الإثنين 2022/06/13

آخر تحديث: 17:37 (بيروت)

بحيرة القرعون "صافية".. أين اختفت البكتيريا القاتلة؟

الإثنين 2022/06/13 لوسي بارسخيان
بحيرة القرعون "صافية".. أين اختفت البكتيريا القاتلة؟
الأمل بمعالجة مشكلة التلوث في البحيرة لم ينقطع (المدن)
increase حجم الخط decrease

تبدل مشهد بحيرة القرعون صباح اليوم الإثنين 13 حزيران عما اعتاد الدكتور كمال سليم على رؤيته منذ سنوات، أقله في مثل هذا الوقت من كل سنة منذ 15 عاماً وأكثر. فبحيرة القرعون بدت نقية، ولم يكن متاحاً اصطياد السيانوبكتيريا فيها، وهي أنواع من البكتيريا الخضراء والزرقاء التي تتغذى من التلوث، من على سطح المياه. ما دفع بسليم لأن يغمض عينيه عدة مرات ويفتحهما ليتأكد مما رآه من "مشهد صاف رائع" لمياه البحيرة كما يقول، مشاركاً إنتعاشه بالمشهد عبر صورة نشرها على حسابه في صفحة فايسبوك.

المشهد العذب!
أستاذ الهيدروبيولوجيا في كلية العلوم بالجامعة اللبنانية الدكتور سليم، هو من المتابعين الدائمين لتطور حالة بحيرة القرعون، وممن يجرون مع تلاميذه أبحاثاً دائمة على مياهها. وكان قد حمل معه عدته صباح هذا اليوم للحصول على مزيد من السيانوبكتيريا التي يؤكد أنها تتواجد في البحيرة خلال شهر حزيران منذ سنوات طويلة. إلا أن شبكاته هذه المرة بقيت من دون صيدها، وهو -كما يؤكد- رماها مرة ومرتين وثلاثاً، لكن لم يعلق فيها أي من الباكتيريا.

فما الذي تسبب بهذه الظاهرة، خصوصاً أن لا تبدلات جذرية أدخلت على الممارسات البيئية تجاه البحيرة حتى الآن، وهي اقتصرت مؤخراً على تخفيض كميات الصرف الصناعي، نتيجة للملاحقات القضائية التي تعرض لها أصحاب المصانع من قبل المصلحة الوطنية لنهر الليطاني. فيما التلوث المنزلي والصرف الصحي -كما يؤكد سليم- لا يزال على حاله.

يجيب سليم على سؤال "المدن" بأن المشهد العذب للبحيرة، لا بد أن يكون من فعل الطبيعة وتبدلاتها المناخية. فصباح اليوم كان الطقس يميل إلى الخريفي في منطقة البقاع، وبالتالي، فإن انخفاض درجات الحرارة، وتراجع أشعة الشمس، والأمواج الصغيرة مع كميات المياه الكبيرة التي تجمعت بالبحيرة، نتيجة لغزارة الأمطار وطول فصل الشتاء لهذا العام، كلها عوامل دفعت بالسيانوبكتيريا إلى الاختباء بقعر المياه. ما يعني عملياً بأن هذه البكتيريا التي تقتل الحياة فيها لم تختف كلياً، طالما أن البحيرة لا تزال تختزن من الملوثات ما يمكن أن يشكل غذاءً دائماً لها. وبالتالي، مشهد اكتساحها بالأخضر والأزرق للبحيرة لا بد أن يعود مع ارتفاع درجات الحرارة، وسطوع نور الشمس مجدداً.

في القعر
وحسب سليم، فإن كميات المياه التي تختزنها البحيرة حتى اليوم تصل إلى 200 مليون متر مكعب، وهي كمية كبيرة لمثل هذا الوقت من السنة، ويمكن لزائر البحيرة أن يلمس اتساع سطح البحيرة، ولا سيما عند الجزء الأول منها حيث تصب مياه النهر، والذي كان يتحول إلى ساقية في مثل هذا الوقت من السنة. علماً أن المياه المتدفقة للبحيرة حالياً هي أقل من الكمية المستخدمة بتوليد الكهرباء في محطة عبد العال، وبالتالي من الطبيعي أن يتراجع مخزون القرعون في الأسابيع المقبلة.

إلا أنه، وفقاً لسليم، فإن السيانوبكتيريا كانت تظهر في البحيرة حتى في فصل الشتاء. ويذكر بحادثة نفوق أنواع سمك الكارب المقاوم للتلوث في بداية شهر أيار من العام الماضي، أي قبل موسم الحر، ليتبين دور السيانوبكتيريا بهذه المجزرة.

ومن هنا، يقول الدكتور سليم، إنه طالما أن الإدارات اللبنانية المعنية وتحديداً مجلس الإنماء والإعمار والوزارات المعنية، لم تنفذ خطط رفع التلوث عن الليطاني بدءاً من أعلى مجرى له في منطقة العليق ببعلبك حتى البحيرة، فإنها ستبقى محملة بشتى أنواع الملوثات التي تغذي البكتيريا، وستبقى مياهها غير صالحة للاستخدام، وخصوصاً في الزراعة، مذكراً بأن القناة 900، التي تروي قسماً كبيراً من الأراضي الزراعية في الحوض الأعلى من الليطاني متوقفة عن العمل منذ سنوات.

لا يتوقع سليم إذاً أن يستمر غياب السيانوبكتيريا عن سطح البحيرة، مرجحاً أن تكون راكدة حالياً في قعر المياه، بانتظار اكتمال عناصر تواجدها مع مياه الصرف الصحي والمنزلي التي تتغذى منها، وهي إلى جانب ارتفاع درجات الحرارة وسطوع الشمس مجدداً، تراجع كميات المياه في البحيرة.

عوامل عدة
استنتاج يوافق عليه أيضاً مدير عام المصلحة الوطنية لنهر الليطاني الدكتور سامي علوية. ولا يبدي علوية، في اتصال مع "المدن"، استعداداً حتى للتفاؤل بواقع "التعافي البصري المؤقت" للبحيرة. وهو يبادر إلى إرسال صور للبحيرة بألوان مختلفة منذ 9 حزيران حتى 13 منه شارحاً أن الأمر يتعلق بحركة الهواء، بالحرارة، بالمتساقطات، بتنظيف النهر، وبمجموعة عوامل.

ويقول علوية "كمصلحة قمنا بجهد فيما يتعلق بالتلوث الناتج عن الصرف الصناعي، ولكن لا يمكنني أن أدعي انتصارات وهمية، لأنه إذا تراجعنا كيلومترين إضافيين عن مشهد البحيرة الصافي اليوم، سنكتشف المجارير التي تتدفق في البحيرة". معتبراً أن اعتدال الحرارة والأمطار التي هطلت جعلت الترسبات تركد في قعر البحيرة. بينما التحاليل المخبرية لا تظهر تبدلاً في واقع البحيرة".

ويضيف علوية: "صحيح أننا لا نرصد معادن ثقيلة في مياهها حالياً، ولكن هناك تلوثاً جرثومياً عالياً ناتج عن الصرف الصحي". ويضيف: "بذلنا جهداً بما يختص بالصرف الصناعي، وبالصرف الصحي، ولكن أيضاً لا تزال تتدفق كميات هائلة من المجارير. ولو كانت المشكلة حلت فعلياً كان يمكننا أن نحول مياه البحيرة إلى القاسمية في الحوض الأدنى لليطاني، وكنا أعدنا تشغيل القناة 900 للريّ، ولم نفعل ذلك".

ويحسم علوية حقيقة الواقع قائلاً "طالما أنه لم يفرج عن المشاريع المتعلقة بالصرف الصحي، ولا تزال الدولة اللبنانية تحول مجارير شعبها وضيوفها من النازحين التي تصب حوالى 46 مليون متر مكعب من "البراز والصرف الصحي" إلى النهر، ستبقى المشكلة قائمة. ولا يمكن القول إن المواطن يلوث، وإنما الدولة التي دفعت أموالاً تأمنت من الضرائب أو الديون، مدت شبكات لتصب المجارير بالنهر، تماماً كما تفعل في منطقة الرملة البيضاء. فإذا نظرنا اليوم إلى البحر في منطقة الرملة البيضاء سنرى مياهه صافية، ولكن هل هذا يعني أنها صالحة للسباحة؟"

ومع ذلك يدعو سليم للاستفادة من فضل الطبيعة في هذا المشهد العذب للبحيرة، والذي يقول بأنه دليل على "أن الأمل بمعالجة مشكلة التلوث في البحيرة لم ينقطع، وإنما المطلوب التصرف بمسؤولية لتنفيذ مشاريع محطات التكرير، والتي لا تزال حتى الآن تواجه بالعراقيل، ولا تزال مشاريعها تدور بدوامة غياب التمويل".

increase حجم الخط decrease

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها