image
الأحد 2022/11/20

آخر تحديث: 11:08 (بيروت)

ماذا يدرس علماء الفضاء الأميركيون على مقربة من القمر؟

الأحد 2022/11/20 سامي خليفة
ماذا يدرس علماء الفضاء الأميركيون على مقربة من القمر؟
تخطط الوكالة الأميركية لتحويل القمر إلى محطة لرحلات فضائية أبعد (Getty)
increase حجم الخط decrease

ضمن خطتها الطموحة الهادفة لإعادة رواد الفضاء إلى القمر، وتجهيزهم لاستكشاف المريخ لاحقاً. نجحت وكالة الفضاء الأميركية "ناسا" في التغلب على المشكلات التقنية التي واجهتها مع صاروخ "أس إل أس SLS" الأقوى في العالم، وأطلقت مهمة "أرتيميس1" إيذاناً ببزوغ عصر جديد في الفضاء. وسينصبّ تركيز المرحلة الأولى من المهمة في الوقت الراهن على دراسة قدرة الإنسان على النجاة في الفضاء ومدى تحمله للإشعاعات.

الإشعاع الفضائي
لن تضم مهمة "ناسا" الأولى أي رائد فضاء بشري، إنما سيحل مكان البشر ثلاث دمى عالية التقنية تُدعى "هيلغا" و"زوهار" و"مونيكين كامبوس". إنها نماذج شبيهة بالبشر تُستخدم في البحث العلمي ومزودة بأكثر من 5600 جهاز استشعار و 34 كاشف إشعاع، ستختبر كيفية استجابة جسم الإنسان للسفر إلى الفضاء. وقد تم تصميم "هيلغا" و"زوهار" لقياس تأثيرات الإشعاع على أجساد النساء في الفضاء، لأن النساء عادةً ما يتأثرن أكثر بالإشعاع الفضائي، فيما سيجلس "مونيكين كامبوس" في مقعد القائد لتتبع مدى خطورة الرحلة إلى القمر لأفراد الطاقم البشري في المستقبل.  

ويبقى السؤال الأبرز الذي ستجيب عليه المهمة في مرحلتها الأولى يتلخصّ بماذا يفعل الفضاء بجسم الإنسان؟ فرغم أن رواد الفضاء هبطوا على سطح القمر في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي. لا يزال علماء الفضاء حتى يومنا هذا يجهلون الكثير عن تأثيرات الفضاء على جسم الإنسان، بما في ذلك تأثيرات الإشعاع الفضائي، وما الذي يمكن فعله للتخفيف من أضراره. وهنا تكمن أهمية "أرتيميس1"، ويشرحها كريس لينهاردت، طبيب الفضاء التشغيلي في مركز "ناسا جونسون" للفضاء، بقوله "ما نحتاج إلى معرفته حقاً هو التفاعل بين الإشعاع وعلم الأحياء. يؤسفني أن أقول بأن مجال دراسة علم الأحياء الإشعاعي، هو شيءٌ ليس لدينا الكثير من الخبرة فيه".

أجهزة استشعار لقياس الإشعاع
يحمينا المجال المغناطيسي لكوكبنا في حياتنا اليومية، من أشياءٍ خطيرة كجزيئات الطاقة الشمسية، وهي بروتونات سريعة للغاية تقذفها شمسنا، مثل حبيبات طلقات الرصاص، ويمكن أن تمزق خلايانا وحمضنا النووي، ما قد يسبب لنا مشاكل صحية جمّة. وبسبب قلة عدد رواد الفضاء الذين تركوا الفقاعة المغناطيسية الواقية للأرض، المعروفة باسم الغلاف المغناطيسي، فلا يفقه العلماء إلاّ القليل حول كيف يمكن أن يؤثر التعرض الطويل لها على جسم الإنسان.

وفيما يُعدّ السرطان الخطر الأكثر وضوحاً لتأثير الإشعاعات الفضائية، فإن العلماء كلينهاردت وغيره مهتمون أيضاً بمراقبة كيف يمكن أن يؤثر هذا الإشعاع على القلب أو الدماغ البشري. وبالتالي، فإن خلو هذه المهمة من البشر على متن كبسولة "أوريون"، سيزيد من صعوبة هذه الدراسات.

غير أن هذه الصعوبات وجدت لها وكالة الفضاء الأميركية بعض الحلول، إذ ارتأى علماؤها بأن ترتدي "زوهار" سترة واقية من الإشعاع تُسمى "AstroRad"، من دون أن ترتديها "هيلغا". وستكون كلا الدميتين مليئتين تماماً بأجهزة استشعار تسمح للعلماء بقياس الإشعاع الداخلي كجزء من تجربة تُسمىMATROSHKA AstroRad Radiation" Experiment"، وهي مشروع مشترك بين وكالة "ناسا" ووكالة الفضاء الإسرائيلية ومركز الفضاء الألماني.

على مدار ثلاثة أسابيع في الفضاء، ستجمع "هيلغا" و"زوهار" بياناتٍ مهمة حول نوع الإشعاع الذي ستتعرضان له وما إذا كانت تقنية الحماية "AstroRad" قد تكون قادرة على مساعدة رواد الفضاء في المستقبل على تجنب العواصف الشمسية وغيرها من المخاطر.

كما ستختبر وكالة الفضاء الأميركية "كاليستو"، وهو مزيج من الأجهزة والبرامج المخصصة التي صممتها شركات "أمازون" و"سيسكو" و"لوكهيد مارتن" للتواصل مع رواد الفضاء. سيمكّن الاختبار من إرسال رسائل صوتية ومرئية إلى جهاز لوحي على متن كبسولة "أوريون"، حيث ستتلقى نسخة من المساعد الصوتي "أليكسا" الرسالة وتشارك الرد.

"خلايا الخميرة"
لكن الدمى الثلاث التي تحدثنا عنها لن تكون محور الاهتمام الوحيد في الدراسة، إذ يقول سيرجيو سانتا ماريا، عالم الفضاء المشرف في مهمة تُسمى "بيوسنتينيل"، المسؤولة عن إرسال قمر "كيوبسات" الصناعي الصغير مع "أرتيميس1". بأن هذا القمر الصناعي سيكون الأول من نوعه الذي ينقل مادة بيولوجية وهي "خلايا الخميرة" إلى الفضاء، في أول دراسةٍ للاستجابات البيولوجية لإشعاع الفضاء السحيق منذ ما يقرب من 50 عاماً.

تعتبر الخميرة أداة مفيدة لهذا النوع من المشاريع، حيث تم استخدامها لسنواتٍ كبديلٍ للخلايا البشرية في الدراسات الطبية الحيوية، لكون الطريقة التي يتفكك بها حمضها النووي عند تعرضه للإشعاع تشبه إلى حدٍ كبير الطريقة التي يتحلل بها حمضنا النووي. كما إنها مفيدة أيضاً من الناحية اللوجستية لمهمة "أرتيميس". فعلى عكس الكائنات الحية الأخرى، يمكن تخزينها إلى أجلٍ غير مُسمى في حالتها الجافة وغير النشطة.

بمجرد وصولها إلى مدارها حول الشمس، سيتم إعادة ترطيب تلك الخميرة، وسيقوم سانتا ماريا وزملاؤه بمراقبة نموها، وكمية وأنواع الإشعاع التي تتعرض لها. وسيكون للتجربة آثار تتجاوز التأثيرات البشرية أيضاً، إذ تُستخدم الخميرة في صنع اللبن والبروبيوتيك، وهي ألياف نباتية متخصصة، توجد في العديد من الفواكه والخضروات، ما يعني أنه يمكن أن تكون مفيدة لإنتاج الطعام خلال المهمات طويلة المدى إلى قاعدة القمر أو حتى إلى المريخ. وإنطلاقاً من ذلك، فإن معرفة مدى نجاحها في الفضاء على مدى فترة طويلة، يمكن أن يساعد بشكلٍ أساسي في النسخة الفضائية من إعداد الوجبات لرواد الفضاء.

دراسة المخاطر كافة
وبناءً على ما تقدم، ستكون البيانات التي سترسلها "هيلغا" و"زوهار" و"مونيكين كامبوس" والخميرة في "بيوسنتينيل"، إلى الباحثين على الأرض لا تُقدرّ بثمنٍ لخطط "ناسا" لبعثاتها المقبلة إلى القمر وما بعده.

ومع ذلك، لا يتعين على "ناسا" معرفة كيف يمكن للإشعاع أن يؤثر على البعثات المستقبلية وحسب. فالفضاء مميت، وهو عبارة عن فراغ هوائي يمكن أن يقتلنا بسهولة، ويشكل عدداً كبيراً من المخاطر الصحية، منَ تأثير الجاذبية الصغرى على عظامنا وأعيننا إلى كيفية تأثير حدود المركبات الفضائية على صحتنا العقلية. وكل هذا يحدث حتى قبل أن نصل إلى سطح القمر، وهناك سيتعين على رواد الفضاء التعامل مع حقيقة أن غبار القمر سامّ وإنّ بنسبةٍ ضئيلة.

ولتجنب أي خواطر مستقبلية محتملة على رواد الفضاء، سترسل الوكالة الأميركية ضمن المهمة ذاتها، عدة أقمار صناعية صغيرة ومنها "لونير"، المكلف بدراسة سلامة سطح القمر من خلال التصوير بالأشعة تحت الحمراء، ما ينتج عنه معلومات يمكن أن تؤثر على المكان الذي سيسافر فيه رواد الفضاء في نهاية المطاف. وقمر "لونير أيس كيوب"، لاكتشاف مصادر المياه على سطح القمر. فيما سيتوجه قمر صناعي آخر يُدعى "نيا سكاوت"، إلى كويكبٍ صغير قريب، في رحلة جانبية يمكن أن تُرشد مهمات الطاقم المستقبلية إلى كويكباتٍ أخرى.

في النهاية، تخطط الوكالة الأميركية لتحويل القمر إلى نقطة توقف في رحلةٍ أكثر طموحاً، لاستكشاف الكوكب الأحمر. ووفق المعطيات العلمية الحالية، يبدو أن هذا قد يحدث في وقتٍ ما في أواخر العقد الثالث من القرن الحالي. ونستطيع القول بعد ذلك كله أن برنامج "أرتيميس" ليس تكراراً لبرنامج "أبولو". إنما هو البرنامج الأول من نوعه في مشروعٍ طويل الأجل للاستكشاف البشري.

increase حجم الخط decrease

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها