آخر تحديث:13:30(بيروت)
السبت 26/09/2020
share

سيرة امرأة من عشائر الهرمل: مخيم الفدائيين ومعاهد السوفيات

حسن الساحلي | السبت 26/09/2020
شارك المقال :
سيرة امرأة من عشائر الهرمل: مخيم الفدائيين ومعاهد السوفيات "كنتُ أعلّم أفكار لينين وروزا لوكسمبورغ للنساء.." (Getty)

هذه الشهادة لامرأة من عشائر الهرمل، ينقسم السرد فيها إلى قسمين، الأول يخبر بعضاً من سيرتها بين الهرمل وبيروت، والقسم الثاني يجيب عن سؤال حول علاقتها بالعنف، عبر سرد مجموعة أحداث عايشتها، يربط بينها تأثيرها الحاسم في نظرتها إلى العالم، وتحفيزها لمخاوف من أن يطالها العنف والقتل، هي أو أحد أحبائها. ولدت المرأة في منتصف القرن الماضي، وهي حقبة بدأ فيها نزوح عشائر الهرمل أولاً من السفح الشرقي للسلسلة الغربية، إلى أحياء الهرمل الطرفية، التي تكونت فيها أحياء جديدة يغلب عليها المكوّن العشائري. وثانياً من الهرمل إلى ضاحية بيروت الجنوبية، التي قصدتها العشائر بحثا عن مستقبل مختلف لهم ولأولادهم. وصلت المرأة بيروت في فترة كانت المدينة تتحضر فيها لحرب طاحنة، ستبعثر أحلامها النسوية وطموحاتها السياسية، لتنتهي في النهاية ربّة منزل، كما كثير من نساء جيلها المناضلات، اللواتي لم يجدن مكاناً في العنف اليومي الذي ابتلع الجميع يومها. وهنا جزء ثالث للسيرة:

العاشق يرتكب مجزرة
في بداية السبعينات كنا لا نزال في مخيم برج البراجنة، حين قتل عمي في إشكال  مع عائلة من بعلبك. كان الثأر محسوما بالنسبة لأولاده، ولا يمكن النقاش فيه: "فماذا تقول العشائر الأخرى إن تركنا دماءه تذهب هباءً؟!".

بعد أقل من شهرين على مقتله، تمكنوا من قتل أحد الذين شاركوا في الجريمة. تسبب ذلك بصدور مذكرات توقيف بحق أولاد عمي، ما أجبرهم على البقاء في مخيم برج البراجنة. كان عمي معروفاً في المنطقة، والجميع يحسب له الحساب. لم يتوقع أحد أن يُقتل بهذه الطريقة، ومن شاب أراد الانتقام لعشيقته!

عمل الشاب في تهريب المخدرات مع أحد التجار الكبار. وقد اعتاد القيام بعميات تهريب إلى تركيا برفقة فتاة من عشيرة التاجر. كانت مرتبطة بإبن عمها، حين أغرمت برفيقها في التهريب، فقررا الزواج والهرب خارج لبنان، تفادياً لانتقام عائلتها. لكن قبل سفرهما، استطاع عمي إقناعهما بالتراجع عن السفر وتدبير مصالحة تنهي المشكلة.

وافق والد الفتاة وحصلت المصالحة بمشاركة وجهاء آخرين من المنطقة. لكن قبل وقت قصير من انتهاء المصالحة، أتى أخ الفتاة وقتلها أمام الجميع بدم بارد. بعدها أتى خطيبها السابق الذي كان مضطرباً وخائفاً، وقام بإطلاق النار عليها مرة ثانية رغم انها فارقت الحياة. بسبب ارتجاف يده حصلت مجزرة بين الموجودين أدت إلى مقتل أربعة منهم.

لاحقاً، وبسبب حزن الشاب على حبيبته، التي كاد يهرب معها خارج لبنان لولا تدخل عمي، قرر الانتقام منه. طبعاً، لهذه القصة فصول عديدة، من بينها أن الشاب سيقتل آخرين شاركوا في المصالحة، اعتبرهم متواطئين أيضاً، قبل أن يُقتل لاحقاً على يد أبيه في نهاية دراماتيكية للحادثة، التي تعتبر من الأكثر دموية في تاريخ الهرمل.

البعث العراقي و"المقاومة الفلسطينية"
في بداية السبعينات، شهد مخيم برج البراجنة تغيرات كبيرة، من بينها دخول المقاتلين الفلسطينيين المطرودين من الأردن. كان علينا نحن البعثيين الذين تربطنا علاقة جيدة بالفلسطينيين عموماً، تطمين القادمين الجدد عبر الندوات والحوارات، أن التاريخ لن يتكرر في لبنان، وأن للمقاومة حلفاء يمتلكون نفوذاً وقدرة على حماية ظهرهم. لم يكن يومها قد مضى وقت طويلة على اتفاق القاهرة، الذي سيساهم في التخفيف من حدة القمع تجاه فلسطينيي المخيمات، بعد معاناة استمرت لعقود.

تعرفت خلال إحدى الندوات على الشاب الوحيد الذي ارتبطت به جدياً قبل زواجي. كانت علاقته جيدة بالفصائل الفلسطينية وتحديداً "الجبهة الديمقراطية". في كل مرة كنت أراه كان يصادف أني أضع كتاباً على رأسي لحمايتي من الشمس. صار يسألني عن ما أقرأ، ويبدأ بذكر أسماء مؤلفين معروفين لاستعراض ثقافته. عرف بميولي اليسارية من نوعية الكتب التي كنت أحملها، لذلك حرص على إظهار إلمامة بالماركسية.

في تلك الفترة، كنت أعلّم أفكار لينين وروزا لوكسمبورغ للنساء ضمن الحلقات. رأيت النضال من أجل تحرير المرأة وتحصيل حقوقها، غير قابل للفصل عن نضالنا السياسي لإحقاق العدالة الاجتماعية. فعندما نصل إلى الوطن الذي كنا نحلم به يومها، وهو وطن يحترم سكانه جميعاً، ويساوي بينهم بالحقوق، نكون قد حققنا المساواة مع النساء أيضاً.

تركني الحزب أعلّم ما أريده داخل الحلقات، لأنهم خافوا أن يخسروني. كنت عضواً ناشطاً، إن كان من ناحية تنظيم الندوات والحلقات النسائية، أو من ناحية العمل مع الاتحاد النسائي. لكني لم أعد قادرة على الاستمرار، لأسباب عديدة متعلقة بالإلتباس الحاصل عند الحزب بين الإسلام والعروبة، وبالتطورات التي كانت تحصل في العراق، من إعدامات لعشرات الرفاق، الذين عُرفوا بإيمانهم بالقضية العربية ونظافة كفهم، آخرهم عبد الخالق السامرائي.

طبعاً، حاولوا منعي من اتخاذ قرار الاستقالة، وأرسلوا لي أحد الأعضاء لمناقشتي بالنقاط التي ظنوا أن لديّ مآخذ عليها. لا أزال أتذكر كيف جلس الشاب وبيده ورقة كتب عليها مجموعة من الأفكار. تركته يتكلم، وفي النهاية أخبرته أني لن اتراجع عن قراري.

من الجيد أن عائلتي لم يعرفوا بقرار استقالتي حتى وقت متأخر. أختي الكبيرة التي أدخلتنا جميعنا في الحزب، كانت يومها في الجنوب، تشارك في دورة تدريبية مع "الجبهة العربية" التي أسسها حزب البعث. كانت وحدها إلى جانب 150 شاباً من جميع البلدان العربية، أكثريتهم لم يعرفوا انها فتاة حتى انتهاء الدورة! أما أخي الأكبر فقد انتقل إلى العراق لاستكمال تعليمه عن طريق منحة تعليمية من الحزب.

إلى بلاد لينين
بعد استقالتي، كان عليّ إنهاء علاقة أخرى، لكن هذه المرة مع الشاب الذي كنت أرتبط به. اكتشفت بعد وقت من ارتباطنا ومن خلال التعاملات اليومية، نسبة الأنانية المرتفعة التي تطبع شخصيته، كما أن كلامه الاستعراضي الدائم أصبح مع الوقت مصدر إزعاج بالنسبة لي.

لكن المشكلة أني لم أعرف كيف أنفصل عنه. في رأسي، كنت أقول أن أول شاب أتعرّف عليه بشكل جدي، ويراني الناس معه، يجب أن أتزوجه. لذلك، شعرت بالإحراج لأني اعتبرت أن هناك من سيظن أني من أولئك النسوة اللواتي يغيرن الشباب مثل الثياب.

أتاني الخلاص على شكل منحة لاستكمال تعليمي في الاتحاد السوفييتي، عن طريق الاتحاد العام للمرأة الفلسطينية. كانت المنحة مخصصة لأبناء المخيمات حصرا، لكن تم استثنائي، لأني ببساطة كنت يومها فلسطينية أكثر من الفلسطينيين أنفسهم.

لم أتردد كثيراً قبل الموافقة، مع أني كنت أخطط للبقاء في لبنان كي أبقى مؤثرة في الفضاء العام، وأدرس الأدب العربي بعد إنهاء شهادة الموحدة السورية (تعادل البكالوريا). لكني رغبت بالانفصال عن خطيبي، وطمعت بالحصول على شهادة ستريحني من عناء البكالوريا (اشترط المعهد فقط حصولنا على شهادة البريفيه)، وتؤمن لي عملاً جيداً. كما أني فكرت بالذهاب إلى بلد لينين الذي تتوجه إليه أنظار شيوعيي العالم، ما سيؤدي إلى تمتين تجربتي السياسية، ويوصلني إلى المرحلة التالية من نشاطي بعد الفترة التي قضيتها مع الحزب.

طبعا، كانت مجرد أحلام. فلم يكن هناك أي مجال للعمل السياسي هناك، كما أن الوقت لم يكن يسمح حتى للمحاولة، بسبب كثافة البرنامج الدراسي الموزع بين شقين: نظري في المعهد (قبل الظهر) وعملي في المستشفى (بعد الظهر). أخبرونا ان البرنامج لأربعة أعوام. لكن بعد فترة قرروا تقديمه بشكل مكثف وعلى عامين.

كل نشاطي السياسي في هذين العامين، اقتصر على لوحة حائطية كتبت أغلب تفاصيلها وحدي على جدار المعهد، من دون مشاركة أي من الفتيات الباقيات رغم إلحاحي عليهن. ضمت اللوحة رسومات توضح تاريخ فلسطين، بالإضافة إلى مجموعة قصص تتمحور حول المناخ السياسي في المنطقة العربية. التقيت أيضاً بعد ثلاثة أشهر من وصولي أفراد من حزب البعث، كانوا ثلاثة عراقيين قالوا لي أنهم أتوا حديثاً للمدينة (ياروسلافيل التي تبعد أربع ساعات بالقطار من موسكو) تناقشنا سوياً حول الحزب والأسباب التي دفعتني للمغادرة. عرفت لاحقاً أن لقائي بهؤلاء كان مدبراً. وقد حصل بعد تواصل الحزب في لبنان بالسفارة العراقية في روسيا.

معارك نسائية
حين أتذكر اليوم تلك السنوات، أشعر بالحنين، رغم أنها كانت متعبة ومرهقة بسبب كم الفوضى في المجموعة. كنا 25 فتاة من جميع المخيمات الفلسطينية (باستثنائي)، خصص لنا صف في المعهد وقسم خاص من السكن الجامعي. قالوا لنا أننا سنبقى شهراً وحدنا في السكن، بينما نتعوّد على الجو، على أن يتم توزيعنا لاحقاً مع الطلاب الروس. 

لم يحصل ذلك طبعاً. بعد اسبوعين أو ثلاثة من مجيئنا، قررت الإدارة إغلاق الباب بيننا وبين الروس بالباطون المسلح، بسبب كثرة المشاكل بين الفتيات التي وصلت حد ضرب بعضهن بعضاً. كل مرة كنت أدخل عليهن، كنت أجد شعر إحداهن منكوشاً. لا أعرف كيف تم اختيارهن، أو إن كانوا جميعاً قد أنهوا البريفيه قبل مجيئهن. من مساوئ الاتحاد السوفييتي انه قدم المنح من دون اكتراث بالنوعية، ما انعكس لاحقاً على مستوى الشهادة نفسها التي تراجعت وأصبحت غير موثوقة.

من مشاكل البعثة أن المسؤولة عليها غير كفوءة، وقد تم اختيارها فقط بسبب عمرها المتقدم. كانت متزوجة ومطلقة مرتين ولديها أولاد، ولا تعرف التعامل مع الفتيات أو حل مشاكلهن. مرة كادت واحدة منهن أن تضربها سكيناً، وقد وصلتُ في اللحظة المناسبة لمنعها. تراجعت الفتاة فقط لأنها تكن لي الإحترام. لكن مع ذلك، حملت غطاء الغاز الزجاجي وضربته بالحائط  لتفريغ غضبها، ما أدى إلى تناثر الزجاج وإصابتي في قدمي.

كنت أشعر بالمسؤولية تجاههن، ومع الوقت أصبحت بمثابة أم للمجموعة. حاولت الاشتغال عليهن لتطوير نظرتهن للحياة والأدوار التي يمكن أن يلعبوها كنساء. صاحبت الأكثر عنفاً كي أتمكن من السيطرة على المشاكل حين حصولها. لم يعرف الروس أني لست فلسطينية، وظلت المترجمة حتى عودتي إلى لبنان تقول لي أن هناك شيء يميّزني عن صديقاتي. لكن مقابل ذلك، كان عليّ دفع ثمن آخر. بقيت لأشهر أعجز عن النوم بسبب الضجيج الدائم في الغرف، إلى أن أخذت مفتاح غرفة في القسم الروسي من المبنى لأنام فيها. أزعجني أيضاً عدم التزام الفتيات بالأنظمة واستهزائهن الدائم بالأساتذة والمعلمات، وخرقهن القانون الذي صنع أحياناً بطريقة تساعد على تطوير الطلاب. لم  نستفد أيضاً من البنى التحتية الموجودة في المعهد، مثل ملاعب الكرة الطائرة وأمكنة التزلج، والفضاءات المخصصة للنشاطات التفاعلية بين الطلاب.

العودة إلى لبنان الحرب
الفترة الوحيدة التي استمتعت بها كانت عطلة قضيناها على البحر الأسود، خصصت لطلاب العالم الثالث الذين يتعلمون في الإتحاد السوفييتي. تعرفت على ناشطين من فييتناميين وسينيغاليين ويمنيين، واستطعت التعرف على اشخاص يمتلكون نفس اهتماماتي. في المعهد لم اتعرف على أشخاص مهتمين بالسياسة بين الروس، وحين رأتني المترجمة الروسية أقرأ كتابا عن الإشتراكية تعجبت اهتمامي وانا لا ازال بعمر الثانية والعشرين.

قبل أشهر من انتهاء البرنامج، اندلعت الحرب في لبنان. تكلمت مع الإدارة وأخبرتهم أني أريد العودة. بدأ المدير يضحك: "هل ستغيرين ميزان القوى في حال ذهبتِ"؟ كنت أريد العودة لأن لبنان أصبح في مرحلة التحرر، وهناك مشروع وطني علينا استكماله. كثير من الطلاب اللبنانيين الموجودين في الدول الإشتراكية قطعوا دراستهم وعادوا.

حين انتهى البرنامج، قال لنا الاتحاد النسائي السوفييتي أن بإمكاننا استكمال دراسة الطب. لم يوافق سوى 7 من أصل 25 فتاة. أخبرني الشاب الذي قدم الملفات، أن رئيسة الاتحاد، وهي رائدة الفضاء السابقة فالانتينا تيريشكوفا، التي كنا قد تعرفنا عليها في المعهد، سألت عني، وحاولت الاستفهام عن سبب عدم رغبتي باستكمال دراستي. لا بد أنها قرأت الملف الخاص بي.

في هذا الوقت، كنت قد بدأت العمل في المستشفيات والمستوصفات الميدانية الموجودة في بيروت الغربية، وأتحضر للهزيمة الأكبر التي سأختبرها في حياتي ... 

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها