الأحد 2022/03/13

آخر تحديث: 10:57 (بيروت)

صرّافو "الشّنطة": هكذا تتحكم المافيا السياسية-المصرفية بالسوق السوداء

الأحد 2022/03/13 محمد زهوة
صرّافو "الشّنطة": هكذا تتحكم المافيا السياسية-المصرفية بالسوق السوداء
أمست هذه "المهنة" علنية ومنتشرة في وضح النهار وعلى مرأى القوى الأمنية (عباس سلمان)
increase حجم الخط decrease
ولّدت الأزمة الاقتصادية، بعد ارتفاع سعر صرف الدولار منتصف عام 2019، سوق عمل جديدة "غير شرعية"، دخل إليها مئات العاطلين عن العمل للاتجار في صرف العملة الصعبة، لتحقيق الأرباح وجني الأموال بأسرع الطرق. فأصبحوا ما يعرف اليوم بـ"صرّافي الشنطة" أو "صرّافي الـdelivery"، وتسميات أخرى مرادفة.

موظفون براتب ألفي دولار
لا يكلّف الأمر كثيرًا كي ينطلق الفرد في رحلة حصد الثروات على "ضهر الناس"، يؤكد حسين، وهو أحد صرّافي الـ"delivery" ضمن نطاق الضاحية الجنوبية. ويضيف في حديثه لـ"المدن": "بإمكان صرّاف الشنطة العمل برأس مال يتراوح بين 50 مليون و100 مليون ليرة، وإلى جانبهم 5 آلاف دولار كحد أدنى"، مؤكدًا سهولة مضاعفتها في غضون أشهر قليلة، "وهذا ما فعلته شخصيًّا"، قال.

حسين، متصالح مع نفسه ومدرك خطورة ما يقوم به قانونيًا، وعلى مجتمعه أخلاقيًا، ويقول بنبرة إصرار على متابعة طريقه: "ليس هناك من عقبات تذكر على من لا يمتلك رأس المال لخوض غمار هذه المسيرة. كثرة من زملائي اللبنانيين والسوريين والفلسطينين موظفون لدى كبار تجار السوق السوداء. ينتشرون في أماكن معيّنة، قد تكون في بيروت (الضاحية، البربير، مار الياس، الدكوانة)، بعلبك، صيدا، صور، وطرابلس، برواتب تبدأ من 5 مليون ليرة شهريًا وتصل إلى 40 مليوناً، حسب الغلّة".

شبكات صرّافي الشوارع
يشرح الشاب العشريني استراتيجية العمل، وكيفية التعامل مع سعر صرف الدولار بجهاز تحكّم من بعد. ويؤكد وجود شبكات تضم كل منها مجموعة كبيرة من الصرّافين تعمل لصالحها، تتفاعل ضمن مجموعات مشتركة على تطبيق "WhatsApp"، بغية تحديد النطاق الجغرافي لكل شبكة وتجنب المضاربة، التي كانت تسبّب إطلاق نار وتودي بحياة أشخاص في السابق، ولتوحيد السعر اليومي، والتحكّم لاسلكيًّا بحركة "المستخدمين" خلال انتشارهم الميداني.

مع انطلاق هذه الظاهرة، كان "حاملو الشّنط" يتبعون خططاً عدّة للعمل بطرق مموّهة ومبهمة، لتفادي لفت النظر في ظل الملاحقات القضائية التي كانت سائدة ضد صرّافي السوق السوداء، كما يفنّد أحد كبار مشغّلي "صرّافي الشنطة" في بيروت أبو جمال لـ"المدن". ويشرح: "من الخطط المتبعة اصطياد السيارات الفخمة وعرض على أصحابها صرف العملة، وكذلك القيام بعملية مسح وتقصّي لكل نقطة من قبل صرّافيها لمعرفة هويات أصحاب العملة الصعبة فيها، وأصحاب محالها التجارية، لاستيقافهم عند مرورهم وتسويق التّجرة".

مصارف شريكة في اللعبة
آلية تحديد الأرباح تبدأ لحظة تحديث السعر اليومي لصرف الدولار في السوق السوداء. تتفق المجموعات على تسعيرة موحّدة، تختلف بنحو 500 ليرة للبيع والشراء عن السوق الموازية، للاستفادة من الفارق عند "تقريش الشنطة" نهاية كل يوم عمل، يقول أبو جمال. ويكشف عن أن "العلاقة بيننا وبين مسؤولي بعض المصارف هي ركيزة نمو وتوسّع سوق الصيرفة السوداء على الطرق، إذ نعتمد بنسبة تفوق 60 في المئة على السيولة التي يضخونها إلينا من الكوتا النقدية التي تصل إلى المصارف من البنك المركزي تنفيذًا للتعميم 161".

الكوتا النقدية، يفترض أن تبيعها المصارف إلى عملائها حصرًا، ضمن شروط وقوانين وسقوف معينة، يُحظر على أي بنك التصرّف بها لمصلحة شخصية. إلا أن مسؤولين في بعض المصارف الكبيرة، يعلمون عبر مصادرهم بالتسعيرة المقبلة للمنصة، فيبيعون جزءًا كبيرًا من كوتا المركزي، يصل إلى 500 ألف دولار، بطرق ملتوية وسريّة، وبسعر يختلف عن التسعيرة المنتظرة بنحو 300 أو 400 ليرة، وفي بعض الأحيان يفرق 1000 أو 2000 ليرة، يكشف أبو جمال. ويتابع: عند تفعيل "صيرفة" في اليوم التالي، يقتطع مسؤولو المصارف هامش ربحهم الذي يصل في بعض "الضربات" الى ملايين الدولارات في "التجرة"، ثم يعيدون المبلغ الذي "قُرصن" من كوتا المركزي إلى المصرف للتداول به ضمن التعميم 161 بشكل طبيعي.

وسطاء بين سلامة والصرّافين
حاكم مصرف لبنان رياض سلامة، كما المصارف، شريك في لعبة الطرق، يقرّ أبو جمال. هذا الأمر تم التداول به مؤخرًا في الأوساط الشعبية والإعلامية، لكن التاجر الأربعيني يشدد على أن الحاكم، وعبر قنوات ووسطاء، ما زال حتى اليوم يسلّم كبار صرّافي الشوارع رزمًا نقدية بالليرة اللبنانية، بأرقام متسلسلة وطبعات جديدة، موضّبة بصناديق بيضاء كبيرة، ومختومة باسم المركزي. واستطرد: "سلامة يضخ الدولار إلى المصارف بكفّه اليمنى، ويشتري الكتلة الأميركية من كبار تجّار سوق الشوارع بكفّه اليسرى، ما يحقق له أرباحًا تزيد عن المبلغ الذي وضعه في المصارف"، مضيفًا: "إذا كان الحاكم شريكنا، والمصارف دعامتنا، فلماذا نُصنّف سوقًا سوداء؟ ولماذا تتم ملاحقتنا قضائيًا؟ أليس الأجدى تهذيب وتنظيم القطاع المالي من رأس هرمه أولًا؟"، يتساءل أبو جمال.

وإذ رفض مصدر مسؤول في مصرف شهير هُمس لنا بتورّطه مع الصرّافين، إقحامهم في مثل هذه اللعبة، نفت مصادر مقربة من المصرف المركزي كذلك، أي علاقة لها بتجار الدولار في سوق الشوارع، معتبرة أنه ليس شرطًا أن تكون الصناديق المختومة باسم المركزي والكتل الورقية الجديدة بالعملة اللبنانية، تصل من خلالها حصرًا إلى هؤلاء الصرّافين".

وتشرح المصادر: "ضمن قانون النقد والتسليف نستطيع أن نتعامل بالكتل النقدية الموجودة لدينا مع مؤسسات الدولة، بوجهتين خاصّتين، هما المصارف وصرّافي الدرجة الأولى، وبالتالي لا أحد يستطيع اتهام المركزي بالتورط في هذه الألاعيب التي تؤثر على السوق، وعلى الاستقرار المالي".

السّاسة لبث الفوضى
من جهته، يشير الخبير الاقتصادي البروفسور جاسم عجاقة، إلى أن "صرّافي الشارع لا يعملون بشكل مستقل، بل هم أدوات لمرجعيات سياسية، يتم استثمارهم لغايات عدّة تخدم مصالحهم الخاصة"، موضحًا أن "العامل المادّي أساسي لدى هؤلاء الشبّان المنتشرين في كل مكان، لكن العامل الآخر الذي يؤمن لهم الغطاء الأمني، هو العامل السياسي الوظيفي". وقد "أثبتت التجارب في العالم أن اللعبة الأكثر نجاحًا لكسب النقاط السياسية وتحقيق الانتصارات الفئوية، هي بث الفوضى"، يقول عجاقة لـ"المدن. ويضيف: "الشرارة الأقوى لبث الفوضى تبدأ عند اللعب على وتر العملة وزعزعة الاستقرار النقدي"، معتبرًا أنه "في ظل الغطاء الذي يتمتعون به، أصبح صرّافو الشوارع يتباهون بعملهم ويقفون بثقة عارمة في الأحياء والأسواق، فيشعرون أنهم أعلى من القوانين ولا أحد يستطيع محاسبتهم".

تساهل قانوني وإفلات من المحاسبة
في البداية، اعتقد "صرّافو الشنطة" أن مشوارهم في هذه "المهنة" وعر وخطر، لكن سريعاً تبين أنه سهل في دولة التفلّت القانوني، كما يقول أحد "صرّافي الشنطة" في منطقة مار الياس، الملقّب بـ"الريّس". وشرح حادثة توقيف "صرّاف دراجة نارية" بعدما وشى به مجهول، مؤكداً أنه استجوب حول بعض التفاصيل المتعلقة بعمله في الصيرفة، ووقّع تعهدًّا وتم إخلاء سبيله.

ويجزم "الريّس" أن عددًا كبيرًا من زملائه أوقفوا وكانت النتيجة مشابهة: توقيع تعهد مع إخلاء سبيل، وفي أسوأ الأحوال تُصادر "الغلّة"، وغالبًا ما تُحل هذه القضية باتصال صغير من مرجعية سياسية أو حزبية نافذة. لذلك أمست هذه "المهنة" علنية، وظاهرة منتشرة في وضح النهار "وعلى عينك يا دولة"، وعلى مرأى القوى الأمنية. 
increase حجم الخط decrease

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها