آخر تحديث:13:51(بيروت)
الثلاثاء 23/11/2021
share

تجارات الفقر بالضاحية: محال تجميل ومونة.. ودكاكين ثياب وبلاستيك

فرح منصور | الثلاثاء 23/11/2021
شارك المقال :
تجارات الفقر بالضاحية: محال تجميل ومونة.. ودكاكين ثياب وبلاستيك تضغط امرأة بأصابعها على ورقة الخمسة آلاف ليرة وتعدل عن شراء وعاء بلاستيكي لمطبخها (المدن)
أدّت عقود طويلة من الفساد والسرقات وسوء الإدارة في لبنان، إلى انهيار اقتصادي غير مسبوق. وتجنباً للفقر والجوع، لجأ لبنانيون كثيرون إلى التعايش مع الصعوبات المعيشية، محاولين التغلّب عليها بمزاولة مهن خارج دائرة أعمالهم واهتماماتهم السابقة. فعمدوا إلى إدخال مهن جديدة ومزجها بمهنهم الحاليّة، لإيجاد مصدر جديد لرزقهم. وانتشرت هذه الظاهرة في مناطق شعبية عديدة في بيروت وضواحيها، وخصوصاً في ضاحيتها الجنوبية، الكثيفة السكان والمتدنّية معيشيّاً.

صالون لتصفيف الشعر والمونة
السيدة منى -المعروفة بأم عماد، وصاحبة محل لتصفيف الشعر النسائي وللتزيين في الضاحية الجنوبية، وهي أم لطفلين وفي العقد الرابع من عمرها- لم تسنح لها فرصة للحصول على شهادة جامعية، بسبب أوضاع أهلها الماديّة. لكنها اكتسبت خبرة تصفيف الشعر من جارتها منذ الصغر، فعمدت الى تطويرها في دورات متخصّصة. وعملت على قص الشعر وصبغه وتزيينه في بيتها طوال 4 أعوام، قبل إقدامها على استئجار محل صغير في حي شعبيّ. فشجعتها نساء المنطقة بسبب انخفاض أسعارها عن باقي الصالونات، في ظل الارتفاع الكبير لأسعار الأدوات التجميليّة.

ما أن تتجاوز عتبة باب صالونها، حتى تفوح منه رائحة الأوكسيجين والصبغات، وتسمع أحاديث الصالونات، فتعلم أخبار الحيّ في جلسة واحدة: هناء ستحضّر اليوم بطاطا حرّة لتوفير بعض المال. أحلام مازالت تعاني من مشاكل مع عائلة زوجها، على الرغم من تحضيرها الاحتفال بعيد زواجها السابع. أمّا سمر فتشكو من معاناتها في البحث عن بيت للإيجار، بسبب مطالبة صاحب الشقة ببيته.. أحاديث كثيرة وثرثرة، تصب كلها في مجرى واحد: المعاناة المعيشية والشح المادي.

لكن نظرة سريعة في أرجاء الصالون الصغير، الخفيف الإضاءة لتقليص الأصفار في قيمة فاتورة اشتراك المولد الكهربائي، كفيلة بشرح كفاح منى في هذه الظروف المعيشيّة. على رفوف زجاجيّة عتيقة تصطف معدات التجميل. وعلى رفوف أخرى مقابلة بعض أصناف المونة المنزليّة، لبيعها الى زبونات الصالون، دفعاً للحاجة وتحصيلاً لأرباح قليلة في مواجهة الغلاء.

تتوزع أكياس الزعتر والبرغل والسماق البلدي والزهورات الطبيعيّة، إلى جانب زجاجات زيت الزيتون والصلصة الحمراء ودبس الرّمان وغيرها من المنتجات التي يحتاجها كل بيت. أكياس متواضعة وطرق عرض بسيطة، بعيدة من وسائل الترويج الجديدة. والأسعار تنافس السوق، وبنسبة ربح بسيطة تناسب الفئات التي تقصد محلها.

تتحدث منى لـ"المدن"عن مصاريف أسرتها الشهريّة الباهظة، ومساعدتها زوجها الذي يعمل سائق نقليّات ويتقاضى مليوني ليرة. فإيجار محلها مليون ومئتا ألف ليرة. واشتراك الكهرباء وصلت فاتورته الشهر الماضي إلى مليونين ونصف المليون. واحتاجت إلى مليون و800 ألف لشراء أدوية رُفع الدعم عنها، بعدما أصيبت بالتهابات رئوية، ناجمة عن المواد التي تستعملها يومياً في الصالون.

وتمثّل منى مثال المرأة المكافحة التي تعمل ليل نهار لتعليم أطفالها. يبدأ نهارها في السادسة صباحاً، فتجهز أطفالها للذهاب إلى مدرستهم. وفي العاشرة تفتح محلها، لتبدأ بتلقي مواعيد زبوناتها، وتنهي عملها في الصالون في السابعة مساءً. ثمّ تبدأ بطهي الطعام وتحضره لليوم التالي، وتنجز أيضاً بعض الأعمال المنزليّة. وهي باتت تمثّل شريحة كبيرة من أهالي المنطقة الذين يعملون في مهن متنوعة، لتحصيل لقمة عيشهم.



تجارة ثياب وسمانة وتعليم
محمد، طفل في الرابعة عشر من عمره. وهو يتناوب وإخوته على مساعدة والديه في محلهما لبيع الملابس التركيّة. لم يتوقف عن الذهاب إلى المدرسة. فهو يؤمن بأن العلم سلاح. لكن الظروف المعيشيّة أجبرته على متابعة تعليمه والعمل مع والده في الوقت نفسه. يذهب صباحاً إلى المدرسة لتلقي منهج الصف الثامن أساسي. وفي الثالثة بعد الظهر يتوجّه إلى محلّ والديه حاملاً كتبه، ليبدأ في المحل بتحضير واجباته المدرسيّة لليوم التالي. أما ساعات التعليم عن بعد فيتابعها على شاشة هاتفه الذكي في المحل.

وهو يشرح لـ"المدن" سبل شحن الملابس التركية الصنع إلى لبنان، بسبب إقبال الزبائن عليها أكثر من البضاعة الوطنية. ولكن مع ارتفاع الأسعار وانهيار الليرة اللبنانيّة وجائحة كورونا، حملت أهله على الإتجار ببعض الملابس الأوكرانية والصينيّة والتركيّة.

ينقسم المحل إلى قسمين. يضم الأول عرض الملبوسات، ومكاناً صغيراً لقياسها من الزبائن، خلف رداء أحمر، وعلى الرفوف تتوزع ثياب رياضية وألبسة نوم نسائية ورجاليّة. أما القسم الثاني فمختلف تماماً عن الأول. فهو يضم أواني بلاستيكية ومواد تنظيف وأخرى غذائية متنوعة المصدر. منها ما هو وطني، ومنها ما هو صيني أو تركي. أما على باب المحل فتنتشر البضائع البلاستيكية التي ما زالت في علبها الكرتونية.

وتتفاوت أسعار الألبسة بالدولار حسب مصادرها المتنوعة، لتجنب الخسائر بسبب فرق سعر الصرف اليومي. فالبضاعة الوطنية والأجنبية تسعر بالليرة اللبنانيّة، وتناسب السوق وترضي شريحة كبيرة من الزبائن.

تشتت وفوضى
ظاهرة البضائع من أصناف وأنواع متباينة، والمجلوبة من كل حدب وصوب، والمعروضة فوضوياً في محل واحد، تظهر تشتت أصحاب هذه المحال في مواجهة الظروف المعيشية القاسية. تفاوت الأسعار بين الدولار والليرة، يبين مدى قلق أصحاب تجارة المفرق، واضطرابهم وخوفهم من تكبد خسائر كبيرة بسبب تلاعب سعر الدولار اليومي.

يرافق محمد والده لاختيارالملابس والبضائع البلاستيكية، ويسافر معه إلى تركيا، لأن والده يريد أن يعلمه المصلحة في صغره، ليجعله رجلاً في مواجهة التحديات الداهمة. والمتجر المتنوع السلع هو مصدر رزق العائلة الوحيد، في سعيها لتأمين عيش كريم يحتاج إلى جهود مضاعفة. فالمحل يفتح أبوابه من الثامنة صباحاً حتى الثامنة مساءً، لتأمين إيجاره: 700 ألف ليرة، أضافة إلى 500 ألف فاتورة اشتراك المولد.

أما طلبات الزبائن فيجتاحها تقلب غير مألوف. تارةً ترى زبوناً يبحث عن قطعة ثياب على مقاسه من الثياب التركية، لكنه يعدل عن شرائها بسبب سعرها المرتفع نسبة إلى دخله المتدني. طوراً ترى امرأة مسنّة تبحث عن وعاء بلاستيكي تحتاجه لمطبخها، ومستحضرات لتنظيف بيتها، لكنها تنظر جانباً، فترى طفلتها الصغيرة تختار بعض ألواح الشوكولا، ضاغطة عليها بأطراف أصابعها. وبدورها أمها تضغط بأصابعها على ورقة الخمسة آلاف ليرة لبنانيّة، وتعدل عن شراء الوعاء ومستحضرات التنظيف العالية الأسعار.
إنها تجارات الفقراء.. ما قبل الإفلاس.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها