آخر تحديث:11:56(بيروت)
الأحد 10/10/2021
share

سيرة تجّار السوق السوداء الصغار: "لا يهمني الحلال والحرام"

فرح منصور | الأحد 10/10/2021
شارك المقال :
سيرة تجّار السوق السوداء الصغار: "لا يهمني الحلال والحرام" حياة تحكمها السوق السوداء (مصطفى جمال الدين)

"السوق الخفية"، "السوق الرمادية"، "سوق الظل"، "غير رسمية"، "غير شرعية".. تعددت التسميات والمعنى واحد: إنها السوق السوداء التي تجتاح لبنان، وتنهش بأهله منذ بداية الأزمة الاقتصادية اللبنانية. بدأت هذه الظاهرة بالتمدد والتوسع مع ارتفاع سعر صرف الدولار الأميركي مقابل  الليرة اللبنانية، التي انهارت تدريجياً. وتعود أسباب هذه الظاهرة إلى المهربين والمحتكرين المحميين من أصحاب النفوذ، ما أدى إلى فقدان العديد من المنتجات الأساسية من السوق اللبنانية واضطرار المواطن لشرائها من السوق السوداء بأثمان باهظة ومضاعفة.

"ما بقى اهتم بالحلال و الحرام .. بدي عيش!"
بهذه العبارة استهل حديثه محمد. ج، وقد تحفّظ عن ذكر عائلته لأسباب خاصة ومن بينها البيئة التي ينتمي إليها، والتي تهاجمه يومياً لتجارته غير المرغوبة. وهو شاب في أواخر العقد الثاني من عمره، لم يستطع إكمال تعليمه الجامعي بسبب وضعه الاقتصادي المتردي، ينتمي لعائلة فقيرة تقطن في "حي السلم"، أحد الأحياء الشعبية في الضاحية الجنوبية لبيروت، وهي منطقة معروفة بالفقر والعوز لغياب خدمات الدولة عنها.

دخل محمد سوق العمل وهو في السابعة عشر من عمره، وبدأت مسيرته العملية في محل لبيع الألبسة العسكرية، ومن ثم انتقل لمحل لبيع الأجهزة الذكيّة، ولكنه اعتبرهذا العمل معقّداً ويحتاج لخبرة، وهو لا يمت للتكنولوجيا بصلة! خلال هاتين المرحلتين لم يصل مدخوله الشهري لأكثر من 600 ألف ليرة لبنانية. وهي غير كافية لإعالة عائلته التي تعتمد عليه وعلى والده، الذي يعمل في مهنة الحدادة؛ فهو يحتاج شهرياً لدفع إيجار بيته ومساعدة شقيقته الوحيدة لإكمال تعليمها، ناهيك عن مصاريف العيش اليومية التي يحتاجها اللبنانيّ. ولأن معظم المبيعات في لبنان لا تحتاج لشهادة جامعيّة، انتقل للعمل في مول كبير في قسم المبيعات، ووصل  أخيراً مدخوله الشهري لمليون وسبعمائة ألف ليرة لبنانية.

لحم وسجائر أميركية
ومع بداية أزمة المحروقات، عمد محمد إلى تفريغ دراجته النارية من الوقود وتخزينه في منزله، خوفاً من انقطاعه، ومن ثم إعادة تعبئة البنزين من جديد ليستطيع الذهاب يومياً لعمله، خصوصاً بعد وصول تكلفة المواصلات لأكثر من 15 ألف ليرة لبنانية. وقد اعتمد سياسة التفريغ لمرات متعددة حتى استطاع تخزين 20 ليتراً، أي "تنكة بنزين".

يضيف محمد في حديثه لـ"المدن"، بأنه لم يكن لديه نيّة المتاجرة بالمحروقات لكنه وجد هذه التجارة مربحة و "لذيذة"! فجاره كان بحاجة ملحّة لتنكة بنزين ولا مانع لديه من شرائها من السوق السوداء، فهو بحاجة لنقل والدته إلى المستشفى، فما كان من محمد إلا بيعه 18 ليتراً بـ140 ألف ليرة لبنانية. وقد كان السعر الرسمي لتنكة البنزين وقتها 70 ألف ليرة لبنانية. ومن هنا، أعلن محمد دخوله السوق السوداء، واستعان بسيارة صديقه لتعبئتها ومن ثم تفريغها بالغالونات، ولأن تفريغ البنزين بات عمله الجديد، لم يتخل عن عمله في المبيعات. بل قام بتنظيم دوامه ليستطيع التنسيق بينهما: "من أسبوعين أخذت إجازة ثلاثة أيام من شغلي واتفضيت للبنزين.. طلّعت 8 ملايين ليرة!"

يبرّر محمد عمله في السوق السوداء بالحاجة للعيش وتحصيل ما يقيه العوز، وأنه طلب إجازة مرضية من وظيفته المتواضعة لمدة ثلاثة أيام، حين كان طلب البنزين منه مزدحم! فالتنكة وصلت إلى 140 ألف ليرة لبنانية، والمحطات مقفلة. وربح من هذه التجارة فقط في غضون ثلاثة أيام ثمانية ملايين ليرة لبنانية. وهذا المبلغ لم يكن ليحلم به قط! فسعر التنكة في السوق السوداء وصل بفترة ما إلى 800 ألف ليرة لبنانية، أي مجمل الربح الصافي 660 ألف ليرة لبنانية بكل 20 ليتراً. وهذا المبلغ يعادل عمله في المبيعات 8 ساعات يومياً لمدة 4 أشهر على الأقل! ولم يكتفِ بذلك، بل بات يبيع المحروقات لأصحاب عمله أنفسهم بحجة "معن مصاري.. يدفعوا!"

تغيّرت حياة محمد بسبب هذه التجارة. فاليوم بات بإمكانه شراء الثياب التي تحلو له وزيارة المطاعم التي لم يكن باستطاعته قصدها، حتى أضحى يأكل اللحمة التي لطالما حرم منها خلال الأزمة الاقتصادية. ولم يقتصر الموضوع على اللحمة. فاليوم لا يشتري إلا سجائر المارلبورو التي وصل سعرالعلبة منها إلى 35 ألف ليرة لبنانية، بعد أن كان يشتري "السيدرز" المحلية، التي كان سعرها ألف ليرة قديماً ووصلت مع غلاء الأسعار إلى 11 ألف ليرة. وهو غيرمهتم بمعاناة الناس التي تحترق يومياً لتزويد سياراتها بالوقود لتستطيع التنقل.. ووفق تعبيره، السوق السوداء هي للمقتدر فقط و"اللي مش قادر.. ما يشتري"!

من تجارة الغالونات إلى العملة الصعبة
أحمد الزين، وهو شاب عاطل عن العمل (25 عاماً)، يقضي وقته مع شباب الحيّ بتدخين النرجيلة، تربى على الدلال في حضن والده المقتدر مادياً، الذي يقصده كلما احتاج مالاً. لم يكمل أحمد تعليمه، فهو سيرث محل والده للمفروشات، ويصبح مديراً للمحل من دون حاجته للشهادة الجامعيّة!

وبهدف الترفيه، وبعد تلاعب سعر الدولار الأميركي، طلب أحمد من والده مبلغاً من المال بالعملة اللبنانية وبالدولار الأميركي. وكان المبلغ حينها حوالى مليون ليرة لبنانية و500 دولار أميركي، وبدأ بشراء الدولار على سعر الصرف وبيعه كلما ارتفع! كان سعر الدولار حينها 2000 ليرة للدولار الواحد. استمرّ أحمد على هذه الوتيرة لفترة طويلة حتى استطاع خلالها تأمين أرباح خياليّة، ولُقبّ أحمد بـ"الصرّاف الصغير"، لحنكته ودهائه في سوق العملات.

استطاع خلال أزمة سعر الصرف من تأمين زبائن دائمين له، خصوصاً من الحي المقيم به في الضاحية الجنوبية، فهو يسكن في حي راقٍ في ناحية السان تريز. وهذه المنطقة معروفة شعبياً بأنها للميسورين، بسبب ارتفاع أسعار الشقق فيها، ولأن بعض سكانها ممن يتقاضى راتبه بالدولار الأميركي، أو يستلم شهرياً حوالات مالية من أولاده المقيمين خارج لبنان. ولكن الحظ لم يبتسم طويلاً لأحمد. ففي أوائل الشهر الحالي، أبلغه زبون قديم يقطن في الشارع المجاور له، والذي بين الوقت والآخر كان يتواصل معه لتصريف مبالغ صغيرة لا تتعدى 50 دولاراً أميركياً، أنه بحاجة لتصريف مبلغ كبير بقيمة 1000 دولار أميركي -وكان سعر الصرف حينها يلامس 19 ألف ليرة لبنانية للدولار الواحد- فما كان من إحمد إلاّ تأمين المبلغ اللبناني والذي يساوي تقريباً 19 مليون ليرة لبنانية وقصد الزبون عند الحادية عشر مساء".. انتظر الزبون أحمد على الدراجة النارية غير المرخصة قرب اوتوستراد السيد هادي نصرلله، وما إن وصل أحمد حتى وُضع المسدس في صدره، وطُلب منه إعطاؤه شنطته السوداء التي ترافقه يومياً على خصره، والتي تحتوي على العملات الصعبة. لم يكن أمام أحمد أي خيار سوى الاستسلام والرضوخ، فهو أمام شابين يحاصرانه بالسلاح: "كلمة جبان ولا كلمة الله يرحمه. المصاري بتتعوض بس العمر مرة واحدة". قدّر خسارته بقيمة 3000 دولار أميركي و37 مليون ليرة لبنانية. وهو الآن يعاني من صدمة نفسية، أثرت به على النطق بشكل كبير. ولكنه يحاول وأهله تجاوز هذه المصيبة. وأما أهل الزبون –النصاب- فقد أستنكروا ما حصل مع أحمد، وأوضحوا بأن ابنهم غائب عن البيت منذ الحادثة. وبعضهم يقول بأنه انتقل إلى قريته ببعلبك متوارياً عن الأنظار. وفي ظل غياب رقابة الدولة على نشاط تجار السوق السوداء، من سيحصّل حق أحمد؟ ومن سيُحاسبه للاتجار بالعملات بشكل غير قانوني؟

اقتصاد جديد
تعددت أشكال السوق السوداء. إذ لم تنحصر على المحروقات وصرف العملات الصعبة، بل وصلت إلى لقمة عيش الفقير. إذ شهد الناس في الأشهر الماضية أزمة خبز أوصلتهم إلى شراء ربطة الخبز من بعض المحلات بـ10 آلاف ليرة لبنانية، أي ضعفي سعرها، وهذا ينطبق أيضاً على الغاز، الذي اضطر المواطن الانتظار لساعات طويلة للحصول عليه.

وعلى الرغم من انفراج السوق بالمحروقات بعد ارتفاع سعر التنكة إلى 218 ألف ليرة لبنانية، إلا أن التهريب ما زال موجوداً على الحدود، علاوة على فقدان المادة واضطرار المواطنين أحياناً للانتظار أو اللجوء للسوق السوداء، التي قد تتغير بضائعها، لكنها صارت جزءاً من اقتصادنا في زمن الأزمة المديدة.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها