آخر تحديث:14:37(بيروت)
الثلاثاء 07/09/2021
share

انهيار البلديات.. صعود جمعيات الإعالة والإغاثة

لوسي بارسخيان | الثلاثاء 07/09/2021
شارك المقال :
انهيار البلديات.. صعود جمعيات الإعالة والإغاثة مبنى بلدية طرابلس بعد احتراقه (علي علوش)
تشكل نار المحروقات وذل التزود بها في المناطق اللبنانية، امتحاناً آخر للبلديات، على مشارف انتخابات بلدية متوقعة في الصيف المقبل. ويفترض أن تطوي صفحة من أصعب ولايات المجالس البلدية، المكبّلة بأزمات شلت حركتها منذ بداية ولايتها، وجعلتها تسير بين خطوطها الحمر، تجنباً للاحتراق بنارها.

بلديات إدارة الفوضى
فالثورة فشلت في أن تجعل "تغيير المنظومة" مقدمة لاستعادة "الحقوق المهدورة"، فدخلت في "هيجان" مطلبي، وضع المجتمعات، على تنوع انتماءاتها، في مواجهة السلطات المحلية المتصلة بقضايا المواطنين ومشاكلهم على نحو يومي.

وصار المطلوب من البلديات "إدارة الفوضى" التي عمّت مختلف القطاعات: الدواء والخبز والمحروقات وغياب الكهرباء، ونقص في تجهيزات المستشفيات. فبرزت نزعة لدى اللبنانيين لتحميل البلديات مسؤولية "حسن إدارة الأزمات أو سوئها"، متناسين لبّ المشكلة على مستوى الطبقة السياسية الحاكمة التي ارتاحت مجدداً على وضعها.

وهذا الواقع أرسى علاقة من الشجارات والخصومات اليومية في البلدات والمناطق، وفي مجالسها البلدية ورؤسائها. وقصد البعض من خلال ذلك تظهير نواحي التقصير الكثيرة في أداء البلديات، وصولاً الى التعويل على "الإخفاقات" للإعداد للحملات الانتخابية المقبلة.

الانتقام السياسي
ومنذ ثورة 17 تشرين انطلقت شرارة المواجهة الأولى مع السلطات المحلية. وشعار "كلن يعني كلن" في مواجهة "المنظومة الحاكمة"، حاول البعض جعله مناسبة للإطاحة بمجالس بلدية واختيارية، فاز معظمها بدعم أحزاب السلطة ورعايتها. واعتبرت المجالس البلدية في بعض المناطق "هدفاً سهلاً" للانتقام السياسي من الأحزاب، وزرع الشرخ بين أعضائها، وصولاً إلى الدفع في اتجاه استقالة بعضهم، وفرط عقد المجالس. لكن مواجهة هذه النزعة في غياب البدائل، جعل بقاؤها أفضل من الفراغ، خصوصاً مع بروز مزيد من التعقيدات التي بشّرت بأزمة طويلة الأمد.

وانشغل الناس بتأمين معيشتهم ودوزنتها على وقع التدهور الدراماتيكي لقيمة مداخيلهم الشرائية. فانقسمت الآراء حول تسليط السهام على البلديات، ليتبدد مطلب إسقاطها مع اقتراب ولاية هذه المجالس من نهايتها.

ولم تكن 17 تشرين وما تبعها سوى مقدمة مهدت لتغيير نوعي في طبيعة المسؤوليات الملقاة على عاتق البلديات. فلم يعد كثيرون يحاسبونها على الحُفر في الطرق، أو على مياه المجارير السارحة عليها، أو مصابيح الإنارة المطفأة، وحتى على جمع النفايات ومعالجتها صحياً. بل وضعوا أداءها في إدارة الأزمات تحت المجهر، وحملوها عبء التخفيف من تداعيات الأزمات. بدءاً من الأزمة الاقتصادية إلى جائحة كورونا، من العجز في إيجاد تضامن اجتماعي بمواجهة الوباء، وصولًا إلى أزمات الخبز والدواء والكهرباء والمحروقات...

أزمات خانقة
وعوّل معظم مجالس البلديات على إنتهاء جائحة كورونا، لاستئناف مخططاتها ووعودها التنموية. لكن تدهور الليرة كان سريعاً على نحو لم تعد ميزانيات البلديات تسمح بتنفيذ ولو مشروع واحد. وباتت هذه الموازنات تهدد مرافقها القائمة، وقدرتها على جمع النفايات ومعالجتها في معظم البلدات، إضافة إلى انعكاس شح الموارد على رواتب موظفيها.

وسط هذه الأزمات استمرت بعض البلديات في محاولة تأمين حد أدنى من الخدمات الإنمائية المتيسرة. لكن حتى أعمال الصيانة المطلوبة واجهها ارتفاع كلفة المواد الأساسية، وما عادت معظم البلديات قادرة على تبديل لمبة واحدة للإنارة العامة. ولم تتمكن من استدراج مقاولين في مناقصات أعلنت عنها. فتوقفت المشاريع وألغى الملتزمون عقودهم، أو طالبوا بتعديل أرقامها، وامتنعوا عن المشاركة في مناقصات استمرت البلديات في الدعوة اليها. وهكذا تكبلت أيدي معظم المجالس في تنفيذ مشاريع إنمائية.

وبعد أزمتي الكهرباء والدواء توسعت دائرة الأزمات لتشمل مخزون المحروقات المتوفرة في معظم المناطق. وظهر جشع المحتكرين، لتجد البلديات نفسها وسط فوضى محطات البنزين التي صارت مطالبة باجتراح الحلول لإدارتها. وكلما تفاقمت أزمتي الكهرباء والبنزين، تفاقم رشق البلديات بالتهم.. رغم ارتباط الأزمتين بشح المحروقات التي لا سلطة للبلديات في تأمينها. ووجدت بلديات نفسها في معمعة صراع يومي مع أصحاب محطات الوقود المطالبين بفتح محطاتهم من جهة، والمواطنين المطالبين بالانتظام في توزيع المحروقات من جهة ثانية. وذلك وسط أزمة كهرباء خففت من ساعات عمل هذه المحطات.

وحاول البعض استدراج البلديات إلى مواقف احتكارية لمخزون المحطات، كي يوزع على أبناء القرى التي تقع في نطاقها. وعند امتناع البلديات عن "السقوط في الفئوية والمناطقية" المطالب بها شعبوياً لخلق "فدراليات" تحصر خدمات المناطق بأبنائها، رُشقت البلديات بالتقصير، ما فاقم نار الحملات الداعية لتغيير المجالس البلدية ومحاسبتها.

مبادرات خيرية
يريد الناس في الأزمات تدخلاً سريعاً من البلديات المحكومة ببيروقراطية تكبلها، وبحال طوارئ تمر بها البلاد. وابتدعت بلديات سبلاً للتدخل من خارج الروتين الإداري، من خلال لجان وجمعيات توفر لها التمويل الخاص، بعضها بواسطة مغتربين وخيرين. ونجت بالحد الأدنى في إسعاف الفئات الأكثر تهميشاً على صعيد التعليم، أو الغذاء والدواء.

والتجارب متعددة في هذا المجال، وهي تؤسس لمرحلة من تأمين "حصانة مدن وقرى" تبدو البلديات وحدها عاجزة عن تأمينها، من دون تدخل الهيئات والجمعيات الأهلية، بما يمكن أن توفره من تحرير الإجراءات من قيود الروتين الإداري والمالي.

لكن هذا الواقع ينطوي على خطورة وضع البلديات ومجالسها على هامش التجاوب الطارئ مع الاحتياجات. وتمعن الأزمات بتهميش المؤسسات لصالح المبادرات الريعية الموضعية، من دون خطة أو رؤية مستقبلية، ولا يمكن "تقريشها" إنجازات منظورة، ما يضع مجالس البلديات مجدداً تحت المساءلة، ويسهل رشقها بتهم التقصير.   

إلغاء الانتخابات؟
ومن هنا يعتبر رؤساء بلديات أن "صمودها" وحفاظها على كيانها في الأزمات، من باب الانجازات في ظل الظروف الصعبة. لكن هل يعني هذا أن رؤساء البديات بحاجة لفرصة التمديد للمجالس البلدية؟ والتمديد ليس مطروحا كفرضية، إنما يتم التداول به في معظم المجالس، وسط أجواء تشيعها أحزاب السلطة جميعها، لتأجيل الانتخابات البلدية.

ووفقا للأوساط التي تشيع هذا الطرح لا مصلحة للأحزاب بأن تخلق شروخاً في قواعدها على مشارف انتخابات نيابية هي بأمس الحاجة لوحدة صفها فيها. وهذا التمديد يعاكس الرغبة التي تبديها بعض المجالس البلدية ورؤسائها لإجراء الانتخابات وتسليم المهمة لآخرين أو إعادة اكتساب الثقة للانطلاق بجرعة دعم جديدة، تحد من الحرب التي تتعرض لها، وتحمل طابعاً سياسياً، قبل الإنمائي في معظم الأحيان.

وتأجيل الانتخابات -على ما  تحذر أوساط– يدفع إلى سقوط المجالس البلدية الممدد لها في رتابة شبيهة بتلك التي سادت قبل اتفاق الطائف. فتتحول الإدارة البلدية إلى مجرد معقبة معاملات إدارية، وسط غياب الرؤية والمشاريع، كحال البلد عموما منذ 30 سنة وما فوق.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها