آخر تحديث:11:22(بيروت)
الجمعة 31/12/2021
share

عام الهروب بحراً من لبنان: العيش هنا صار جحيماً

جنى الدهيبي | الجمعة 31/12/2021
شارك المقال :
عام الهروب بحراً من لبنان: العيش هنا صار جحيماً الهروب بحرًا، والتعرض للرعب والموت، صار هدف شرائح واسعة من اللبنانيين (المدن)

يروي اللبناني محمد مصول (35 عامًا) قصة مأساته في هروبٍ غير نظامي لم يكتمل، مع مجموعة من أقرانه الذين فقدوا أمل العيش في لبنان، وفضلوا مجازفة الهجرة على متن "قوارب الموت".  

إلى اليونان وتركيا
هذا الرجل، وهو أب لأربعة أطفال من مدينة الميناء، خسر عمله في مرفأ طرابلس قبل سنوات، وبقي عاطلًا عن العمل رغم كل محاولات البحث عن فرص تؤمن قوت عائلته، فأدت الأزمة الاقتصادية إلى انفصاله عن زوجته أيضًا، "بسبب تراكم الضغوط والحرمان"، وفق روايته.  

قبل نحو شهرين، قرر محمد مع مجموعة من رفاقه في الميناء وآخرين في طرابلس، وعدد قليل من العائلات السورية، أن يهربوا إلى ايطاليا بحرًا، وذلك بعد أن نجحت محاولة عشرات العائلات شمالًا بالهروب إلى هناك، وفق حديثه لـ"المدن".  

لم يلجأ محمد والمجموعة التي كان ضمنها إلى مهرّبٍ لتأمين رحلتهم. بل قاموا بتأمين القارب ومسلتزماته كاملةً، واستدانوا وباعوا معظم ممتلكاتهم لتوفير كلفة رحلة محفوفة بالمخاطر. وقال: "نحن أبناء الميناء لدينا خبرة طويلة في البحر لذا لم نخشَ من الموت".  

وتمكن مركبهم، وهو عبارة عن يخت من طابقين كان على متنه نحو 83 فردًا، أن يغادر سواحل الميناء نهاية تشرين الأول. لكنهم تعثروا أمام ساحل اليونان بسبب عاصفة هبّت هناك، ومنعهم خفر السواحل اليوناني من دخول أراضيهم، وأجبرهم عنوةً على التوجه إلى تركيا، فاحتجزتهم السلطات التركية هناك قرابة 30 يومًا، في مركزٍ لإيواء اللاجئين قرب مدينة إزمير، وضجت قصتهم شمالًا حينها، بعد أن نفذ ذويهم اعتصامات تطالب بتسليمهم للسلطات اللبنانية.  

يصف محمد تلك التجربة المريرة وكان برفقة طفله الصغير البالغ 6 سنوات بـ"الذل" الذي لم يختبروه يومًا في حياتهم، ويتحدث عن تعرضهم للتنكيل وسرقة كامل ما في حوزتهم أمام السواحل اليونانية، وفق شهادته، وكذلك عن تعرضهم للتنكيل لدى احتجازهم في تركيا.  

وأضاف: "كلفتني الرحلة نحو 8 آلاف دولار نقدي، بين كلفة الرحلة وما سرق مني، وهو مبلغ قمت باستدانته من عدة أطراف، وأعجز راهنًا عن تسديده، فعدتُ إلى لبنان تحت الصفر".  
ومع ذلك، ما زالت فكرة الهروب غير النظامي تراوده، "لأن العيش في لبنان صار جحيمًا والموت بحرًا لا يقل خطرًا عن البقاء في بلد متروك للانهيار نعجز فيه عن شراء طعام أبنائنا".  

سنة الارتماء بالبحر 
وواقع الحال، فإن هذه القصة عينة عن عشرات محاولات الهروب بحرًا، شهدها لبنان في 2021. وتصدر شمال لبنان قائمة أكثر السواحل اللبنانية التي شهدت محاولات هروب، سواء بواسطة مهربين أو من خلال قيام مجموعة من الأفراد بتأمين قارب للهروب .  

ومع اشتداد الأزمة التي دمرت اللبنانيين اقتصاديًا واجتماعيًا ومعيشيًا منذ عامين، تفاقمت ظاهرة الهروب غير النظامي على متن "قوارب الموت". ورغم المأساة الكبيرة التي أودت بحياة العشرات في 2020 بعد غرق قارب انطلق من الميناء، بقي خيار اختبار هذه التجربة الأليمة قائمًا لدى مئات أرباب الأسر.  

أرقام الجيش
وتواصلت "المدن" مع مديرية التوجيه في الجيش اللبناني. وأفادت المديرية، أن الجيش تمكن في 2021 من إلقاء القبض على 21 قارباً، ضم 707 أفراد حاولوا الهروب. وهي نسبة ارتفعت مقارنة مع العام 2020، حين ألقى الجيش القبض على 4 قوارب، وضم مجموع 126 فردًا بحسب المديرية.  

لكن في المقابل هناك عشرات القوارب ومئات الأشخاص الذين تمكنوا من الهروب في هذين العامين إلى أوروبا.  

وهكذا، صار اللبنانيون كآلاف اللاجئين السوريين الذين امتهنوا الهروب بحرًا إلى السواحل القبرصية والتركية واليونانية والأوروبية بعد اندلاع الحرب في سوريا. وقد أحيوا ذاكرة قوارب الهجرة في العام 2015.  

والمفارقة الخطيرة في لبنان، أن المهربين الذين راكموا أرباحًا بمئات آلاف الدولارات، أصبحوا أكثر حرصًا على سرية عملهم، بينما لا يوفرون الحد الأدنى لسلامة الهاربين وأمانهم في عرض البحر. وهذا الأمر، دفع كثيرين لخيار توفير القوارب والهروب من دون وسطاء، لكنها بقيت رحلات غير آمنة.  

ما يعني أن الهروب بحرًا، والتعرض للرعب والموت، صار هدف شرائح واسعة من اللبنانيين، وربما تنجلي مخاطر هذه الظاهرة الصاعدة في السنة المقبلة.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها