آخر تحديث:11:32(بيروت)
السبت 02/10/2021
share

انتهى أيلول: حزن المغتربين وشعورهم بالذنب لمغادرتهم بلاد البؤس

قاسم مرواني | السبت 02/10/2021
شارك المقال :
انتهى أيلول: حزن المغتربين وشعورهم بالذنب لمغادرتهم بلاد البؤس لبنان في مخيلات أبنائه خلال شهر مغادرة المغتربين، سفينة مثقوبة تغرق شيئاً فشيئاً (مصطفى جمال الدين
"للمرة الأولى يشجعني أهلي على السفر. وللمرة الأولى كل شيء يقول لي أن عليّ البقاء". هذا ما قالته سمر في سهرتنا الأخيرة، قبل رحيلها برفقة زوجها إلى إحدى ديار الاغتراب. لمى أيضاً غادرت في اليوم نفسه، لكن إلى مغترب آخر. وهي التي لطالما شجعها أهلها على البقاء، ألحوا أخيراً عليها  لترحل بحثاً عن مستقبل أفضل في الخارج.

شعور بالذنب وملل
في فصل الصيف هذا الذي انتهى، وأمضاه كثرة من المغتربين في بلداتهم وقراهم الجنوبية، عاشوا معاناة أهلهم: انقطاع الكهرباء، البحث الدائم عن غالونات بنزين، غلاء الأسعار، والبؤس والرداءة اللذان أصابا كل شيء. ولربما شعر بعضهم أن من واجبهم البقاء لتقاسم المعاناة مع من يحبون، أو البقاء إلى جانبهم. وفي هذا شيء من إماتة أو تضحية، ينطويان على شعور بالذنب. فترك الأهل في بلاد البؤس، والرحيل إلى بلاد أفضل حيث كل شيء متوفر وسهل، يترك نوعاً من غصة وحسرة في نفوس الراحلين. أما الأهل الباقون هنا فعلى العكس من أبنائهم، لا يريدون لهم تذوق الحياة المريرة في لبنان.

وأنا من عايشت كثرة من أصدقائي المغتربين هذا الصيف، شعرت أنه كان صيفاً مملاً لهم إلى حد كبير. فهم الطامحون إلى عطلة صيفية من الاستجمام والرخاء والترفيه، غالباً ما كان التوتر والتعثر والكآبة ديكورًا لصيفهم. وهذا لا يشبه فحسب أن ينام المرء في أيام الحر الشديد بلا مكيف، وأن يقضي صيفه كاملاً في عجز عن الخروج من بيروت بسبب انقطاع المحروقات، بل يشبه أيضاً شعوراً داخلياً دائماً بالضيق والحصار والاختناق.

متعة الحزن الكئيب
فالبعض من المغتربين الزائرين أمضوا صيفهم كاملاً في شارع بدارو، منتقلين طوال النهار من مقهى إلى آخر. وفي المساء كأس في إحدى الحانات المنتشرة في الشارع. وفي هذا شيء من الحصار والسجن أو الإقامة الجبرية. وقد يبدأ الملل منذ الصباح مع فنجان القهوة الأول. ملل يتحول إلى ما يشبه بطالة ترفيهية. حتى الكلام يروح يدور على نفسه في مثل هذه الحال.  

وفجأة قال أحدهم في أحد المقاهي: بيروت لم تعد قادرة على تقديم المتعة لسكانها المقيمين، فكيف يمكنها أن تقدمها للمغتربين الزائرين؟ لا نشاطات نهارية، لا مسارح، لا سينما، لا حفلات موسيقية. حياة يومية تقتصر على الأكل والشرب وبعض الأحاديث المتكررة المملة عن أحوال البلد الكئيبة. والنتيجة ملل بملل... وعلى الرغم من هذا كله فضل البعض البقاء! وقد يكون في هذا الموقف شيء من الغموض، ومن متعة الحزن الكئيب (ميلانكوليك).

ومع بداية شهر أيلول بات إيجاد مقاعد فارغة في المقاهي أمراً سهلاً. بدأ شارع بدارو يفرغ من مرتاديه الصيفيين شيئاً فشيئاً. حتى المتسولين باتوا قليلين. من بقي منهم يستجدي بيأس القليل من النقود، ثم ييأس سريعاً ويغادر.

وتتقدم مني فتاة سمراء صغيرة. تمد يدها بخجل وتوسل وتقول: "ساعدني". لكنها سريعاً تابعت سيرها واختفت. وهذا ما أدهشني وأحزنني. كأنها بيأس ميكانيكي قالت كلمتها. لقد اختفت الحماسة والإصرار اللذان كان يبديهما المتسولون/ات طوال الصيف الفائت. حتى المتسولين أصيبوا بشيء من السوداوية بعد مغادرة المغتربين.. لكن هل يستمتعون بهذا الحزن ويشعرون بأنه كئيب؟

العتمة.. محض عتمة
بعد وداع الرفاق القدامى العائدين إلى اغترابهم الموقت-الدائم في الوقت نفسه، قدت سيارتي جنوباً. كان المساء في بدايته. الطريق إلى الجنوب معتمة خالية، وضوء سيارتي الوحيد الذي يخترق العتمة تقريباً. إلى جانبي الطريق حقول صامتة. قد يعكر مزاجها الصامت عزف تشيللو ينبعث من سيارتي لأغنية إسبانية عنوانها "الوحدة".

تنتابني أفكار طفولية: كيف يمكن للمرء أن يمنع شخصاً من السفر والهجرة؟ أفكار مثل ثقب في دولاب الطائرة أو كرمي مفتاح إنكليزي في محركها. أبتسم. أنظر في المرآة. في الخلف باتت ترافقني سيارة بمصباح واحد، كحال العديد من سيارات اليوم التي أصابها العطب الذي أصابنا.

تتلوى الطريق نزولاً نحو وادٍ سحيق. تصبح العتمة أشد وطأة. على حاجز للجيش يقترب مني جندي خمسيني ويسألني بارتباك عن رخصة الزجاج الداكن. أجيبه: "الزجاج ليس داكناً، إنها العتمة فقط، محض عتمة".

سفينة القدر
يخلو الجنوب من أهله المغتربين الذين ضخوا بعضاً من دفقات الحياة في صيفه الراحل. واليوم يبدأ الجنوبيون بتحسس مرحلة جديدة من أزمتهم. مرحلة يرافقها شعور كآبة حزينة يمازجها شيء من عزاء غامض، قد يكون مصدره أن أبناءهم المغتربين نجوا من ما هم فيه من أسىً وضيق.

وخفّض تجار السوق السوداء أسعار غالونات البنزين. كانوا قد اعتادوا بيعها من المغتربين بالدولار الأميركي الكاش. اليوم يبحثون عن أول مشتر يرضى شراءها بسعر مقبول بالليرة. وبعد رفع الدعم باتت الغالونات مكدسة عند أصحابها لا تجد من يشتريها.

ولبنان في أذهان أو مخيلات أبنائه خلال شهر مغادرة المغتربين، سفينة مثقوبة تغرق شيئاً فشيئاً. من يبقى عليها لا يستطيع إلا أن يرى مصيره المحتوم ويشعر بعجزه التام عن تغيير قدره. ومن يغادرها يتملكه شعور الذنب لتركه رفاقه القدامى، أهله وأحبته، يغرقون، ويتساءل عن سبب اختيار القدر له ليكون من الناجين.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها