آخر تحديث:14:47(بيروت)
الإثنين 22/03/2021
share

الطائفيّة البلدية مسرحاً هزلياً في حارة حريك الستينات

محمد أبي سمرا | الإثنين 22/03/2021
شارك المقال :
الطائفيّة البلدية مسرحاً هزلياً في حارة حريك الستينات كانت الطائفية منزوعة العنف المادي وإن داخلتها ألوان من التمييز العنصري والعنف الرمزي (Getty)
في أيام لبنان السود هذه، هل تفيد استعادة الصور المسرحية الهزلية التي كان اللبنانيون يصرِّفون بها حساسياتهم الطائفية في حياتهم وعلاقاتهم وتبادلاتهم اليومية البلدية في الستينات؟

نعم، في عشيات حروبنا الأهلية (1975)، كان اللبنانيون يتوسلون صناعة صور ومسرح ولغة هزلية، للتعبير عن وجه بارز من اختلافاتهم وتمايزاتهم الطائفية والمناطقية والإثنية وتصريفها. ورب قائل اليوم -بعد الذي جرى ويجري، وبعد نزع البراءة عن اللغة والتعبير والصور- إن الطائفية التي كانت منزوعة العنف المادي، لم تكن تخلو من ألوان من التمييز العنصري والعنف الرمزي آنذاك، فيما كان اللبنانيون يصرِّفونها تصريفاً هزلياً ساخراً وموارباً في حياتهم اليومية. وسرعان ما انفجر مسرحها الهزلي ذاك، وتحولت حرباً أهلية في منتصف السبعينات.

لكن مهما يكن من أمر، فلنروِ هنا مقتطفات من سيرة وصور تلك الطائفية البلدية في حارة حريك الستينات والنصف الأول من السبعينات.

أصل الراوي وفصله
روى أنطوان يزبك، المولود سنة 1965 في حارة حريك، هذه المقتطفات من سيرته العائلية، الأسرية والشخصية، في العام 2004، فاستهلها بخبر رحيل جد والده -الماروني- أواسط القرن التاسع عشر عن قرية أهله رمحالا في نواحي عاليه، ونزوله وإقامته وتوطّنه في حارة حريك، بعدما عمل مزارعًا مياومًا في أراضي مُلَّاكِها الزراعيين، وتملّك أرضًا وتزوج وأنجب فيها. ومنها هاجر أحد أبنائه (أي جد الرواي أنطوان لأبيه) إلى البرازيل، ربما في عشيات الحرب العالمية الأولى، وعاد من مهجره إلى دياره وأهله بعد نهاية تلك الحرب. وبما حصّله ذاك المهاجر العائد، اشترى أرضًا في موطنه وضيعته الريفية الساحلية، فتزوج وأنجب ابنين وابنتين، أصغرهم وُلد سنة 1926، وهو والد أنطوان الذي روى لابنه، أن والده كان رئيس محفل ماسوني في البرازيل، وتوفي مطلع ثلاثينات القرن العشرين ودُفن في حارة حريك. فنشأ ابنه (والد الراوي) طفلًا يتيم الأب، ثم الأم بعد وفاة والدته قبل تجاوزه منتصف العقد الثاني من عمره. فأُرغم على ترك مدرسة الفرير، ليعمل موظفاً، بعد إنهائه المرحلة المتوسطة من تعليمه.

يُتْمٌ وأسرة نواتيّة
عمل والد أنطوان يزبك أمين مخازن "باري (س)- لندن" الكبرى في وسط بيروت. وروى لابنه أنه أبصر من مشاهد "ثورة 1958" انفجار شاحنة لشركة بيبسي كولا واحتراقها في شارع بشارة الخوري، أثناء مروره فيه بسيارته آتيًا من حارة حريك ومتوجهًا إلى عمله في وسط بيروت. وسمع آنذاك أن "ثوار 1958 المسلمين" هم من فجّروها. وفي نيسان 1965، انتقل إلى العمل محاسبًا في شركة داتسون (ريمكو) لبيع السيارات في الشياح، لوكلائها من آل رسامني الدروز.

ووالدة الراوي أنطوان يزبك مسيحية مارونية من بلدة بزبدين في المتن الأعلى. ووالدتها من أسرة بورجوازية ريفية صغيرة متعلمة، ومحبة للعلم والثقافة والشعر والأدب. وهي حازت شهادة البروفيه الفرنسية، وكانت امرأة مثقفة في معايير النصف الأول من القرن العشرين. وابنتها، والدة الراوي، عملت معلمة في مدرسة القلب الأقدس في بكفيا، قبل زواجها وإقامتها مع زوجها في حارة حريك.

والمصادفة وحدها كانت سبيل والديْ الراوي إلى التعارف والحب، فالزواج. فأبناء عمته كانوا تلامذة في القسم الداخلي من مدرسة القلب الأقدس في بكفيا. ولأن خالهم كان يملك سيارة خاصة في ذلك الوقت من نهايات الخمسينات، تكفّل أن يوصل أسبوعيًا إلى أبناء شقيقته ما يحتاجونه في مدرستهم الداخلية. لذا تعرّف إلى معلمتهم في تلك المدرسة، المدموزيل تريز، فنشأت بينهما إلفة، وتحابّا وعقدا قرانهما سنة 1960 في كنيسة مار يوسف في حارة حريك، غير بعيد من البلدية ومن الشقة السكنية التي استأجراها وأقاما فيها وعاشا حياة أسرة نواتية، رضية هادئة. وحين أنجبا ابنتهما البكر سمياها مي، على اسم ابنة رب عمل والدها، وكيل شركة داتسون، الشيخ حسيب رسامني. وفي العام 1965 أنجبا ابنهما الثاني أنطوان، وتوقفا عن الإنجاب.

ونشأ الراوي وشقيقته الكبرى في تلك الشقة في بناية حديثة مؤلفة من طبقات أربع. وكان والدهما وأختيه أُرغموا على بيع أملاكهم العقارية الموروثة عن والدهم في حارة حريك، لإيفاء ديون رزح تحتها أخوهم الذي كان يعمل صانع وجبات أسنان، وبذّر أمواله وبدّدها على أهوائه وميله إلى حياة التبذل والتفلت وإغواء النساء.

وقد يكون يُتْم والد الراوي في فتوته، وانصرافه المبكر إلى العمل موظفاً، وخسارته أملاك والده بسبب تبذير أخيه، من العوامل التي أثرت في طبعه وشخصيته. ففوق اتِّباعه وزوجته نمطَ حياةِ صغار الموظفين الزوجية والأسرية النواتية المستقرة، المنظمة والرتيبة، أثناء تحولها إلى "كيتش" في الستينات اللبنانية -وظيفة مكتبية، راتب شهري ثابت، سيارة أسرية خاصة، وشقة سكنية بالإيجار في بناية حديثة في أحياء المدينة وضواحيها- فوق هذا، مال والد الراوي إلى الانطواء على حياة هادئة ورضيّة، منكفئة ومبتعدة أو مستقلة عن الروابط العائلية الموسعة، وعن علاقات الجوار البلدية في حارة حريك. فحافظ على مسافة واضحة في صلته بالناس وفي حياته الاجتماعية. وكان كتوم الطبع، منظماً ومنصرفاً إلى حياته الأسرية وعمله، وإلى مطالعة الجرائد والمجلات والكتب. وهذه حال زوجته المعلمة، أم الراوي، الشغوفة بالقراءة، كوالدتها التي كان فيلكس فارس أديبها المفضل.

ومن الصحف اليومية التي كانت حاضرة في منزل الأسرة، ويدمن والد الراوي قراءتها في المنزل: "لسان الحال" و"رقيب الأحوال". وكان يصطحب ابنه وابنته إلى مكتبات لشراء مجلات مصورة أدمنا قراءتها في طفولتهما وصباهما. والتلفزيون -بالأسود والأبيض، وهو من أدوات الكيتش الأسري والبيتي، قبل شيوع أجهزة التلفزيون الجديدة بالألوان الطبيعية سيكام- كان حاضرًا في بيت الأسرة، ويقتصر البث التلفزيوني في لبنان على المحطتين المحليتين: لبنان والمشرق (القناة 11) في الحازمية، وتلفزيون لبنان (القناة 7 والقناة 9 الفرنكوفونية) في تلة الخياط. وكان بعض جيران الأسرة يزورونها مساءً في وقت بث البرنامجين التلفزيونين الأسبوعيين الشعبيين على القناة 7: "أبو ملحم" وفرقته، و"أبو سليم الطبل". فيحضرون هذين البرنامجين المحليين في صالون بيت الأسرة الهادئ. وفيما كان مدار تمثيليات "أبو ملحم" (يسعد مساكم) حكايات قروية أخلاقية وعظية، كانت تمثيليات "أبو سليم الطبل" هزلية ساخرة. وكان البرنامجان ذائعي الصيت في الستينات ومطالع السبعينات، ويقبل على مشاهدتهما الشبان وكبار السن إقبالًا كثيفًا. لكن الراوي وشقيقته كانت تأخذهما في طفولتهما نوبة من البكاء في غرفتهما، لحرمانهما من حضور المسلسلين الأجنبيين الشهيرين ران تانتان وبونانزا اللذين كانت تبثهما (القناة 11)، في وقت بث برنامجي "أبو ملحم" و"أبو سليم" من (القناة 7).

طائفية بلدية
مِنْ ما بقي في ذاكرة الراوي من مشاهد حارة حريك وصورها -وهي تخلط بين ما تلقفته حواسه ومداركه الشخصية من حياته فيها، وما سمعه من ذكريات والده العائلته- تتراءى صور من نمط حياة ريفية ساحلية، وعمران بلدي تتخللُه الجنائنُ والبساتين. وكان قدامى أهل حارة حريك يسمونها الضيعة، فيما كان عمرانها يتحول لتصير ضاحية لبيروت في ساحل المتن الجنوبي. وكانت بعض أحيائها تُعرف بأسماء عائلاتها، مثل أحياء الأبيض وماضي ومعوض والشويفاتي.

وفي هذا الأخير كانت تسكن أسرة الراوي في شقة بالطبقة الثانية من بناية من طبقات أربع. وحين يستعيد الراوي من ذكريات طفولته وصباه أماكن ومشاهد، لحظات وحوادث ومواقف وأدوار من حياة جيرانهم في الحي، وأسماء أشخاص ووجوههم وأفعالهم وصورهم، سرعان ما يغلب على الرواية وحوادثها والتعريف بأشخاصها، التمييز بين السكان الوافدين والآخرين "الأصليين" في الدرجة الأولى. وفي الدرجة الثانية يحضر خليط من أعمال الأشخاص أو الشخصيات، مهنهم وهوياتهم الطائفية، والمناطق والقرى التي وفدوا منها للسكن الإقامة في حارة حريك. والتعريف بالأشخاص على هذا النحو، ليس صنيع ذاكرة الراوي الطفل والفتى ووعيه الشخصيين، بل هو تَلَقفَه من كلام الناس السائر والشائع في أحياء بيروت وضواحيها في الربع الثالث من القرن العشرين. وهو بدأ بتعريف من يتذكرهم من الجيران ورسم صورهم على النحو التالي:

في الشقة التي تعلو شقتنا في البناية كان يسكن ابن عمتي وزوجته. وفي شقة الروف سكن دركي من بعاصير وزوجته من برجا في إقليم الخروب. ومن ساكني حينا أتذكر رجلاً مسيحياً من آل الحلبي، وفد قديماً من حلب وانقطع عنها، فتزوج امرأة من آل الشويفاتي، وفتح محلاً لحرفة الخياطة التي كان يتقنها. ومن أشخاص الحي أو شخصياته رجل سني بيروتي، اسمه جودت، الغريب والنادر في سمع الطفل والفتى اللذين كنتهما، ويماثله في الغرابة والندرة عمل صاحبه: مشغِّل بكرات أفلام في كابين إحدى صالات العروض السينمائية في وسط بيروت. وزوجته كوكب لم يكن اسمها هذا وهيأتها يخلوان من غرابة مماثلة. فهي كانت تشبه "أرتيست" متقاعدة، وتُكثر من التبرّج وصبغ شعرها.

ويتهيأ لسامع هذا التعريف بكوكب - وهو صنيع مخيلة بعض أهل الحي من السكان "الأصليين" المسيحيين في غالبيتهم الساحقة - أنه مستل أو مستلهم من نظرتهم إلى عمل زوجها. وربما من فيلم سينمائي مصري مصور في لبنان بالألوان الطبيعية، في بدايات شيوع هذا النوع وعرضه في الستينات. وصورة الزوجين قد تكون غرابتها وهجنتها وليدتي هويتهما السنّيّة البيروتية (الغريبة؟) التي ندر سكن أهلها في ضواحي بيروت الجنوبية في الستينات. فهناك قول عامي قديم مأثور يقول إن البيروتي السني، يروح يحلف بغربته ما أن كان يتجاوز حرج صنوبر بيروت. وكأنما صورة الزوجين وغرابتها في تصور جيرانهم انطوت على تساؤلهم: لماذا خرجا من بيئتهما الأهلية البيروتية، وانقطعا عنها للإقامة في حارة حريك؟! والانقطاع هذا يعززه عدم إنجابهما وانقطاع ذريتهما، وعدم انغراسهما في البيئة البلدية المحلية، التي راح كثيرون من أهاليها يبيعون أرضهم فيها منذ مطلع ستينات القرن العشرين، لتشييد البنايات عليها.

والنوادر التي سمع الراوي أهل الحارة يتراوونها عن فورة العمران في حارة حريك، وعن نشوء مخيم برج البراجنة للاجئين الفلسطينيين على تخومها الجنوبية، وحسرات أهلها حيال ذلك، تنضوي في سياق تعريف الناس بمواطنهم وهوياتهم الطائفية. واحدة من تلك النوادر تقول إن رجلًا فلسطينيًا أُعجِب بطبيعة حارة حريك الريفية الهادئة، فاشترى فيها منزلًا معتبرًا أنه منزل ريفي. لكن بعد غيابه سنوات عن الحارة وعودته اليها، وجد منزله محاطاً بالبنايات من الجهات كلها.

ويستمر الراوي في التعريف الطائفي والمنطقي بسكان حي الشويفاتي: رجل بسطاوي متزوج من امرأة من عائلة علامة المحلية الشيعية. وكان الرجل يدعى محمد، ويعمل محاسباً في مجلة الحوادث الأسبوعية. وقد تعوّد على أن يجلب لنا عدداً منها في كل أسبوع. وشاعت للزوجين في الحي صورة تبرز المناكفات الطائفية التي قيل إنها تشوب علاقتهما الزوجية. وبين شيعة الحارة كنت أسمع قولاً يتردد على ألسنهم كأنه قول مأثور: "لو سني سني لقلعته". والقول هذا يؤكد أن العنعنات والمناكفات الطائفية بين السكان في ذلك الوقت، كان لا يزال يغلب عليها الطابع الفولكلوري والهزلي، كأنها أقرب إلى أدوار ممسرحة ساخرة.

وتنسحب السخرية على التعريف بالطارئين العابرين والوافدين وهوياتهم، وعلى صناعة صورهم في المجتمع المحلي، في حال كانوا من مراتب اجتماعية وأصحاب مهن متواضعة. وكانت تلك السخرية تحطُّ من قدْر هؤلاء وشأنهم، فتلصق تواضع مهنهم -والأصح القول وضاعتها في أعراف صُنّاع تلك الصور- بهويات أصحابها. وإذا كان بائعو الخضر والفاكهة على عربات يدفعونها أمامهم، من حوران في معظمهم، فإن الأهالي المحليون يحطّون، ليس من شأن هذه المهنة وصاحبها وحده، بل من أهل حوران جميعًا واحتقارهم. وكان يكفي أن يقال: "حوارنة، حوارنة، وفهمك كفاية"، للكناية عن ذلك الاحتقار. وأحد من بائعي الخضر هؤلاء كان يدعى حمصوص. ولا يدري الراوي هل كان الأهالي المحليون قد اشتقوا من عندهم هذه التسمية لقبًا وضيعًا له، أم حوّروا اسمه الفعلي على هذا النحو للسخرية منه.

أما الذين كانوا يحملون مخابيط لدقّ السجاد وتنظيفه، ويفدون إلى حارة حريك في مواسم فرش السجاد ولمّه في البيوت، فكانوا من الشركس. ومنهم جورج الذي ألصق الأهالي باسمه نسبه القومي أو الإثني: الشركسي، بدل كنيته العائلية التي ظلت مجهولة، ولم يكترثوا بمعرفتها. وهذا ما صار مذهب معظم اللبنانيين على نطاق "وطني" تقريبًا، أيام وفرتهم المادية منذ تسعينات ما بعد حروبهم الأهلية. فأخذوا يطلقون على "خادماتهم" المنزليات تسميات: السرلنكية أو الأثيويبة أو الفليبينية.

وكان لمن يسمون عرب سيناء حضور في حارة حريك. ومن هؤلاء عائلة كانت تحمل كنية الراوي العائلية (يزبك). لكن لهجتها بدوية، يصعب على أهالي الحارة فهمها. وغالباً ما كان ساعي البريد يأتي إلى بيت أهل الراوي برسائل تحمل كنيتهم العائلته، فيكتشفون أنها لتلك العائلة المسيحية من عرب سيناء. وفي ذاكرته صورة لشاب إيراني اسمه شاهبور، ويجهل متى وفد إلى الحارة وأقام فيها، فتزوج فتاة مسيحية من عائلاتها المحلية. لكن هذا لم يمنع الأهالي المحليين من السخرية منه ومن غرابة اسمه الإيراني في أسماعهم وعلى ألسنتهم. وتسهيلًا للفظ الإسم - وربما سخرية من الشخص والإسم - راحوا يدعونه شحتار.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها