آخر تحديث:16:41(بيروت)
الخميس 07/01/2021
share

الهرمل نموذج "لبنان الجديد": الحزب والعشائر ومافيات التهريب والقتل

لوسي بارسخيان | الخميس 07/01/2021
شارك المقال :
الهرمل نموذج "لبنان الجديد": الحزب والعشائر ومافيات التهريب والقتل محاولة خطف وسطو على طريق الكرك انتهت بوقوع ضحايا (المدن)
سرقت أحداث الهرمل المتكررة منذ ما قبل نهاية العام 2020، الأضواء المركزة على "أوكار" التوتير الأمني التقليدية في منطقة بعلبك الهرمل. وهي تهدد بتحويل مساحة شاسعة من أراضي البقاع المتاخمة للمعابر غير الشرعية، إلى منطقة ساقطة في أيدي "عصابات"، وجدت فيها أرضاً خصبة لارتكابات تستغل حال "الانهيار" في مؤسسات الدولة وأجهزتها. وهي تحصن مواقعها وتجعلها عصية حتى على "مشورة" العشائر و"مونة" الأحزاب التي ترعى مجتمعاتها.

عشائر وحزب وسلاح
وانطلاقا من هذا المشهد العام، افتتحت سنة 2021 في منطقة الهرمل بجريمتين متتاليتين، حصدتا ثلاث ضحايا: منهم شقيقان دفنا يوم أمس الأربعاء 6 كانون الثاني في بلدتهما، بعدما وجدا مضرجين بدمائهما إثر ما حكي عن اعتراضهما عملية سرقة مولد كهربائي في منطقة جرد المخزن.

أثارت الجريمة موجة ردود فعل كبيرة في الهرمل، ترجمتها التعليقات الكثيرة المنشورة على صفحة Hermel.city على فايسبوك. ويحمّل معظمها الكلَّ - بدءاً من أهالي المنطقة إلى أحزابها وعشائرها - مسؤولية التفلت الأمني الذي وصلت اليه المنطقة، حيث يستسهل الجميع حمل السلاح، ويتباهون بنوعيته علناً، ولا يترددون في استخدامه لحل أبسط أمورهم.

المنشور مع تعليقاته أزيل في اليوم التالي للإبقاء على عبارة "خلص الحكي" التي علت صورة الشابين اللذين دفنا في بلدتهما، مع دعوة لوقفة "هرملية" موحدة تطلب من الدولة وأجهزتها حماية المنطقة.

الجريمة ومعابر حزب الله
وكانت الدعوة لحراك شعبي قد سبقت الجريمة الأخيرة، تحت شعار "بدنا نزف شبابنا عرسان على بيوتن مش عقبورن". وترجمت الدعوة باعتصام نظمه "منتدى الهرمل آمنة وحضارية" أمام السراي الحكومي. لكن التجاوب مع التحرك بقي محدوداً جداً، ما عكس طبيعة "اليأس" الذي يعيشه أبناء المنطقة، والاستسلام لما بات يشكل "روتينا يومياً" ملفوفاً بالإدانات وتعابير الشجب والاستنكار. وهذه تظل من اكسسوارات كواليس المسرح البلدي الكلامي، فيما خشبة المسرح في الهرمل يحكمها السلاح المتفلت. 

الأخطر في ما يجري في الهرمل، أن مقتل شابين في جريمة واحدة، وإطلاق النار قبلها على ثلاثة آخرين في سوق أحد بلداتها، لم يشكل حافزاً لاستنفار أمني رسمي، حتى لإلقاء القبض على الفاعلين. ولا حرك رأياً عاماً لبنانياً على شاكلة ردود الفعل المرافقة لأي جريمة ترتكب في أي منطقة لبنانية آخرى.

ولذلك خلفيات تبررها صورة نمطية تعززت حول الهرمل منذ ما قبل معركة "القصير" السورية، والتي حولت البلدات اللبنانية المتاخمة لها إلى معبر "متفلت" من كل الضوابط، مقابل تسهيل مهمة حزب الله في مد معاركه داخل الأراضي السورية، بالتعزيزات البشرية والمادية.

وإن كان ثمة من  يتحدث  في هذه المنطقة عن عدم موافقة حزب الله على الارتكابات الجرمية المتكررة في الهرمل، فهو يعلم أيضاً أن الحزب إياه ليس في وارد الدخول بمواجهة مباشرة  مع المرتكبين. ولو عبر رفع الغطاء عنهم، لتسهيل تسليمهم إلى القضاء. وحزب الله في هذا يتجنب تعريض خاصرته لمخاطر الانقلاب عليه في داخل مجتمعاته.

البلدية: نحن مقاومة
لرئيس إتحاد بلديات الهرمل نصري الهق "الخارج من بطن المقاومة" رأي في ذلك. يقول إن "حزب الله ليس مسؤولًا عن إلقاء القبض على المخلين بالأمن وتسليمهم. وليست مسؤوليته أن يؤمن أمنا ذاتيا. لأن ذلك سيشكل تكريساً للكلام عن كوننا دولة ضمن دولة. ونحن لسنا دولة. نحن مواطنون لبنانيون مقاومون ندافع عن البلد بوجه الخطر الخارجي، ونمنع توغله من الحدود".

ويحاول الهق بكلامه أن يبرئ حزب الله من مسؤوليته عن الفلتان الحاصل على المعابر غير الشرعية، كما في الداخل الموازي لهذه المعابر. لكنه يقر بأن هذا الواقع استفحل خصوصا منذ تفريغ منطقة القصير من أهلها ودفعهم إلى مخيمات عرسال وغيرها من تجمعات السوريين.

ويعلم أهل المنطقة وغيرهم أنه حتى "برغشة" لا تجرؤ على استخدام معابر الهرمل نحو سوريا، من دون معرفة "مقاومي" الحزب المجندين من أهل المنطقة نفسها. وهؤلاء يبدون ممسكين تماما بالوضع. إلا متى تعلق الأمر بالعصابات التي تمتهن الموبقات.

المقاومة غشاء التهريب
وفي هذه الحال يصبح الكلام عن الارتكابات العابرة للحدود، خارج "مسؤولية" حزب الله، وتحجب غشاوة المقاومة حتى أفظعها. كمثل تصنيع وتوضيب أنواع من الكبتاغون، كالتي ضبطت في مصر وحكي عن تهريبه عبر الأراضي اللبنانية. أو مصادرة  أطنان الغاز والمازوت والبنزين المدعوم من اللبنانيين لتهريبها إلى سوريا، من قبل منظومة عصيّ على الدولة كشفها. حتى بعد حريق المخزن الذي التهمته النيران عند حدود بلدة القصر داخل الأراضي السورية.

بعيداً عن الشق الاقتصادي الذي يتذرع به أبناء المنطقة لتبرير عمليات التهريب التاريخية عبر المعابر غير الشرعية، تبدو الأوضاع في الهرمل محفوفة بالطابع المافيوي الذي بات يرافق هذه العمليات. وقد ترجمته في الأيام الماضية عمليات "تشبيح" وخلافات مسلحة على الحدود، واشتباكات بين المهربين أنفسهم، وأحيانا بينهم وبين الجيش اللبناني، وحتى مع "جيش الهجانة" إذا اختلفوا معه على تفاصيل بعض العمليات أو حصصها.

وخطورة مثل هذه الارتكابات، وفقاً لمعنيين في المنطقة، أنها تجند "عملاء" من شبان غُرروا بأسلحة وبكميات من الأموال التي تسد الفراغ الاقتصادي في المنطقة. وهذا يهدد بتحويل صورة الهرمل من "أرض تذخر بالمثقفين والطلاب الجامعيين والأطباء والإعلاميين" إلى أرض للمرتكبين والطفار الذين يسهل استغلالهم لينقلبوا على أهل بلداتهم وعشائرهم وقيمهم.

الهق: التنسيق مع سوريا
إزاء هذا الواقع يصبح مفهوماً حديث الهق عن "وضع لم يعد مريحاً نهائياً. وتزيده الأزمة الاقتصادية تعقيداً واستفحالا". وبرأي الهق، فإن المسهّل الأول للارتكابات الجرمية هو الحدود غير المضبوطة والفلتان الأمني في سوريا. فهو الذي يؤمن ملاذا للمرتكبين داخل الأراضي السورية، طالما أنهم غير معرضين للملاحقة هناك. ويضيف متحدثا "عن مجموعة عصابات تنسق عملياتها في لبنان، من قتل وخطف وسرقة، وتفر الى سوريا، من دون أن تكون الدولة اللبنانية قادرة على بلوغهم. وهذا برأيه "يحتاج إلى تنسيق أمني بين لبنان وسوريا، ليصبح المطلوب في لبنان مطلوبا في سوريا أيضا، حتى لا ينجو المرتكبون بفعلتهم".

ولا ينفي الهق بأن للسلاح المتفلت دوراً في حال الفلتان الذي تعيشه المنطقة. ولكنه يقول أن هذا السلاح بات سمة مشتركة في لبنان كله. وهو موجود في الهرمل تاريخياً. و"لكن من يحملون حزب الله المسؤولية الآن يحاولون أن يطالوا المقاومة بكلامهم. بينما نحن نعلم أن العشائر تاريخياً تجاهر بالسلاح، الذي لم يتحول إلى مصدر خطر على مجتمعنا، إلا عندما استفحلت الأزمة الاقتصادية وساد الفلتان".

أما بالنسبة للدور الذي يمكن للعشائر وفاعلياتها أن تلعبه في لفظ من يسيئون استخدام السلاح "المبرر"، فيقول الهق إن ذلك كان  في الماضي. "عندما كانت العشيرة تمون على أفرادها. ولكن اليوم لم يعد زعيم عشيرة يمون على عشيرته، أو على مجموعة معينة. وهذا ما يجعل زعماء العشائر أنفسهم يستنجدون بالدولة كي تلم الزعران في عشائرهم".

والزعران على ما يبدو ممعنون في تحطيم صورة الدولة عبر توسيع رقعة عملياتهم بأشكال مختلفة لتطال مختلف الأراضي اللبنانية. وآخرها صباح اليوم الخميس 7 كانون الثاني: محاولة استدراج وسرقة في عز النهار على طريق الكرك – بعلبك، وميزتها أنها المرة الأولى التي تكشف عن أسماء مرتكبيها: ع. جعفر وع. علو، بعد مقتل الأول إضافة إلى أحد المستدرجين. لكن الأسماء هذه لم تكن مفاجئة. وقد جاءت لتكرس الأفكار المنمطة حول ربط العمليات بعصابات متسترة تحت عباءة عشائرها، وتزيد من عزلة مجتمعاتها في بعلبك والهرمل، وتلحق أفعالها الضرر الأكبر بأهل المنطقة من الأغلبية المسالمة.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها