آخر تحديث:14:54(بيروت)
الأربعاء 08/09/2021
share

عبدالله الطواشي: نجمُ ملاعب كرة القدم وفتوّةُ القبّة الطرابلسية

محمد أبي سمرا | الأربعاء 08/09/2021
شارك المقال :
عبدالله الطواشي: نجمُ ملاعب كرة القدم وفتوّةُ القبّة الطرابلسية كان الطواشي ينظم عراضات احتجاجية لفتيان وشبان أحياء القبة على دراجاتهم النارية (سيلفي)
تلقائيًا استهل محدثي كلامه متنقلًا بين نون الجماعة والمتكلم المفرد، فقال معرّفًا بنفسه: نحن صريحون وبسيطون. اسمي عبد الله عمر الطواشي. سجل نفوس عائلتنا في السويقة، وولدت سنة 1984، هنا في القبة، بتلك البناية التي لا أزال أسكن فيها. وهي لجدي الذي أقام فيها، وبعده أقام والدي وإخوته، فتزوجوا وأنجبوا فيها أولادهم. ووالدي أطال الله عمره، كان يعمل سائق صهريج شركة توزيع محروقات. ونحن إخوة سبعة وأخت واحدة. اثنان منهم توفيا قبل سنوات: الأول صدمته سيارة في القلمون، والثاني توفي في السنة نفسها بذلك المرض (ولم يقل عبدالله: السرطان، كأنما لفظ اسمه شائنٌ أو معدٍ). ولديّ أخ أصغر مني سنًا، وعندي أطفال ثلاثة، وهذا أصغرهم، مشيرًا بيده إلى الطفل الجالس قربه.

فوضى رحميّة
قبل إشارته، لم أكن أبصر أحدًا يجلس إلى جانب محدثي. ذلك أنني كلما جلست في مكان كالذي جلسنا فيه: عراءٌ عمومي تتكاثف في هوائه وفضائه فوضى مواد وأصوات وأجسام وأشياء، تزدحم تكتظ وتتخالط كأنما في رحم، أُصابُ بما يشبه دوار وخمول حسّي قد يكون آلية دفاعية لا إرادية ضد الصخب. وفي مثل هذه الأماكن من الفوضى الرحمية، تتبلّد حواسي وتتعطل، أو هي تكون كأنها في بداية تكوُّنِها بعد في عتمات الرحم.  

وطوال حديثه الذي استغرق نحو أكثر من ساعة، صَعُبَ عليَّ حملُ عبد الله على كلام صريح، عنه شخصيًا وعن ما خبره وعلمه عن الجماعة التي ينتمي إليها ويتكلم باسمها. وهي تارة تشمل أهالي طرابلس بصفتها مدينة "محرومة" و"مهمشة"، وطورًا تقتصر على أهالي أحياء القبة الفقراء، ثم على شلل الشبان والفتيان في أحيائها وسواهم في أحياء طرابلس الفقيرة. وكنا في حوالى الحادية عشرة صباحًا من نهار في مطلع أيلول 2021، قد وصلنا قبل عبد الله بدقائق إلى مكان موعدنا معه في إحدى ساحات القبة الشعبية الفقيرة الممتدة على تلة مستطيلة تعلو مدينة طرابلس من جنوبها الشرقي إلى شمالها الشرقي.

لا تزال القبة على حالها لم تتغير، فكرتُ أنا من ترددتُ مراتٍ كثيرة إليها وإلى أحياء طرابلس الأخرى، زائرًا مستطلعًا في العشرية الأولى من الألفية الثالثة، ومسجلًا شهادات وسير كثيرة لبعض أهلها وشبانٍ من فتوات أحيائها في الحروب الأهلية (1975–1990) وفي العقد الأخير من الألفية الثانية. وفي نظرة إجمالية عامة عابرة بدا لي أن لا شيء تغير في طرابلس وقبتها في السنوات العشر المنصرمة: الفقر والفوضى على حالهما هنا في القبة وفي سواها.

أجيال القطيعة
ولكن اللافت أن عبد الله يجهل تمامًا أسلافه القدامى من فتوّات الأحياء والشوارع القريبة من بيته، أولئك الذين سجّلتُ شهادات وسير بعضهم. وربما لا يكفي أن عبد الله ليس من أجيال الحروب الطرابلسية، لتعليل جهله حتى بأسماء أسلافه من الفتوّات، إلا إذا ضربنا صفحًا عن مبدأ اجتماعي–ثقافي تعاظم سريانه في لبنان ما بعد الحروب الأهلية فيه: القطيعة المتفاقمة بين أجياله، حتى ليبدو أن العالم، تجارب وأفكارًا ونمط عيش، يموتُ ويمحي ليولد مع كل جيل عالم جديد منقطع عن سابقه، رغم أن المستمع مثلي إلى سير وشهادات من أجيال طرابلسية متعاقبة، يلاحظ تكرارًا للسير والشهادات من جيل إلى جيل، كأنما العالم ثابت لا يتبدل ولا يتغير.

فالحوادث التي رواها عبد الله من حياته، عن شقيقه القتيل صدمًا بسيارة والآخر المتوفي بالسرطان، وعن إقامته في بناية عائلية متوارثة، وتوقفه عن الدراسة بعد وصوله إلى الصف الثالث من المرحلة المتوسطة بمدرسة "الأمل" الرسمية في القبة، وعمله في ورشة إصلاح دواليب السيارات وتغيير زيتها، وسواها من حوادث، تتكرر مع تغيرات طفيفة في سير حياة فتيان وشبانٍ من أجيال سابقة في أحياء طرابلس الفقيرة التي قال عبدالله: شو ما بيصحلك فيها بتشتغل. أي أنه وأمثاله من فتيانها وشبانها يعملون في ما توفره لهم الظروف والمصادفات والأقدار: ورش الحدادة والنجارة وإصلاح أعطال السيارات، وفي محال الحلويات في الأعياد.. إلخ.

وبعد فراغهم من هذه الأعمال اليومية المتقطعة، يمضون أوقات ما بعد ظهر النهارات في لعبة كرة القدم في فسحات وملاعب رملية أو ترابية في الأحياء.

نجم كرة القدم
وواظب عبدالله على رياضة كرة القدم، فتميز وبرع فيها، فأهلته أو اجتاز بواسطتها "شعائر عبوره" من فتىً عاديّ، ليصير فتوّة معروفًا في القبة أولًا، وفي أحياء طرابلس ثانيًا، وفي سواها من المناطق: صار اسمي يسبقني -قال- والناس يعرفون وينادون: الطواشي، الطواشي. لأنني كنتُ لاعبًا جيدًا في الملاعب، وعندي جمهور واسع من المشجعين. وأولاد منطقتي يذهبون معي لحضور المباريات، رغم عجزي عن تأمين كلفة المواصلات لهم في تنقلهم لمواكبتي، بعدما صرتُ معروفًا من عكار شمالًا إلى جنوب لبنان.

وظل الطواشي على هذه الحال، فاحترف رياضة كرة القدم وصار من لاعبي الدرجة الأولى، ويتقاضى راتبًا شهريًا، متنقلًا بين أندية طرابلسية كثيرة، حتى توقفه تمامًا عن اللعب، بعدما انقطع الرباط العصبي بين ساقه وقدمه في ملعب أثناء مباراة في العام 2014.

وكان من الصعب حمل عبد الله على تسمية شخصيات ونافذين وأثرياء طرابلسيين، يرعون الأندية الرياضية في المدينة، ويتبرعون لها بالمال، لقاء رفع شأنهم وتكثير مواليهم في أحيائها وبين فتوّاتها من الفتيان والشبان المتحلقين جمهورًا مشجعًا لـ"نجوم" لاعبي تلك الأندية، من أمثال الطواشي.

من أعمال الفتوّة
ونجومية الطواشي في أندية كرة القدم الطرابلسية وملاعبها ومبارياتها، جعلته فتوّة في القبة وسواها من أحياء المدينة. وبعد توقفه عن رياضة كرة القدم التي احترفها وكان يعبدها، قد تكون النجومية والفتوّة وفّرتا له عملًا مياومًا في شركة مياه طرابلس: مراقب عدّادات أو "عيارات" الماء في البنايات السكنية. وإذا كان مثل هذا العمل على صلة بإدارة بلدية طرابلس، فإن ما قد حملها على اختيارها الطواشي وتوظيفه لتسيير أعمال المراقبة على توزيع المياه، هو نفوذه بين فتيان الأحياء وشبانها وبين أهالي تلك الأحياء وسكانها.

لكن الطواشي نسي أن يذكر عمله هذا، أو أنه لا يكترث به أو تستر عليه، فلم يذكره إلا نحو عرضي في نهاية حديثه، عندما سأله دليلي إليه إن كان لا يزال يعمل مياومًا في وظيفته تلك. فقال إنه عاد إليها أخيرًا بعد انتفاضة 17 تشرين 2019، ساخرًا متذمرًا من مرتبه الشهري الذي لا يتعدى 350 ألف ليرة. وفي حالة الطواشي وأمثاله من المياومين في الدوائر الرسمية والمصالح المستقلة، يصعب ألا تنطوي أعمالهم وتقاضيهم مرتباتهم على شكل من أشكال الإعالة والبطالة المقنّعة.

لغة الفتوة وشبكاتها
وفي جلستنا الصباحية مع الطواشي، بطرف ساحة صغيرة مائلة من ساحات أحياء القبة، وعلى مقاعد خشبية ضخمة واطئة على رصيف مائل أمام مقهى صغير كان لا يزال مقفلًا، نادى محدثنا شبانًا وفتيانًا يعرفهم في مقهى (كشك خشبي) مركب في طرف الساحة المقابل، وأمامه كرسي وطاولات صغيرة تحت خيمة من قماش، وقال لهم أن يجلبوا لنا القهوة. وبدا أن للطواشي دالة واضحة في الساحة. فما من شاب أو فتى مرَّ فيها لم يتوقّف أو يعرِّج إلى حيث نجلس، ليحيّ "الريس" عبد الله أو الطواشي، كأنه يسأله إن كان يريد أو يطلب منه شيئًا ما. فيشكر الطواشي كل من يحييه ويسأله قائلًا له: يعطيك العافية، الله معك حبيبي. كأنما من يحيّونه يقومون بعمل ما أو هم ذاهبون لانجازه، ويعلم رائدهم ماذا يكون.

ومثل هذه الرياضة الكلامية تنطوي على شبكة العلاقات الأهلية المحلية التي تشدُّ فتيان الأحياء وشبانها في ما بينهم، ويشغل الطواشي محورها أو منعَقَدَها في الحي وساحته. والشبكة هذه، الكثيفة الخيوط المتكوكبة، تشبه أسلاك التيار الكهربائي المتشابكة عنكبوتيًا في فضاء الساحة وشوارع الحي بين البنايات الفوضوية الرصاصية أو الرمادية اللون الإسمنتي العاري، والستائر البلاستيكية البالية التي تقنِّع شرفاتها. وتشبه أيضًا أصوات "ضجيج القاع" البشري المنبعث خانقًا ومختنقًا في أرجاء الساحة ومن حركة الخلق الكثيفة فيها. وتشبه كذلك العراضات الاحتجاجية التي قال الطواشي إنه راح ينظمها لفتيان وشبان أحياء القبة على دراجات نارية تجوب أحياء طرابلس، منذ العام 2015.

وهو استهل حديثه عن هذه العراضات الاحتجاجية قائلًا: عندي فيديوهات مصورة عنها. وتناول هاتفه المحمول راغبًا في أن نشاهدها. الاحتجاج على ماذا، وكيف تنظمها؟ سألنا عبدالله. على الأوضاع والظروف التي يعيشها أولاد أحياء طرابلس الشعبية، أجاب، وتابع: صحيح أن الغلاء في تلك الأيام لم يكن مثله اليوم، لا يحتمل. لكن فرص العمل كانت معدومة. والعامل لم يكن أجره اليومي يتجاوز 20-30 ألف ليرة. والمسيرات كنت أطلقها على النحو التالي: أدبُّ الصوت بين فتيان الحي وشبانه في الساحة قائلًا: يا شباب سوف ننطلق اليوم بمسيرة في الساعة الخامسة بعد الظهر. فيتجمع فتيان الحي وشبانه مع موتوراتهم (دراجاتهم النارية) في الموعد المضروب في الساحة، وننطلق نحو 50-60 موتور، فنجوب أحياء القبة أولًا، فيلتحق بنا من تلك الأحياء شبان وفتيان آخرون على الموتورات. فيتكاثر عددهم أحيانًا إلى ألف أو ألف وخمسمئة شابٍ وفتىً. كل اثنين أو ثلاثة على موتور. وتجوب المسيرات أحياء التبانة والمنكوبين والمئتين والميناء ووسط المدينة.

عراضة العمالة السورية
ولكن ماذا كانت مطالبكم في تلك المسيرات؟ سألنا عبد الله، فروى أن عراضاتهم الأولى قامت قبل 4-5 سنوات، احتجاجًا على المضاربة التي حرمت شبان الأحياء الطرابلسية الشعبية والفقيرة من العمل ورمتهم في البطالة، جراء منافسة اليد العاملة السورية لهم، بسبب تدني أجورها اليومية. ولم يفت عبد الله أن يقول: السوريون إخواننا، وفي قلوبنا وعلى رؤوسنا، وأيدناهم في ثورتهم على نظام بشار الأسد. وعندما تكاثر لجوءهم إلى ديارنا أغثناهم وأمّنّا لهم السكن والمأوى. لكنهم سرعان ما سيطروا على سوق العمل، وحرمونا منه. فالسوري يرضى بأجر شهري يساوي (300 ألف ليرة) نصف أجر اللبناني (600 ألف ليرة). ومن القبة انطلقت المسيرة–العراضة الاحتجاجية الأولى تلك التي دعا إليها الطواشي وتصدّرها على دراجته النارية. وحمل شبان وفتيان الدراجات النارية أعلامًا بيضاء، وجابت عراضتهم أحياء طرابلس وصولًا إلى ساحة النور. وذلك: لنضوّي على وجعنا –قال عبد الله– وصورنا المسيرة بهواتفنا المحمولة. وجاءت الصحافة وشرحنا لهم مطالبنا، وكنا سلميين، ونريد أن نعمل لنعيل أهلنا وعائلاتنا.

ونفى الطواشي أي صلة لتلك العراضة وسواها بدوافع سياسية أو ولاءٍ لأي من متنفذي طرابلس وزعمائها الذين وصفهم بالكذابين. ودليله على ذلك أن الشبان المشاركين في العراضات لم تكن تتوفر لديهم كلفة بنزين دراجاتهم. لذا كان يجمع ما يتوفر لدى بعضهم من مال ضئيل لتعبئة خزانات الدراجات بالبنزين لتنطلق في تلك العراضات.

(يتبع)


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها