آخر تحديث:14:23(بيروت)
الأحد 17/01/2021
share

مطبخ "أيادي" الطرابلسي يجعل المحتاجين منتجين ومنهن السوريات

جنى الدهيبي | الأحد 17/01/2021
شارك المقال :
مطبخ "أيادي" الطرابلسي يجعل المحتاجين منتجين ومنهن السوريات مبادرة تنطلق من الأوضاع الصحية والاجتماعية والاقتصادية السيئة في طرابلس (المدن)
أمام الفرن وخلف العجّانة وبين الآلات اليدوية والكهربائية، يتنقل شبان وشابات، ويعملون في انتظامٍ داخل مطبخ كبيرٍ. إنه مبادرة - مشروع "أيادي" الذي أطلقته "مؤسسة الصفدي" استجابة منها للأوضاع الصحية والاجتماعية والاقتصادية السيئة في طرابلس والشمال.

تضافر "أيادي"
وسرعان ما يلفت نظرنا في المطبخ كسر نمطية الأدوار الموزعة بين النساء والرجال: نرى شابًا يجلي الصحون ويحضر التوابل. وشابة تقف أمام الفرن ممسكة بالراحة الحديد، وتخرج بها المناقيش من داخله. وذاك الشيف خالد غمراوي (31 عامًا) منهمكاً بتوزيع المهام على العاملين في المطبخ. ومن خلف الكمامات لا تفارق الابتسامات وجوه العاملين المتعاونين، لتحسين دورة العمل. واللافت أن العاملين في مطبخ "أيادي" قاموا بدورات تدربيبة، ليصبحوا مساعدي "شيف" لإنجاح المبادرة.

وفيما توضب سمية بركات (29 عاما) الطعام، تقول لـ "المدن" إن "أيادي" منحتها أملاً. فهي من سكان حي باب التبانة الطرابلسي، وتركت المدرسة من صف الثامن ومكثت في المنزل منذ العام 2011 حتى منتصف 2020، لتبدأ العمل في المطبخ بعدما تدربت على العمل فيه. وسمية تساعد بعملها هذا عائلتها فتؤمن مصروف الدواء لوالدها. وتقول إنها عاشت "أيامًا صعبة في الفقر والحرمان"، قبل بدئها العمل في المشروع بشغفٍ كبيرٍ. وهو "يعود بالفائدة على العائلات الأكثر فقرًا".  

"أيادي" سورية
زميل سمية، عبد الرحمن (19 عامًا)، شاب من محلة القبة، وتسرب من المدرسة أيضًا من الصف السادس ابتدائي، ويعتبر أن عمله الجديد منحه معنى جديدًا لحياته، في هذه الظروف القاهرة التي يعيشها اللبنانيون.

وعلى بُعد أمتارٍ منه أمام الفرن، كانت تقف اللاجئة السورية بتول القاضي (18 عامًا)، منشغلة بتقليب المناقيش وإخراجها من بيت النار. وبتول النازحة من حمص مع عائلاتها هربًا من الحرب تنزل في جبل البداوي، وتسربت من المدرسة من الصف السابع. وقالت: "منحني مشروع  أيادي أملًا. فهو لا يميز بين اللبنانيين والسوريين وشعرت أني مُنحت فرصة للتدريب والعمل، بعدما حُرمت من التعلّم".  

المشروع وأهدافه
في أيار 2020 أنشأت "مؤسسة الصفدي" في طرابلس مشروع مطبخ صناعي على نفقتها. وهو مؤهل من الناحيتين اللوجستية والصحية لاستقبال متدربي الطبخ، لتنفيذ حصص التدريب الميداني وتوزيعها على المحتاجين. وساعات التدريب مدفوعة للشباب والشابات المتدربين، بإشراف اختصاصيين في الأمن الغذائي.  

ومنذ انطلاقه، ما زال المطبخ يعمل على إنتاج أنواع من الطبخات التي تستعمل فيها مواد غذائية مجلدة وجاهزة للطهو بكميات كبيرة، لتوزع على العائلات الأكثر حاجة، والتي تستفيد من برامج المؤسسة وفق برنامج غذائي شهري. وبهذا يكون أثر البرنامج مضاعفًا: يدعم المتدربين والعاملين ويؤمن لهم مدخولًا "cash for work"، ويدعم المحتاجين بالغذاء. وإلى أن يعاد فتح المطاعم سوف تستكمل المؤسسة دورها في التشبيك بين المتخرجين وسوق العمل لتأمين الفرص لهم.  

والتقت "المدن" مديرة مؤسسة الصفدي للمشاريع التنموية، سمر بولس، فقالت إن مبادرة "أيادي" تضم نحو 4 مشاريع، منها المطبخ. وهدفها تنفيذ أنشطة دعم اجتماعي - اقتصادي في الشمال عمومًا وطرابلس تحديدًا. وبذلك تستجيب لتداعيات الأزمات اللبنانية، اقتصاديًا ومعيشيًا، وصحيًا جراء انتشار وباء كورونا. وهي توائم برامجها وتشرك فيها المستفيدين لخدمة مجتمعهم. ويستفيد من المبادرة نحو 400 شخص، من نساء وشباب، تتراوح أعمارهم بين 15 و45 سنة.  

وجرى تطوير مبادرة "أيادي" ويمكن اختصارها بأهداف أربعة مترابطة: التطوير، العمل، المشاركة والاستفادة. وقالت بولس: "حين افتتحنا مطبخ المؤسسة، كانت فكرته إيجاد مساحة آمنة، تحظى بمعايير النظافة والسلامة العامة، وأن يأتي متدربون للعمل وفق مفهوم action training. أي أن يعملوا ويتعلموا ويتقاضوا أجرًا".  

لمن تذهب منتجات المطبخ؟
تجيب مديرة المؤسسة أن الجهات المستفيدة محددة مع كل مشروع، لتأمين التوزيع العادل بين العائلات الأكثر حاجة. ومطبخ "أيادي" توزع منتوجاته على عائلات في طرابلس، وتديرها النساء حصرًا، فيؤمِنَّ قوت عائلاتهن وأولادهن بأنفسهن، سواء كنّ مطلقات أو أرامل، أو يغيب الرجل المعيل عن حياتهن لظروف معينة. وتضيف بولس: "نؤمن أن ثمة عبئًا تضاعف على كاهل السيدات مع تمادي الانهيار. وهن يحتجن إلى الدعم في ظل ما يتعرضن له من اضطهاد مجتعي ومعيشي واقتصادي".  

وتأسف بولس لما وصلت إليه البلاد. فبناءً على عملها التنموي منذ 17 سنة، ترى أن لبنان لم يمر بمثل هذه الظروف الاستثنائية التي ضاعفها تدهور الأوضاع الاقتصادية والصحية.  

وأشارت إلى اتساع فئة الشباب والنساء الأقل فرصًا في سوق العمل، بسبب انضمام نسبة كبيرة من الجامعيين إلى هذه الفئة، رغم اجتهادهم للحصول على شهادة جامعية من دون أن يجدوا عملًا. وهذا إلى جانب توسع عدد المحتاجين.  
وتكشف بولس أن مشروع "أيادي" يطمح لتطوير المطبخ. وقد يعمل في المرحلة المقبلة على انشاء آخر رديفٍ في عكار، وخصوصًا بعد إقبال المستفيدين على خوض تجارب تمكنهم من الحصول على مستحقات مالية مقابل التدرب والخدمة الاجتماعية. وأضافت: "هذه المقاربة هدف أساسي لنا، لأن الاستمرار بتقديم الإعاشة وتوزيع الطعام من دون خطة مدروسة لا يجدي نفعًا ولا يمتّ لفهموم العمل الاجتماعي – التنموي. والأولوية تبقى بالتمكين والتطوير مع فهم خصوصية كل عائلة وحاجتها".  


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها