آخر تحديث:09:27(بيروت)
السبت 27/03/2021
share

تفاصيل مأساة حدودية: موت سيدتين وطفلين سوريين برداً وتجمّداً

لوسي بارسخيان | السبت 27/03/2021
شارك المقال :
تفاصيل مأساة حدودية: موت سيدتين وطفلين سوريين برداً وتجمّداً الصورة لعائلة سورية في أحد مخيمات اللاجئين في البقاع (Getty)

في مشهد "مصغر" ولكنه متكرر عن "المجزرة" التي تعرض لها ضحايا سوريون قضوا بجرود "الصويري" الجبلية، خلال شهر كانون الثاني من سنة 2018، عثر الجيش اللبناني على سيدتين وطفلين سوريين، توفوا متجمدين على بعد ستين كيلومتراً من الحدود السورية في وادي فعرا بالجرود الجبلية بين عيناتا وعيون أرغش، بينما كانوا يحاولون اجتياز المعابر غير الشرعية في منطقة شرق البقاع باتجاه أراضي الرقة السورية.

حامل بشهرها السادس
الخبر خرج إلى العلن مع تغريدة لمحافظ بعلبك بشير خضر، أعلن فيها "العثور على جثث أربعة مفقودين من التابعية السورية (سيدتين وطفلين) بين عيناتا وعيون أرغش ماتوا بسبب البرد القارس، بعد جهود مضنية للدفاع المدني والجيش وقوى الأمن استمرت لثلاثة أيام متواصلة. وفتح تحقيق بالموضوع لا سيما أنهم كانوا برفقة شخص لبناني، وسط شكوك بأن تكون الحادثة بسبب تهريب البشر بين لبنان وسوريا".

المحافظ خضر أرفق التغريدة التي عاد ونشرها على صفحة فايسبوك، مع صورة لثلاثة أطفال، إثنان منهم قضيا في الحادث، بالإضافة إلى السيارة الرباعية التي يعتقد أنها استخدمت في عملية التهريب".

وفي تفاصيل إضافية حصلت عليها "المدن"، أن إحدى السيدتين كانت حاملاً أيضاً في شهرها السادس، وأن طفلاً آخر كان برفقتهم يعتقد أنه الأصغر سناً، خلفته والدته مع المهرب إثر مواجهتهم صعوبة في إكمال الطريق.



الطفل الثالث
ووفقاً للمعلومات، فإن المهرب الذي رافق السيدتين والأطفال كان يقلهم بسيارة رباعية الدفع، ولكنه وصل إلى نقطة صار صعباً معها إكمال الطريق نتيجة للرياح القوية والثلوج التي تسببت أيضاً بسوء الرؤية. فاستعان بشخص آخر، يعتقد أنه شقيقه، اتفق معه على ملاقاة الأشخاص المهربين في أقرب نقطة يمكنه الوصول إليها، فلازم المهرب السيارة مع الطفل بمحاولة للخروج من المصيدة التي علق فيها، فيما خرج الباقون بحثاً عن السيارة التي كانت ستلاقيهم، ولكنهم ضلّوا طريقهم في جرود يصعب فيها تحديد الاتجاهات ما لم يكن قاصدها عالماً بتفاصيلها.

الحادثة وفقاً للمعلومات وقعت قبل ثلاثة أيام، وقد علمت بها الأجهزة الأمنية من خلال اتصال تلقته، يعتقد أنه من أحد المهربين، فاستعانت بكل التجهيزات لتأمين الوصول إلى الموقع بظل استمرار العاصفة، كما تدخل شبان من أبناء المنطقة يعلمون بتفاصيل الجرد، وساعدوا عناصر الجيش والقوى الأمنية بالإضافة إلى الدفاع المدني والصليب الأحمر على الوصول إلى الموقع الذي عثر فيه على الضحايا الأربعة.

وحسب المعلومات أيضاً فإن الطفل الناجي سلم للأجهزة الأمنية، التي أعادته لوالده، وأن أحد الأشخاص المتورطين بالحادثة موقوف، من دون أن تعلن هويته. هذا في وقت لا يزال الغموض يلف تفاصيل الحادثة، والأسباب التي تقف وراء المخاطرة بطفلين وسيدتين، لا صلة بينهما كما تبين، عبر جرود، هي من أكثر المعابر غير الشرعية خطورة، وهناك صعوبة كبيرة باجتيازها حتى في فصل الصيف. الأمر الذي يرجح فرضية أن يكون المهربون يحاولون تجنب المواجهة مع قوى أمر الواقع القابضة على المعابر غير الشرعية السهلة في منطقة شرق البقاع، إلى جانب تفاديها الوقوع في قبضة القوى العسكرية المسيطرة على بعض المواقع.

السيارة التي استعملها المهرّب

مجتمعات التهريب
الحادثة تعيد إلى الذاكرة "المجزرة" التي تعرضت لها سنة 2018 أكثر من نصف قافلة عائلات سورية مهربة، كانت تضم نحو 30 شخصاً، معظمهم من النساء والأطفال، حاولوا اجتياز طرقات منطقة الصويري الوعرة باتجاه لبنان، في ظروف مناخية مشابهة لتلك التي واجهها ضحايا جرود عيناتا، ولكنهم أضاعوا المسار مع الراعي اللبناني الذي قضى أيضاً في الحادثة.  

وتضيء الحادثة أيضاً على تداعيات الإجراءات الحدودية المتخذة بحق اللاجئين السوريين منذ سنة 2016، والتي تمنع دخولهم إلى لبنان مجدداً متى غادروها، وتنزع عنهم صفة اللاجئ. الأمر الذي فاقم من عمليات دخول وخروج السوريين عبر الطرقات الوعرة، وخصوصاً إثر تشدد السلطات السورية التي اشترطت خضوع رعاياها المتوجهين إلى بلادهم لفحوصات الـpcr، وباتت تفرض صرف مئة دولار بالعملة الوطنية على حدودها الشرعية.

إلا أن السبب الأساسي لنشاط حركة تهريب الأشخاص عبر المعابر غير الشرعية، والذي يشجع المهربين على البحث عن معابر جديدة كلما أغلقت القوى العسكرية معبراً قديماً، يبقى في غياب الروادع الأخلاقية، والأهم القانونية التي تحول دون تطور هذه الظاهرة واستفحالها منذ سنوات.

فرغم كل الإدانات التي توجه لمثل هذه الأفعال في المناطق الحدودية التي تنشط فيها حركة تهريب الأشخاص، فإن لا أحد في هذه القرى يبدي استعداداً للوشاية بالمهربين، بل تتواطأ مجتمعاتهم في تجهيل أسمائهم كما عناوينهم، مع أن الكل يعرف أنهم شبكوا العلاقات مع المجتمعات السورية تحديداً لتأمين سهولة التواصل معهم عند الحاجة لعقد صفقات التهريب.

العجز القانوني
هذا في وقت تسقط من القوانين اللبنانية المواد التي تجيز تعقب مهرّبي الأشخاص، على رغم تطرقها إلى عقوبات مخالفي شروط إقامة "الأجانب" في لبنان، واستحداثها القوانين لمنع "الاتجار بالأشخاص".

فيما تؤكد القراءات القانونية أن تهريب الاشخاص تنطبق عليه نصوص قانون تنظيم الدخول إلى لبنان والإقامة فيه الصادر في سنة 1962 والمعدل في سنة 2000 ، والذي يعتبر دخول "الأجنبي" عبر المعابر غير الشرعية ومن دون الوثائق والسمات القانونية "جنحة"، يعاقب مرتكبها بغرامة مالية وبالحبس لمدة تتراوح بين شهر وثلاث سنوات أو بإحدى هاتين العقوبتين. وعليه يصبح فعل المهرّب خاضع لأحكام المادة 219 من قانون العقوبات، والتي تجرم كل متدخل بجناية أو جنحة.

ولكن تطبيق هذه المادة في ظل الظروف القائمة يبقى مرتبطاً بالحق العام فقط، خصوصا أن المتضررين من أفعال المهربين، هم في الغالب شركاء في جنحة التهريب المرتكبة، وبالتالي، يعجزون في معظم الأحيان عن المطالبة بحق ضحاياهم، أو حتى الإفصاح عن هوية الأشخاص الذين عقدوا معهم صفقات كتبت نهايات أحبائهم.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها