آخر تحديث:15:56(بيروت)
الخميس 18/02/2021
share

التلقيح في لبنان: كيف يمكن تفادي كارثة جديدة؟

جويل م. أبي راشد | الخميس 18/02/2021
شارك المقال :
التلقيح في لبنان: كيف يمكن تفادي كارثة جديدة؟ على اللبنانيين توقع المزيد من الحوافز لقطع الطابور بطرق غير أخلاقية (المدن)
فيما تحتفل الدولة اللبنانية بدفعتها الأولى من جرعات اللقاح، من المهم تسليط الضوء على بعض الجوانب المثيرة للقلق في سياستها في هذا المجال.

أعداد ومحسوبيات
نظراً لكمياتها غير الكافية لتغطية غالبية السكان، علينا النظر الى هذه الجرعات بصفتها نادرة، وتبقى كذلك حتى نهاية هذا العام. فهي تشمل 1.5 مليون جرعة من لقاح فايزر عبر البنك الدولي، وحوالى 3 ملايين جرعة استرازنيكا - أكسفورد من خلال منصة Covax. ويبلغ إجمالي الجرعات التي تغطيها الخطة حتى الآن 4.5 مليون جرعة. وهذه كمية لا تُغطي سوى 2،250،000 شخص، أي حوالى 40 في المئة فقط من السكان المستهدفين، في بلد يتفشى فيه الفساد والمحسوبية. لهذا، على اللبنانيين توقع المزيد من الحوافز لقطع الطابور بطرق غير أخلاقية، ومن خلال الفساد على مستوى المستشفى المكلف.

وفي اليوم الثالث من بدء التطعيم، كانت هناك تقارير عن دعوة الأشخاص الذين تزيد أعمارهم عن 75 عامًا، للتطعيم من خارج الجدول المعتمد، بحجة أن بعضهم لم يحضر إلى الموعد الطبي. كما رأينا كيف حاول بعض السياسيين الضغط على البنك الدولي لتأمين جرعات لعائلاتهم وحاشيتهم، حتى قبل وصول الدفعة الأولى من الجرعات. وهناك تَقارِير عن أشخاص لهم صلات ونفوذ يحاولون تأمين هذه اللقاحات وقطع قائمة الانتظار، أو الذين تمكنوا من الحصول على التطعيم حتى عندما لا ينتمون إلى المجموعات ذات الأولوية التي حددتها الحكومة.

أولويات خاطئة                                                    
ونشرت الحكومة قائمة بالفئات ذات الأولوية. تتعلق المرحلة الأولى من التطعيم بالعاملين في القطاع الصحي (وهم ينقسمون إلى 3 فئات مع الأولوية لمن هم على اتصال مباشر مع مرضى كورونا)، أولئك الذين تزيد أعمارهم عن 75 عامًا، وعن 65 عامًا. ويليهم أولئك الذين تزيد أعمارهم عن 55 عامًا ويُعانون من مرض مزمن. ومع ذلك، يبدو أن بعض الأطباء الذين لا يتعاطون بشكل مباشر في رعاية مرضى كورونا، وكذلك بعض الموظفين غير الطبيين في المستشفيات الكبيرة النافذة، كانوا يتلقون اللقاح قبل جميع مَن هم على اتصال مباشر مع مرضى الوباء (بعبارة أخرى، أولئك المسؤولون عن رعايتهم الطبية) في كل أنحاء البلاد، وكذلك المسنين الذين تتجاوز أعمارهم 75 عامًا.

ونظرًا لارتفاع معدل الوفيات بين المرضى الذين يعانون من أمراض مزمنة (مشاكل في القلب، ارتفاع ضغط الدم، السِّمْنَة، وبالأخص المصابين بالسرطان والسكري) الذين أصيبوا بكورونا في لبنان، كان ينبغي إعطاء هؤلاء أولوية أعلى من جميع الموظفين (خاصة الشباب) الذين ليسوا على اتصال مباشر مع مرضى كوفيد. ويتعرض الأشخاص الذين يعانون من أمراض مزمنة أكثر للفيروس، وهم أكثر عُرضة للإصابة بحالة خطيرة (severe form) من مرض كورونا والموت. في المقابل، الشباب عموماً أقل عُرضة للوفاة بكورونا، علاوة على ذلك، تُهدر هذه الجرعات الثمينة على فئة من الشباب الذين لا نعرف شيئًا عن حالة أمصالهم (serology). بحيث لم يُختبروا قبل تزويدهم باللقاح. هل طوروا أجسامًا مضادة (antibodies) أم لا؟ هل تعرضوا للفيروس أم لا؟ ووفقًا الهيئة الصحية العليا  في فرنسا، فإن الأشخاص الذين طوروا مناعة، إما عن طريق الإصابة بالفيروس أو بالحمل من دون أعراض (asymptomatic carrier)، يحتاجون فقط إلى جرعة واحدة من اللقاح.

لذا، يجب أن نُعيد النظر في تحديد الأولويات، نظرًا لندرة الجرعات. ويحتاج لبنان إلى حوالى 11 مليون جرعة للوصول إلى 80 في المئة من "مناعة القطيع" (وهو أمر ضروري لوقف انتقال الفيروس على المستوى الوطني). ومع ذلك، وكما أعلنت منظمة الصحة العالمية مؤخرًا، سيُطعم 35 في المئة فقط من سكان لبنان هذا العام. ويوجد 55 ألف عامل في القطاع الصحي في لبنان (أي 0.1  في المئة من الفئة المستهدفة)، ولكن لا يتعامل جميعهم بشكل مباشر مع مرضى كورونا (وهو رقم لم تقدمه وزارة الصحة العامة بعد). في المقابل، هناك 600 ألف شخص تبلغ أعمارهم 65 عامًا وما فوق (أي 11 في المئة من الفئة المستهدفة).

إذا كان الهدف الأبرز هو تقليل الوفيات والعبء على المستشفيات، فيجب أن تكون الأولوية لتطعيم العاملين في القطاع الصحي الذين هم على اتصال مباشر مع المرضى، وكذلك الأفراد الأكثر عُرضة للإصابة بفيروس كورونا والموت (أولئك الذين تزيد أعمارهم عن 65 عامًا والذين يعانون من أمراض مزمنة)، وليس الشبان والشابات وموظفي الأمن والإداريين بالمستشفى، الذين ليسوا على اتصال مباشر بمرضى كورونا (بعبارة أخرى على اتصال وثيق مع العناية بجسم المريض وسوائله)، أو أي شخص يصادف وجوده بالقرب من مركز التطعيم.

بين إسرائيل ولبنان
وتشير الدراسة الأولى الصادرة من إسرائيل (الدولة الأولى التي طبقت لقاح فايزر) إلى انخفاض ملحوظ في الحالات الجديدة المتوسطة (moderate) والخطيرة (severe) في المرضى الذين تزيد أعمارهم عن 60 عامًا. وخلصت الدراسة إلى أن تطعيم الأفراد الأكثر عرضة للإصابة والموت من فيروس الكورونا، بما في ذلك كبار السن ومن يُعاني من أمراض مزمنة، قد يُساعد في تقليل الحالات الخطيرة والوفيات.

ولكن وتيرة التطعيم وطريقته في لبنان (حتى الآن)، قد يحصل من تزيد أعمارهم عن 65 عامًا ويُعانون من أمراض مزمنة، على اللقاح في وقت متأخر. وثانياً، قد يحصلون على لقاح استرازينكا، وهو لقاح لا توجد بيانات كافية للحكم على مدى فاعليته للأشخاص الذين تزيد أعمارهم عن 65 عامًا، وفقاً لوكالة مكافحة الأمراض الألمانية. إذا لم يحصل الأشخاص الأكثر عُرضة للخطر على اللقاح في الوقت المحدد، فلن ينخفض ​​معدل الوفيات مع هذه الخطة بطريقة سريعة، وسنشهد المزيد من الأرواح المفقودة التي كان من الممكن إنقاذها.

توزيع غير متناسب  
ومن الضروري حث الحكومة على نشر قائمة المراكز التي ستوفر التطعيمات بعدد الجرعات بشكل أسبوعي لمزيد من الشفافية. ويظهر في وثيقة مسربة متداولة، توزيعًا مقلقاً للجرعات حسب سعة المستشفى، بدلاً من احتياجات السكان. ما يتضح أيضًا في هذا المستند هو أن بعض المناطق قد أُعطيت جرعات أكثر بشكل غير متناسب مع عدد سكانها. في الشكل نُسبت إلى النبطية جرعات أكثر بمرتين من احتياجات سكانها، والبقاع يزيد بمقدار الثلث عن احتياجاته. أما الشمال فهو المنطقة الأشد حرماناً وفقاً لاحتياجاتها.

في الظاهر، يبدو أن هناك فرقًا كبيرًا بين الشمال والجنوب. علاوة على ذلك، قد يثير هذا النوع من المعلومات المزيد من نظريات المؤامرة وانعدام الثقة في حملة التطعيم. بالتالي، هناك حاجة للمزيد من الشفافية من لجنة التطعيم الوطنية لتجنب مثل هذا التوزيع غير المتناسب. وأيضاً هناك حاجة للضغط المحلي لاستخدام عدد الجرعات بشكل فعال وعادل.

عدم أهلية المراكز
يضاف الى ذلك، أن بعض المستشفيات المدرجة في خطة التطعيم الوطنية لوزارة الصحة العامة (معظمها من المستشفيات العامة التي تعاني من الإهمال) لا تملك القدرة على تنفيذ مثل هذه الحملات. ومن المتوقع أن يقوم البعض بتلقيح 200-300 شخصاً يوميًا من دون معدات مناسبة أو موظفين مدربين. ثم إن برمجة جدول التطعيم تحصل فقط في أيام العمل، عندما في الواقع تكتسي كل ساعة أهمية فائقة (في الأسابيع القليلة الماضية توفي 2-4 أشخاص في الساعة). وهذا ما يدفعنا إلى التساؤل عن المعايير التي تم اختيارها لهذه المراكز. من قام بمراجعتها؟ وما هي الحوافز؟ أخيراً، وفيما هناك 6000 صيدلي مستعدون للمساعدة في حملة التطعيم هذه، لا يبدو أن أحدًا مهتمًا بإشراكهم.
مرة أخرى، وبما أن حملة التطعيم ممولة من البنك الدولي، فإننا نطالب بمزيد من الشفافية في كل مرحلة من مراحل العملية.

مأساة المشاعات
هذا كله يوضح الحاجة إلى عملية جديرة بالثقة والشفافية ومتسقة لتنفيذ الخطة الوطنية للتطعيم لتجنب سيناريو "مأساة المشاعات". وهذا مفهوم اقتصادي يعرف بالانجليزي بـtragedy of the commons، ويلخّص أزمات لبنان الاقتصادية والسياسية، حين يتحكم أصحاب النفوذ أو "الواسطة" بالموارد، بما يؤدي إلى انهيار على رؤوس الجميع (تماماً كما حصل على المستويات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية). وهنا، يكسر اندفاع أصحاب النفوذ للحصول على اللقاحات أولاً، انضباط النظام، وقد يدفع البنك الدولي إلى وقف إرسال الجرعات حتى إصلاح النظام المعمول به. وبما أن بعض الناس سيحاول استخدام نفوذه للحصول على مثل هذه الموارد النادرة، ستضيع الجرعات على أفراد لا يُمثلون أولوية في هذه المرحلة، ما قد يؤدي إلى كارثة تؤثر على الجميع، بما في ذلك المنتفعون. على المسؤولين في الجسم الصحي، إعادة تقويم المسار للحؤول دون أن تنسحب ممارسات هذه الطبقة السياسية الفاشلة، على حملة اللقاحات أيضاً، لتُراكم الفشل والمآسي التي لم يلملم اللبنانيون جراحهم منها بعد. ما الذي يمكن أن يوقف مأساة المشاعات؟ الشفافية التي تبني الثقة.

(*) جويل م. أبي راشد، دكتوراه في الطب والتاريخ، باحثة في معهد الدراسات السياسية بباريس (Sciences Po).


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها

جويل م. أبي راشد

جويل م. أبي راشد

باحثة في معهد الدراسات السياسية بباريس