آخر تحديث:16:05(بيروت)
الإثنين 18/10/2021
share

كارثة لبنان تسحق اللاجئين: الأمم المتحدة تفاوض النظام لإعادتهم

لوسي بارسخيان | الإثنين 18/10/2021
شارك المقال :
كارثة لبنان تسحق اللاجئين: الأمم المتحدة تفاوض النظام لإعادتهم اللاجئون يقولون: نغادر.. لكن ليس إلى سوريا (غراندي في أحد مخيمات اللاجئين. تصوير: لوسي بارسخيان)
قبيل توجه المفوض السامي للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، فيليبو غراندي، إلى سوريا، بعد زيارته الرسمية إلى لبنان، اختتمها بجولة في أحد مخيمات اللاجئين في زحلة، رأى أن "استضافة مئات ألوف من اللاجئين السوريين والفلسطينيين باتت تشكل عبئًا ثقيلًا ومسؤولية جسيمة على لبنان، في المنعطف الحرج الذي يمر به". وكشف عن محادثات استكملها في لبنان ويتابعها في سوريا لإعادة اللاجئين السوريين إلى بلادهم، شرط أن تكون طوعية، ومع ضمانات مطلوبة من جميع الأطراف، سواء في سوريا أو في لبنان، أو من الجهات المانحة.

فقر غذائي بلا طبابة ولا مدارس
كلام غراندي هذا، وإن لم يكن الأول الذي يدعو إلى عودة طوعية للسوريين إلى بلادهم، جاء معبراً هذه المرة عن حجم الأزمة التي لم تعد تسمح ببقاء اللاجئين في لبنان. وهو قال أن معظم الفتيان والفتيات من عمر 14 سنة، ما عادوا يذهبون إلى المدارس. وهناك أمهات تضطررن في حال مرض أفراد من أسرهن، إلى اختيار من حالته أسوأ لمعالجته.

ولا شك أن المفوضية تلمست الصعوبات الكبيرة التي باتت تحيق بحياة اللاجئين السوريين في لبنان، بعدما أظهر تقييم أخير صادر بنهاية أيلول عن مفوضية اللاجئين وبرنامج الأغذية العالمي ومنظمة الأمم المتحدة للطفولة، ارتفاعاً في تكلفة المواد الغذائية في لبنان بنسبة 404 في المائة. وهذا يفوق قدرة اللاجئين على تحمله. فتوجه البعض إلى استراتيجيات مواجهة سلبية للبقاء على قيد الحياة: مثل التسول أو اقتراض المال أو التوقف عن إرسال أطفالهم إلى المدارس، أو تقليص النفقات الصحية أو عدم تسديد الإيجار.

وتؤثر هذه الاستراتيجيات -وفقاً للتقييم- سلباً على القدرة على التأقلم والحصول على دخل في المستقبل، مما يجعل أسر اللاجئين عرضة لانعدام الأمن الغذائي، وأكثر اعتماداً على المساعدات الإنسانية.

تقليص المساعدات
وكشف كلام غراندي عن توجهات جدية لتأمين كافة "الضمانات" الإنسانية والأمنية والاجتماعية لضمان عودة آمنة إلى سوريا، عبر إيجاد سبل دعم. وقال إنه يمكن للمجتمع المانح أن يوفرها عبر مواصلة مساعدة اللاجئين في بلادهم. 

ويأتي هذا في وقت يتحدث لاجئون سوريون في لبنان عن توجه إلى تقليص قيمة المساعدات الغذائية التي تتلقاها الأسر، ابتداءً من شهر تشرين الثاني، من 400 ألف ليرة إلى 300 ألف، وتحديد سقفها بمساعدة ستة أولاد من أفراد الأسرة الواحدة، أياً كان عدد أفراد هذه الأسرة، وفقاً لرسائل نصية تلقاها اللاجئون على هواتفهم. 

وفيما تحدث بعض اللاجئين عن حرمانهم من برنامج المساعدات النقدية التي تقدمها "المفوضية"، أوضحت مصادرها أن استبعاد بعض العائلات من برنامج المساعدة في العام المقبل، يقابله إضافة بعض العائلات الأخرى التي لم تكن تتلقى المساعدة سابقاً.

وأوضحت أن "الموارد المالية المتوفرة لدى المفوضية وبرنامج الأغذية العالمي تسمح بمساعدة عدد محدود من العائلات فقط. ومن خلال التمويل المتاح حالياً للمساعدات الإنسانية، تستطيع المفوضية تقديم المساعدات النقدية الشهرية إلى 57 في المئة من أسر اللاجئين (حتى أيلول 2021 – 171,100 أسرة سورية لاجئة).

وخلال شهر أيلول من العام 2021، وبناءً على ما تمّ التوافق عليه مع الشركاء الحكوميين، تمكنت المفوضية وبرنامج الأغذية العالمي والمنظمات الشريكة من زيادة قيمة المساعدات النقدية المتعددة الأغراض والمساعدات الغذائية على التوالي من 400 ألف ل.ل. إلى 800 ألف ل.ل. للأسرة الواحدة في الشهر، ومن 100 ألف ل.ل. إلى 300 ألف ل.ل. للفرد الواحد في الشهر للمساعدات الغذائية.

وهذه المساعدات جاءت نتيجة استعراض تجريه مفوضية اللاجئين وبرنامج الأغذية العالمي سنويا لتقييم جوانب الضعف لدى أسر اللاجئين، مع استخدام معايير تتوافق مع الواقع الاجتماعي والاقتصادي السائد في البلاد.

ووفقا لمفوضية اللاجئين أيضاً، فإن الزيادة التي طال انتظارها لكل من المفوضية وبرنامج الأغذية العالمي لا تزال دون الحدّ لأدنى من الانفاق اللازم للبقاء على قيد الحياة.

وضعان كلاهما مرير
فهل يكون هذا الفقر الذي يرتقب اللبنانيون والسوريون استفحاله سبباً كافياً لعودة اللاجئين إلى بلادهم؟

أجرى غراندي جولة أفق في لبنان سمحت له بتحديد نوعين من المخاوف، التي قال إنه يجب العمل على تذليلها لتأمين العودة الطوعية. "فمن جهة هناك الواقع الأمني في سوريا وقلق السوريين المستمر على سلامتهم، إلى مشكلات قانونية مرتبطة ببيوت من هجروا، وممتلكاتهم". وهذا ما كشف غراندي عن أن العمل لتذليله يجري مع الحكومة السورية. "ومن جهة هناك مخاوف تتعلق بعدم وجود مدارس ومستشفيات وبيوت بعد تهديمها، فيما المساعدة التي يمكن أن نقدمها في سوريا محدودة جداً، لأن مساعداتنا إنسانية حصراً".

هاتان الصعوبتان تهددان السوريين في إقامتهم بلبنان أيضاً. وتشرح لاجئات ما تشعرن به من تهديد بخسارة منازل عائلاتهن، بسبب عدم قدرة الكثيرين على تسديد قيمة إيجار "الشوادر" التي لجأوا إليها، بعدما رفع أصحاب الأراضي التي نشأت عليها أسعارها بما يتناسب مع مؤشر غلاء مستلزمات الحياة. وهذا ما أكدته "المفوضية" في التقييم الأخير حول واقع اللاجئين. فأشارت إلى أن  "اللاجئين يعانون للعثور على مأوى لائق وآمن. فحوالى 60 في المئة من عائلاتهم يعيشون في مساكن معرضة للخطر، أو دون المعايير المطلوبة أو مكتظة. وتظهر الدراسة زيادة في متوسط بدلات الإيجار لجميع أنواع المساكن وفي جميع المحافظات، فضلاً عن زيادة في احتمال الإخلاء"

ولفت لاجئون إلى أن البعض وجد له عملا صيفياً في الأراضي الزراعية، ويستطيع سداد أجرة السكن لفصل الشتاء. لكن آخرين تحدثوا عن تراجع فرص العمل التي كانت متاحة للاجئين، وخصوصا في البناء والبنى التحتية، نتيجة شلل الحركة العمرانية في لبنان.

لذا يصبح مفهوماً ما ورد في التقييم الشهري لواقع اللاجئين في لبنان عن حالة البؤس التي بات يعيشها السوريون. فـ9 من أصل كل 10 لاجئين سوريين لا يزالون يعيشون اليوم في فقر مدقع. ويدفع الأطفال بكثرة إلى سوق العمل: 27,825 طفلاً، وفق التقييم الأخير.

الترويع والخدمة الإجبارية
ومع ذلك يتردد جزء من اللاجئين في الإجابة على سؤال عما إذا كانوا مستعدين للعودة الطوعية إلى سوريا في حال ذللت العقبات التي تحول دون ذلك.

المشكلة بالنسبة لهم ليست إنسانية - خدماتية فقط. وهم مقتنعون بأن ظروف الحياة في سوريا لن تكون أفضل من الظروف الصعبة التي يعيشونها حالياً في لبنان، إلا إذا تأمنت لهم هناك مساعدات إنسانية ومالية مباشرة.

لكن العقبة الأبرز لكثيرين لا تزال في خوفهم من النظام السوري، وأذرعه التي يخشون أن تنتقم منهم بسبب معارضتهم له. ولا يزال قلقهم كبيراً من الخدمة العسكرية الإجبارية للشبان، بعدما بات معظم هؤلاء من المتزوجين، ولديهم عائلات عليهم إعالتها.

الحل إذا يجب أن يكون عبر مسارين متوازيين لتأمين عودة لاجئي لبنان إلى بلادهم كما يشرحون: الأول إنساني خدماتي، والثاني سياسي يقدم لهم الضمانات بعدم التعرض لسلامتهم، أو حجز حريتهم بأي شكل من الأشكال. لكن كيف يمكن لفظ كلمة حرية في سوريا النظام؟! وهم يرون أن الأولوية هي للضمانات السياسية لسلامتهم. وإلا، يطالبون بأن يغادروا لبنان -إذا كان لا بد من مغادرته بسبب ظروفه الصعبة- إلى أي بلد ثان غير سوريا.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها