا شرق دولتها المأزوم، منطقة بعلبك- الهرمل، وأن لا تكتفي بالمداهمات والعمليات الأمنية، في محاولات عبثية لفرض سيطرتها بعد سنوات طويلة من التقاعس والتهميش، وأن لا تكتفي بالتكفير عن هذا الخلل الإنمائي، بمهرجان سنويّ واحد لا يُسمن أهالي منطقة تشكل مساحتها 28 بالمئة من مساحة لبنان ويقدر عدد سكانها بـ180 ألف نسمة، ولا يغنيهم عن حلول بنيوية لحلحلة أزماتهم الأمنية والاقتصادية والاجتماعية.

وفي حين أثبتت السّلطة اللبنانية، منذ عقود، تهميشها الممنهج للمنطقة ودور أهلها ورأيهم، والتّي تمثلت تباعًا باتفاقات ومحاصصات وتقلبات مزاج الدولة العام الذي أسفر عن ارتهان السّكان لحلول إنمائية مبتورة، تتجاهل خصائص منطقتهم الطبيعية والزراعية ومقوماتها الإنتاجية.. لا بد اليوم من تسليط الضوء على الأزمة الفعلية التّي تجاهلتها المنظومة الريعية مسقطة من اعتباراتها البقاع الشمالي وجعلته بؤرة للمطلوبين والطفار.

خصائص طبيعية وزراعية
توفر التربة في سهل البقاع الشمالي بيئة ممتازة لإنتاج المحاصيل الزراعية، كالقمح والشعير والبطاطا والشمندر السّكري والخُضر والحبوب وأنواع مختلفة من الأشجار المثمرة كالكرمة (العنب الصالح للتخمير والأكل)، والمشمش والتفاح والكرز والكستناء وغيرها، فضلاً عن التبغ والقنب الهندي (الحشيشة)، وبالتوازي مع المناخ والتقاسيم الجغرافية، تختلف أنواع الزراعات في منطقة بعلبك الهرمل بين بلدة وأخرى، لتتخصص كل منها بزراعات محدّدة. ففيما تنتشر زراعة البطاطا والحبوب في البقاع الأوسط التي ترتفع فيها نسبة الأمطار، تنتشر زراعات أخرى في البقاع الشمالي حيث تخف نسبة الأمطار.

 أفلت زراعات كثيرة كالشمندر السّكري (وأُقفلت معامله قي البقاع)، والقمح نتيجة اتفاقيات الاستيراد العشوائي، والتّي تقاسمت الحكومات المتعاقبة أرباحها على حساب القطاع الزراعي في المنطقة، والكرمة في بلدات يسكنها مسلمون والتّي تستخدم محاصيلها إجمالاً للتخمير ومردودها كبير. اليوم، تلحقها زراعات أخرى مهددة كالتبغ، والذي بات الفارق بين كلفة زراعته ومردوده شبه منعدمة. هذه الزراعة تستوجب حصول مزارعيها على رخص، ويعود كل محصولها إلى دائرة الريجي والمحسوبة علانيةً لسلطة حركة أمل، وغيرها الكثير.

فضلاً عن القنب الهندي، ونبتة الأفيون التّي منعت زراعتها عام 1992 تلبيةً لضغوط دولية لمنع إنتاج المخدرات وتصنيعها وتسويقها، بعد أن كان سكان معظم البلدات البقاعية يعتاشون على مدخولها. وفي عام 2000 ومع تعذر التمويل لبرنامج الأمم المتحدة للتنمية الريفية لمنطقة بعلبك الهرمل من قبل الدولة اللبنانية، عادت زراعة السكان للحشيشة، رغم تلف القوى الأمنية لما يتيسر لها تبعًا لآليات انتقائية واستنسابية. ومنذ فترة سنة ونصف السنة أقرت السّلطات تشريع زراعتها للاستخدام الطبّي حصرًا، لكن القانون لم يطبق في ظل الشلل المؤسساتي الراهن وعدم إنشاء إدارة خاصة بهذه الزراعة كدائرة الريجي مثلاً، لتنظيمها. وقد صرح وزير الزراعة في حكومة تصريف الأعمال عباس مرتضى أنّه كان من المفترض أن يحقق القنب الهندي مدخولاً بقيمة 350 مليون دولار في السنة الأولى، وقد يصل إلى مليار دولار بعد خمس سنوات.

شلل قطاع الزراعة
وعلى الرغم أن البقاع الشمالي يضم الحصة الأكبر من الأراضي المزروعة في لبنان، ويطغى على باقي القطاعات في هذه المنطقة، من حيث إمكانية الاستثمار والإنتاج فيه، لا يجتذب هذا القطاع سوى 25 بالمئة تقريباً -بدوام عمل كامل أو جزئي- من القوى العاملة في محافظة بعلبك الهرمل، ما يؤشر على حجم القصور الإنتاجي، الذي جاء تراكمًا لسنوات من إهمال السّلطة الشأن الزراعي في البقاع الشمالي، والسّياسات الإقصائية لسكان المنطقة وعيشهم، والتخطيط المبتور والتلفيقي، لا البنيوي.

تعداد المشاكل لا ينتهي. من ضعف البنى التحتية المنكوبة أصلاً، وآليات الزراعة البدائية وغياب المكننة، وصولاً  إلى تلف المحاصيل غير المشرعة لنبتة القنب (والتّي منعت آلاف الأسر من تأمين مداخيل لها). يضاف اليها ميزانية وزارة الزراعة المنخفضة مقارنةً بوزارات أخرى، ما أضعف الكوادر المسؤولة، كما البحث العلمي، واحتكار السماسرة والمافيات التجارية للأسمدة والأدوية الزراعية، في ظلّ عدم ضبط الدولة لأسعار المستلزمات الزراعية. ناهيك عن مشاكل التسويق ومنافسة المحاصيل المستوردة خصوصاً السورية منها، وبُعد الأسواق عن المناطق الزراعية، ما أدى لتكبد المزارع البقاعي كلفة نقل محاصيله بأسعار مرتفعة وبالأخص في أزمة المحروقات الراهنة، وغياب المشروع الأخضر الذي أقامته الدولة عن أداء مهامه في المنطقة الزراعية الأكثر إنتاجًا وحجمًا. كذلك تقاعس الجهات المولجة بالرقابة وحماية المستهلك.

وضع المزارعين
وتبقى المشكلة الأكبر والتّي تحول دون استئناف المزارعين العمل الزراعي واضطرارهم للهجرة أو النزوح نحو المدن السّاحلية والمركزية كبيروت، هي انخفاض مدخول المزارع الشهري إلى حد انعدام قيمته، فبات يُساوي اليوم ، بحسب ما وصفته لـ"المدن" المزارعة جمال عباس، 30 دولاراً أميركياً شهرياً، وكان سابقًا بحدود 650 ألف ليرة قبل الأزمة (ما يوازي 433 دولاراً شهرياً)، إضافة إلى التنافس بين العمال الأجانب واللبنانيين.

وفي ظل عدم مقدرة المزارعين على استخدام الآلات ولا توفير المكننة لصغر الحيازات، ترتفع كلفة الإنتاج، وبالتالي ترتفع أسعار المحاصيل، ما يؤثر سلبًا على القدرة التنافسية. هذه القدرة المهزوزة أصلاً بسبب ضعف التسويق وسواد الاتجاه لاستخدام المبيدات والأسمدة والأدوية الكيميائية فضلاً عن الرّي بمياه ملوّثة. إذ تتسرّب مياه الصرف الصحّي في مدينة بعلبك مثلاً إلى نهر رأس العين الذي يشكّل مصدر الرّي الرئيس للمزارعين في المناطق المحيطة.

أما الغلاء الفاحش لسعر المازوت، وعدم توفره أحيانا فشكّل معاناة إضافية للمزارعين. فهم  يعتمدون لرّي مواسمهم من خضر وفواكه وأشجار مثمرة على ضخّ مياه الآبار الجوفية بواسطة مولدات ومحرّكات تعمل على المازوت، ومن دون هذه المادة يفقد المزارعون مواسمهم التي يعتمدون عليها من سنة إلى أخرى، وينتظرون الموسم لعلّه يعوّض خسائر سنة كاملة، فيما يقوم آخرون بزراعة الخضر والحشائش على مرّ العام ويستفيدون من مواسمها جميعاً. وكل تلك المزروعات لا تنجح ولا تعطي مردوداً مادياً إذا لم تتوفر كميات الرّي المناسبة.

أيضاً، تعتبر عمليات التهريب بين سوريا ولبنان حجر عثرة أمام المزارع، كما تنعكس سلباً على القطاع الزراعي اللبناني، وذلك بسبب انخفاض تكلفة الإنتاج في سوريا، مقابل ارتفاعها في لبنان. وفي حين يؤثر التهريب على العلاقات التجارية والتبادلية، مع تهريب معظم البضائع عبر المعابر غير الشرعية، يبقى طريق التصدير الشرعي (طريق المصنع)، الوحيد الذي تصدر منه الدولة اللبنانية منتجاتها. وبسبب الظروف الأمنية، قد تتوقف شاحنات النقل لأيام وأسابيع على الحدود، مما يؤدي إلى تلف المنتجات. وهذه البضائع المتلفة قد تكون أحيانًا محاصيل الموسم للمزارع والذي يعتمد عليها كدخل كل 12 شهرًا.

هذا الأمر أسهم طرديًا في نزوح مختلف سكان محافظة بعلبك الهرمل إلى ضواحي بيروت، سعيًا نحو ظروف معيشية أفضل، والتعلم في الجامعات الحكومية والمدراس حيث لم تكلف الدولة عبء إنشائها في منطقتهم. ولجأ الشباب الذكور للتطوع في المؤسسة العسكرية بغية تأمين الضمان الصحيّ والاستقرار الاجتماعي، الذي لم تضمنه قط مهنة الزراعة إلى أن أنشأت نقابة المزارعين مؤخراً صندوقاً للضمان الصحي.

غياب التخطيط المدني والتعديات على المناطق الزراعية
بعد إعلانها مركزًا لمحافظة بعلبك الهرمل، واندلاع الحرب في سوريا واللجوء الكبير، ازداد عدد السّكان في مدينة بعلبك. ورغم كل محاولات اتحاد بلديات بعلبك لإطلاق خطط للتنظيم المدني والعمراني وكبح العمران العشوائي، الذي وصل إلى التعديات على المناطق المصنفة زراعية، وتوجيه السكن نحو الأراضي الشمالية والشمالية الشرقية وبالبلدات المحاذية للمدينة، مقنة ونحلة، غير أن العائق الذي يحول دون ذلك هو هذه الأراضي المستملكة منذ عقود كاستملاكات عرفية وغير مسجلة وأغلب أصحابها انتقلوا إلى السّكن فيها، ولا تزال المشكلات على ضم وفرز هذه الأراضي مستعصية على الحلّ. وإضافةً إلى ذلك تسهم هذه المشكلة بتمنّع المصارف عن تسليف القروض الزراعية، في حين يحتاج المزارع لامتلاك سند يعادل 2400 سهم للحصول على قرض.

وهذا ما جعل مسؤولي المشروع الأخضر التابع لوزارة الزراعة، والذي عُهد إليه القيام بالاستصلاحات الزراعية ومساعدة المزارعين لاستكمال الأعمال اللازمة لأراضيهم بغية استثمارها و الاستفادة من خيراتها، بالإضافة إلى أعمال شق وتكبير الطرقات الزراعية.. يتقاعسون عن أداء واجباتهم في منطقة بعلبك الهرمل، بحجة أن الأراضي التّي يعمل فيها المزارعون لا يمتلكونها فعليًا.

هكذا يستمر التناقض الصارخ بين الوعود التّي تقدمها البلديات ووزارة الزراعة التّي توالى على استلامها وزارء الثنائي الشيعي، والذين عادةً ما يكونون من هذه المنطقة، وبين الممارسة الفعلية على أرض الواقع. ويشير رئيس بلدية بعلبك فؤاد بلوق صراحةً أن الزراعة في بعلبك خاسرة، ويجب التركيز على الشق السّياحي ليتماشى مع الخطة التنموية الاستراتيجية.

أيضاً، هذا ما يبرر استمرار وجود التعديات العمرانية في السهول الغربية للمدينة والمصنفة للاستثمار الزراعي، وتقاعس البلدية عن أي إجراءات تحول دون هذا الواقع.

إن منطقة بعلبك- الهرمل اليوم تحتاج (رغم التحريض البروباغاندي الذي يحيط بها)، بصيص حلول فعلية. وما الأراضي الزراعية سوى الضمانة الوحيدة التّي قد تعيد الحيوية الاقتصادية لأهالي هذه المنطقة، الذين يحتاجون للتشجيع الفعلي لإعادة الاستثمار في هذا القطاع الأساسي والمهترئ. فإعادة تأهيل المنطقة الزراعية تتطلب وضع خطط ورؤى جديدة تتناسب وتطلعات أهل المنطقة، كما تيسير المستلزمات الأولية التّي يحتاجها المزارعون من قروض ومكننة، والتّي تخفِّض كلفة الإنتاج وتعيد لمنتجاتهم القدرة التنافسية. كذلك على الجهات الدولية أن تكف عن التعاطي مع المزارع كمنكوب يحتاج إغاثة، وأن تباشر بدعم العمل الإصلاحي والتنموي الفعلي، فمنطقة بعلبك- الهرمل بحاجة ماسة لسياسة إنمائية ولخفض معدلات البطالة التّي تتجاوز 40 بالمئة من مجمل القوى العاملة، التي تبقى سبباً أساسياً وجوهرياً للأزمات الأمنية المتلاحقة.

increase حجم الخط decrease

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها