image
الثلاثاء 2022/11/15

آخر تحديث: 12:47 (بيروت)

الصين تُتوج رسمياً كقوة عظمى في الفضاء بمحطتها الجديدة

الثلاثاء 2022/11/15 سامي خليفة
الصين تُتوج رسمياً كقوة عظمى في الفضاء بمحطتها الجديدة
محطة "تيانغونغ" (القصر السماوي) إنجاز كبير لبرنامج الفضاء الصيني (Getty)
increase حجم الخط decrease
جاء إعلان مؤسسة علوم وتكنولوجيا الفضاء الصينية، بتشغيل محطة "تيانغونغ" (القصر السماوي) بالكامل، ليفرض مشهداً جديداً في الفضاء، عنوانه دخول بكين في قائمة الدول المسيطرة، وليمثل إنجازاً كبيراً لبرنامج الفضاء الصيني سريع النمو، والذي يخطط لبناء قاعدة على القمر، ونشر مركبة قمرية، وحتى إرسال مركباتٍ مدارية جديدة إلى المريخ.

المحطة الفضائية الأوحد
طوال تاريخ البشرية في استكشاف الفضاء والقيام برحلات الفضاء المأهولة، كانت هذه الأنشطة تحت سيطرة الولايات المتحدة وأوروبا وكندا واليابان وروسيا، التي تراجع برنامجها الفضائي مؤخراً. ويمكن القول أن الصين بتشغيلها محطتها الفضائية، أنجزت ما فعلته روسيا والولايات المتحدة قبل بضعة عقود، وقد فعلت ذلك بسرعة، بمفردها، مع بعض التحسينات على التصميمات السابقة.

وتأتي أهمية هذه الخطوة الصينية، في وقتٍ يتحدث فيه العلماء عن اقتراب نهاية عمل محطة الفضاء الدولية. إذ يقول فابيو ترونشيتي، أستاذ قانون الفضاء في جامعة "بيهانغ" في بكين وجامعة "ميسيسيبي" الأميركية، أن العالم سيكون بعد توقف محطة الفضاء الدولية مع محطةٍ فضائية واحدة تدور حول الفضاء، ألاّ وهي المحطة الصينية.

وحسب ترونشيتي، فإن برنامج الفضاء الصيني يخطط لاستمرار "تيانغونغ" لمدة 10 إلى 15 عاماً، مع إمكانية إطالة عمرها. فيما محطة الفضاء الدولية الأكبر حجماً، التي تديرها الولايات المتحدة ووكالة الفضاء الأوروبية وروسيا وشركاء آخرون، يمكن أن تتقاعد بحلول عام 2030، وهذا هو تاريخ الانتهاء الذي أعطته إدارة بايدن لها بعد تمديد مهمتها العام الماضي (في وقتٍ سابق من هذا العام، هددت روسيا بالانسحاب بحلول عام 2024، بسبب التوترات الجيوسياسية المستمرة التي أعقبت غزوها لأوكرانيا. لكن محللي الفضاء يتوقعون الآن أن تواصل روسيا دعمها حتى عام 2030 أيضاً).

المواصفات والأهداف
رغم أن التحضير للمحطة بدأ في عام 2011، بما في ذلك إطلاق أول نسختين تجريبيتين، إلاّ أن تشييد "تيانغونغ" استغرق سنة ونصف السنة وحسب. وتم إطلاق الوحدة الأساسية "تيانهي"، في نيسان 2021، ثم الوحدة التالية في تموز 2022، تلتها الوحدة الأخيرة نهاية الشهر الماضي.

المحطة التي تتخذ شكل حرف T، مع وحدتين معملتين متصلتين بالنواة، تشبه في الحجم محطة "مير Mir" الروسية، التي تم تشغيلها في ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي. وبينما تعدّ هذه المحطة أصغر من محطة الفضاء الدولية، يقول جان أوسبورغ، مهندس الطيران في مؤسسة "راند" الأميركية، أنها في الداخل، لديها بعض ميزات الراحة التي تعمل على تحسين قابلية السكن وبالتالي تعزز من إنتاجية رواد الفضاء. ما يعني بالضرورة فوضى أقل، والمزيد من الاتصالات اللاسلكية بدلاً من الكابلات، ووجود ميكروويف في الفضاء.

وكما هي الحال مع محطة الفضاء الدولية، ستوفر محطة الصين بعض الفرص للشراكات، والتي من خلالها يمكن للبلدان الأخرى إرسال التجارب، وربما لاحقاً رواد الفضاء إلى "تيانغونغ". وقد اقترح باحثون من مؤسسات أوروبية ودول أخرى إجراء تجارب في المحطة على مجموعة واسعة من الموضوعات، وأهمها انفجارات أشعة غاما وطب الفضاء والساعات الذرية. وثمة اعتقاد بأن الشركاء التجاريين للصين قد يبدون اهتماماً بالمحطة من خلال إطلاق بعثات الشحن. ولكن على عكس محطة الفضاء الدولية، التي تعتمد باستمرار على تعاون ودعم شركائها، يعتقد الخبراء بأن الصين لديها أولويات مختلفة بالنسبة إلى "تيانغونغ"، إذ من المرجح أن ينصب تركيزها على إظهار أن القيادة الصينية لا تحتاج إلى الاعتماد على وكالات وشركات الفضاء في الدول الأخرى.

إضافةً إلى ذلك، ليس من المتوقع أن يكون لروسيا أي تعاون مع "تيانغونغ". خصوصاً أن رئيس وكالة الفضاء الروسية، أعلن في وقتٍ سابق من هذا العام أنه سيطلق وحدات لمحطته الجديدة في وقتٍ مبكر من عام 2028، وسط تشكيكٍ كبير من علماء الفضاء بإمكانية حدوث ذلك.

حطام الصواريخ
على أيّ حال، يظهر إكمال "تيانغونغ" أن الصين لم تعد لاعباً صاعداً في الفضاء، بل أصبحت إحدى القوى القليلة المسيطرة. ومثل القوى الأخرى، يجب على الصين الآن أن تواجه مشكلة كيفية التخلص من القمامة المصاحبة للحفاظ على محطة فضائية. وللتوضيح، تمتلك معظم الدول إما صواريخ قابلة لإعادة الاستخدام أو تحاول التخلص من أجسامها الصاروخية عن طريق الاحتفاظ ببعض الوقود للسماح للهبوط المتحكم به عبر الغلاف الجوي. يضمن ذلك عدم بقائها في مدار أرضي منخفض، حيث يمكن أن تشكل خطراً على الأقمار الصناعية ومحطات الفضاء.

ومع ذلك، تحطمت آخر مرحلتين من صاروخ "لونغ مارش 5 بي" اللتين استخدمتهما وكالة الفضاء الصينية لتركيب الوحدات العلوية للمحطة. وبينما سقط أحدها في المحيط الهندي بالقرب من جزر المالديف، تحطم الصاروخ الأول الذي أطلق وحدة مختبر "وينتيان" في تموز المنصرم، مع سقوط بعض القطع على ماليزيا وإندونيسيا.

وبينما تشدد الصين بأن صواريخها الفضائية تستخدم تقنية تصميم خاصة، ما يسمح لمعظم المكونات بالحرق خلال عملية دخول الغلاف الجوي، ولذا فإن احتمال إلحاق الضرر بالأرض، وأنشطة الطيران، منخفض للغاية. إلاّ أن خروج صاروخ صيني عن السيطرة للمرة الرابعة خلال عامين، دفع العديد من خبراء صناعة الفضاء إلى الذعر.

المنافسة في أوجها
أما عن احتمال استخدام الصين هذه المحطة لأغراضٍ عسكرية، لا سيما أنها تمتلك قدراتٍ عسكرية فضائية كبيرة، حالها حال الولايات المتحدة وروسيا، فيشدد العلماء بأن محطتها الفضائية الجديدة لا تضيف أي جديد على قدراتها العسكرية. وعلى غرار محطة الفضاء الدولية و"مير"، ليس لـ "تيانغونغ" أي غرض عسكري، وهي مصممة في المقام الأول لتسهيل البحث العلمي. وهذا ما يوضحه ديفيد بورباخ، خبير شؤون الأمن القومي في الكلية الحربية البحرية في رود آيلاند، بقوله "من الناحية النظرية، يمكن للمحطة الاستيلاء على قمر صناعي أميركي. لكن هذه ستكون مجازفة غير محسوبة أستبعد أن تقوم بها الصين، وسيكون من الذكاء بدلاً من ذلك تطوير قمر صناعي صغير متخفٍ بدلاً من محاولة المخاطرة بمحطتها الفضائية العملاقة".

لكن دحض العلماء لإمكانية استخدام الصين هذه المحطة لأغراضٍ عسكرية، لا يخفف من القلق داخل الولايات المتحدة من دخول الصين بقوة في خضم المنافسة على الفضاء. وهنا، يقول جان أوسبورغ "استكمال تيانغونغ له آثار جيوسياسية على الولايات المتحدة. لم يعد بإمكاننا التسليم بأننا المسيطرين في الفضاء. هذا جرس إنذار للولايات المتحدة وحلفائها بعدم ترك الساحة. وهناك طرق مختلفة لتشغيل محطة فضائية واستكشاف الفضاء. خلاصة القول، أودّ أن نكون من نحدد النغمة لتوسع البشرية في الفضاء، وليس النظام الاستبدادي في الصين".

increase حجم الخط decrease

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها