آخر تحديث:13:21(بيروت)
السبت 03/04/2021
share

مسيحيو حارة حريك وطريق المطار.. قبيل عاصفة الفدائيين

محمد أبي سمرا | السبت 03/04/2021
شارك المقال :
مسيحيو حارة حريك وطريق المطار.. قبيل عاصفة الفدائيين جاءت الحرب وصارت البلاد أرضاً بلقعاً (Getty)
روى هذه الشهادة شخص ولد في حارة حريك سنة 1964. وكانت "المدن" قد نشرت حلقتين من شهادته: الإثنين 22 آذار الماضي، عنوانها الطائفية ومسرحها الهزلي في حارة حريك الستينات، والأحد 28  آذار، بعنوان رعب المسيحيين: حارة حريك والكحالة وحزب الكتائب.

مقهى سبقجية الباروليه
ومن نافذة صالون بيتنا في الطبقة الثانية من البناية في حي الشويفاتي بحارة حريك، كنت أرى محطة آل الشويفاتي للمحروقات. وكان يسعني أن أبصر أيضًا جانبًا من كنيسة الحارة وشجرتها العتيقة، الضخمة والمعمرة في ساحتها. وتلك دكانُ الحي لصاحبها من آل واكد، من سكان الحارة "الأصليين"، المقيمين فيها منذ زمن قديم، وكانت كثرة من رجالها أصحاب دكاكين.

وللمقهى المعروف بمقهى حارة حريك منظره الصاخب من نافذة الصالون إياها. وهو كان مرفقًا بلديًا نافرًا في إيقاع الحياة البلدية التي كانت تتسم بالدعة البسيطة المتقشفة، وبالسكون في محيطنا القريب. فمعظم رواد المقهى كانوا من لاعبي "السبق" و"الباروليه"، الذين يتكاثرون فيه ويغصُّ بهم بعد ظهيرتي السبت والأحد، في أوقات سباقات الخيول بميدانها قرب حرج بيروت. وكان "السبقجية" يخالطون الرواد المعتادين، لاعبي الورق وطاولة الزهر ومدخني النراجيل، مع فناجين الشاي أو القهوة. ونهارا السبت والأحد كان المقهى يتحول مسرحًا لصراخ مراهني السباقات وشجاراتهم. ومن المشاهد المتكررة في المقهى أذكر غارات رجال مخفر الدرك المحلي القريب، على "سبقجية الباروليه" الممنوعة مراهناتهم الجارية خارج ميدان السباق، فيفرون سريعًا ويتوارون في النواحي القريبة. ومرة أبصرتُ الدركيين ينقضّون فيه على رجل كرشه صغيرة، ويرتدي كنزة كوروليه. فبدا لي في شكل حيوان باندا صغير، وهو يحاول عبثًا التفلت من أيدي رجال الدرك، فيما كان أحدهم يجرّه من شعره على الرصيف.

وكان دركي بعاصير (من قرية بعاصير في إقليم الخروب) أحد لاعبي "الباروليه" في المقهى. ومن الشائعات الهزلية عنه في الحي أنه كان يهدد زوجته بالطلاق، ويتوعدها بإقدامه عليه حين "يعلِّق شريطة" جديدة، أي لمّا يحصل على ترقية في سلك قوى الأمن الداخلي. ومن غرائب الصدف أني التقيت، بعد سنوات كثيرة، قريبًا للدركي، فأخبرني أنه طلّق فعلاً زوجته، وأدمن القمار، وهو يقيم في قريته.

وكان أبو عبدو الشويفاتي من لاعبي "السبق" أيضاً. واسم عبدو غالباً ما كان يمنحه أهالي الحارة المسيحيون للبكر من أبنائهم، لأن شفيعهم هو مار عبدا، إضافة إلى مار يوسف. وأبو عبدو كان سائق أوتوكار مدرسة راهبات حارة حريك، ويتصرف على منوال تصوره لقبضايات الأحياء الذين كان يقلِّد سلوكهم في مشاجراته في المقهى. و"قبضنته" هذه كانت تندرج في باب "الهوبرة والبجوءة" الكلامية والاستعراض، وكانت هذه مدار سخرية صحبه منه وتهكمهم عليه.

بيت الكتائب المقفل
وكانت نافذة صالون بيتنا تطل أيضاً على استديو التصوير الفوتوغرافي في الطبقة الأرضية من بيت قديم، تقليدي الطراز المعماري. وقرب الاستديو تظهر الصيدلية، وفوقها بيت حزب الكتائب اللبنانية المقفل الأبواب والنوافذ في معظم الأوقات. وقرب الأرزة الكتائبية المرسومة على اللافتة الكبيرة المثبتة على جدار البيت القديم، أبصر عبارة: "الكتائب اللبنانية في خدمة لبنان". لكنني لا أذكر أني عرفت كتائبيًا في طفولتي وصباي الأول. بلى، ربما كان رجل من آل الشويفاتي - هو شقيق المرأة التي تزوجت سوريًا حلبيًا وفد إلى الحارة وفتح محلًا للخياطة - واحدًا من الكتائبيين النادرين في الحي. فأبناء حارة حريك كانوا يتحزّبون، ويمنحون ولاءهم التقليدي الانتخابي للرئيس كميل شمعون، على ما كنت أسمع في طفولتي وصباي.

ولما بلغتُ سن المراهقة أخذ والدي يوصيني، بألا أنتمي إلى أي جماعة حزبية، أو أهلية أو عائلية، وأن أعيش مستقلًا ومنقطعًا، بلا حبل سرة يربطني حتى بأقاربي القلائل أصلًا، والذين لم تكن صلتنا بهم قوية وحميمة، وخصوصًا بعد وفاة عمتي.

الذاكرة البصرية والنسب
وكان الأوتوكار ينقلني وأختي الكبرى صباحًا إلى مدرستنا في شارع بدارو، ويعيدنا منها إلى الحي قبيل الغروب بقليل، فأمكث في بيتنا منكبًا على فروضي المدرسية. لا، لم ألعب مع الأولاد في الطريق، ولا حتى في الآحاد والعطل. فاللعب في الشارع لأولاد الشوارع في أعراف أمي وأبي. والكنيسة لم أذهب إليها سوى في المناسبات القليلة المتباعدة. وحين كان كاهن الرعية يسأل والدي لماذا لا يأتي إلى الكنيسة، يجيبه والدي: بلى، بلى أجيء يا أبونا، وأحضر قداس الأحد، لكنني غالبًا ما أقف خلف العمود، فلا تراني.

كان أبي وأمي لا يميلان إلى مخالطة الناس، ويحرصان على ألا نكثر من الاختلاط بأولاد الحي. وكثيراً ما أتذكرني جالساً مع والدي في سيارته، ننتظر أختي الكبرى قرب منازل زملائها وزميلاتها في المدرسة، أولئك الذين كانوا يحيون حفلات أعياد ميلادهم/هن في بيوتهم. وفي انتظار انتهاء تلك الحفلات، كان والدي يشتري مجلتي "سوبرمان" و"الوطواط" ونروح نقرأ معًا مقاطع منهما في السيارة.

ولم أعد أذكر في أي وقت من النهارات كان يصدح في حيّنا صوت بائع حلوى منادياً: "تجبنيّة تجبنيّة". أطل من النافذة إياها، فأراه يدفع أمامه عربة عليها كشك زجاجي صغير يضع فيه الحلوى اللذيذة الشبيهة بالكنافة بالجبن. ولا أدري أكان البائع فلسطينياً أم شركسياً. ففي مناداته كان يشدد على لفظ حرف الـ"ج"، فيلفظه "تج"، فيما نتراكض نحن الأولاد لشراء الحلوى التي يبيعها. وقد يكون تشديد لفظ هذا حرف من ميزات اللهجة الشركسية. فالرجل الشركسي الذي كان يأتي في المواسم للعمل في دقّ السجاد وتنظيفه، كان يَلفظ اسمه: تجورج.

انكفاؤنا على حياتنا البيتية، وضعف روابطنا بأقاربنا القليلين أصلاً، وعزلتي عن سيولة الحياة خارج البيت، أدت إلى إدماني القراءة. وبعدما قطعت شوطاً فيها، وقرأت بعضاً من كتابات المؤرخ اللبناني يوسف ابراهيم يزبك الذي أشاركه نسبي العائلي، اتخذت هذا المؤرخ مثالًا لي، ورحت أنسب نفسي إليه، ربما تعويضاً مني عن ضعف نسبي العائلي، وعن عدم توافر مناخ ثقافي يشدني إليه وأتصل به في بيئة حارة حريك المحلية، التي لم تكن القراءة من عادات أهلها واهتماماتهم المرئية أو المنظورة. وقد يكون انقطاعي عن سيولة الحياة في الحي والشارع، وعن مخالطة أمثالي من الأطفال والصبية، من أسباب قوة ذاكرتي البصرية التي اختزنت صور نماذج من الناس في الحي.

ومن هذه النماذج شخص يدعى خضر، وكان يقيم على حدود مخيم برج البراجنة الفلسطيني، قريبًا من بيت عمتي. كان خضر طويلًا وكبير اليدين اللتين تنتهيان بكفين ضخمتين، ويعمل في مشاتل الغاردينيا التي كانت تُزرع شتولها في صفائح الزيت والحليب المجفف المعدنية الفارغة، والمنتشرة صفوفها في فسحات على حدود مخيم برج البراجنة الفلسطيني. قامة خضر الضخمة وملامحه الحادة، كانتا تبديانه شبيهاً بالقوقازيين، وتهيأ لي أنه سُمِّي باسمه هذا لأن عينيه خضراوان.

والشخص الأرثوذكسي المدعو جرجورة، وهي كنيته العائلية على الأرجح، لم يكن عارفوه يعلمون عنه الكثير، ولا يسعون إلى معرفة أصله وفصله، وماذا يعمل وكيف يعيش وأين، ومن أي مكان أتى إلى الحارة وأقام فيها. وكانوا يكتفون بوجوده المنسي بينهم، كأنه الحاضر الغائب الذي لا ينتبهون لحضوره ولا لغيابه. فلا هم يكلمونه، ولا هو يكلمهم، إلا حين يطلق صوته فجأة، سائلًا أحدهم عن اسم ما أو كلمة ما، لحل شبكات الكلمات المتقاطعة في الصحف والمجلات القديمة التي يجمعها ويحملها وينتحي بها جانباً منعزلاً في أي وقت ومكان، منصرفاً إلى إدمانه على حلّ تلك الشبكات فيها. وهذا ما كنت أراه يفعله كلما وصلت إلى بيت عمتي، حيث كان يمارس إدمانه في ناحية من حديقة بيتها. وكان جرجورة الأرثوذكسي - وقد تنطوي شخصيته على ملامح من شخصية مجنون الضيعة - يعتمر قبعة لا تغادر رأسه، فيما كنت أرى شعرًا كثيفًا يخرج من فتحتي أنفه.

ولأبي سعيد الفلسطيني حضوره الدائم في حديقة بيت عمتي وفي البستان الكبير الذي يحوطه. فزوج عمتي كان مزارعًا وبقّاراً، يربي في أرضه بين 18 و20 بقرة يبيع حليبها ولبنها. وكان أبو سعيد يأتي يومياً من مخيم برج البراجنة الفلسطيني القريب، فيعتني ببقرات عمتي ويطعمها. فهو كان على خبرة قديمة في تربية الأبقار. وأذكره حاملاً حزمات الفجل الذي يقتلعه من المساكب في البستان، ومتجهًا إلى الطريق العام، فيضعها على بسطة خشبية ويبعها للعابرين. وما أن كان يفرغ من عمله هذا حتى تبدأ بينه وبين عمتي مناكفات ومشاحنات حول عدد ربطات الفجل التي اقتلعها وباعها في النهار. 

وإذا كنت مع أمي في زيارة عمتي، كانتا تتركاني في بيتها ومع أولاها، وتذهبان إلى صالة السينما في برج البراجنة، حيث كانتا لا تحضران إلا عروض الأفلام الأجنبية من برامجها: "فيلمان دفعة واحدة"، أحدهما أجنبي والثاني عربي مصري. وكان ابن عمتي -الذي بيته فوق بيتنا في حي الشويفاتي- يعمل مشغِّل بكرات الأفلام في كبين صالة تلك السينما.

حزن الغروب الشَّجي
من أقوى المشاهد حضوراً في ذاكرتي لحارة حريك عشية غروب مجتمعها البلدي، هو مشهد الغروب. كم كان ذلك المشهد يبعث في وجداني الحزن والعزاء، أو الحزن المعزي، الشجي والعاطفي، اللذين راح يبعثهما في وجداني صوت فيروز وأغانيها في حقبة تالية من عمري. أتذكر مشهد الضوء أصفر باهتاً على البساتين والحدائق والبيوت، كأنه يغلّفها بوشاح رقيق من الحزن الشفاف الجميل الذي كان يشعرني بحنين غريب تخالطه غربة أليفة. وقد أكون ورثت هذا النوع من الرؤى والحساسية والمشاعر عن تربيتي البيتية، التي ربما نقلت إليّ مأساة والدي الصامتة، بل الخرساء، ورسختها عميقاً في وجداني.

أتذكر المشاهد الصامتة للغروب الأصفر الباهت، فيما أطل من نافذة المطبخ في بيتنا، أثناء تناولي الطعام بعد عودتي من مدرستي، مدرسة سيدة الملائكة في شارع بدارو. كأنما ضوء شمس الخريف أو الربيع، بين العصر والغروب، هو الذي كان يفرش على العالم ذلك الوشاح الرقيق الشاحب، فينسرح بصري، عبر نافذة مطبخنا، على مشهد يمتد فسيحاً حتى حدود مطار بيروت الدولي الذي كان والدي يصطحبني وأختي في نزهات مسائية على البولفار المؤدي إليه، والمزروعة أرصفته بالأشجار الوارفة والبرسيم والزهور، قبل أن تتحول أخيراً أرضاً بلقعاً.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها