آخر تحديث:16:30(بيروت)
الأربعاء 23/09/2020
share

سيرة امرأة من عشائر الهرمل: المخيم وقتل البنات والبعث(2)

حسن الساحلي | الأربعاء 23/09/2020
شارك المقال :
سيرة امرأة من عشائر الهرمل: المخيم وقتل البنات والبعث(2) كانت العادة قتل شخص يعتبر مصدر فخر لعائلته إلى أن أدرجت أيضاً فتياتهم (Getty)

هذه الشهادة لامرأة من عشائر الهرمل، ينقسم السرد فيها إلى قسمين، الأول يخبر بعضاً من سيرتها بين الهرمل وبيروت، والقسم الثاني يجيب عن سؤال حول علاقتها بالعنف، عبر سرد مجموعة أحداث عايشتها، يربط بينها تأثيرها الحاسم في نظرتها إلى العالم، وتحفيزها لمخاوف من أن يطالها العنف والقتل، هي أو أحد أحبائها. ولدت المرأة في منتصف القرن الماضي، وهي حقبة بدأ فيها نزوح عشائر الهرمل أولاً من السفح الشرقي للسلسلة الغربية، إلى أحياء الهرمل الطرفية، التي تكونت فيها أحياء جديدة يغلب عليها المكوّن العشائري. وثانياً من الهرمل إلى ضاحية بيروت الجنوبية، التي قصدتها العشائر بحثا عن مستقبل مختلف لهم ولأولادهم. وصلت المرأة بيروت في فترة كانت المدينة تتحضر فيها لحرب طاحنة، ستبعثر أحلامها النسوية وطموحاتها السياسية، لتنتهي في النهاية ربّة منزل، كما كثير من نساء جيلها المناضلات، اللواتي لم يجدن مكاناً في العنف اليومي الذي ابتلع الجميع يومها.

-1-
مع تزايد الإشكالات في الهرمل، قررنا الانتقال إلى بيروت، وتحديداً برج البراجنة، التي كانت المنطقة الوحيدة المتاحة لنا، بسبب إيجاراتها الرخيصة. لم يكن عندنا مشكلة العيش في مخيم. فهذا ما ينطبق على كثير من ابناء العشائر الذين عاشوا في مخيمات تل الزعتر وشاتيلا وغيرها (قليلون يعرفون أن بوسطة عين الرمانة قتل فيها ثلاثة من أبناء العشائر).

لا أعرف ما السبب. ربما لعب دوراً وجود علاقة ملتبسة مع الدولة، التي كانت تعتبر دخيلة في المخيم بالطريقة نفسها التي اعتبرت دخيلة على مناطق العشائر. مرات عدة خلال الحملات على المنطقة، لإلقاء القبض على مطلوبين فلسطينيين، تفاجأ الدرك بهروب أشخاص من العشائر ظنوا أن رجال الأمن قادمون لإلقاء القبض عليهم.

بعد انتقالنا إلى بيروت، أدخلتني أمي مدرسة مخصصة للأيتام، بسبب أوضاعنا المادية السيئة. لم أكن يتيمة، لكني عوملت كواحدة منهن، بعكس إخوتي الذكور الذين عوملوا كأولاد الخواجات ووضعتهم أمي في مدارس خاصة.

كانوا توأماً، لكن أبي أضاف أخاً ثالثاً على سجلات المحكمة من أجل الحصول على مساعدات من الدولة. فعل ذلك أيضاً معي ومع إثنين من إخوتي. كان هناك قانون يخير الأهالي الذين يلدون ثلاثة أطفال مرة واحدة، بين المساعدات الغذائية والتعليمية. اختار أبي المساعدات الغذائية في المرة الأولى. لكن في المرة الثانية أجبرته امي على اختيار المساعدات التعليمية.

وضعهم في مدرسة داخلية تعتبر من الأفضل في بيروت، في وقت كنت أنا داخل مدرسة للأيتام خارج بيروت، أعيش أسوأ ثلاث سنوات في طفولتي. شعرت حينها كأني يتيمة فعلياً، وبأن أهلي قد تخلوا عني. يومها لعبت أختي الكبيرة دور الأم. وهي الوحيدة التي كانت تزورني من وقت لآخر للإطمئنان عليّ.

في كل مرة كنت أراها كنت أبدأ بالبكاء، كي تعيدني معها. حين تغادر أصير أركض وراء السيارة لمسافات طويلة في محاولة يائسة لتغييير رأيها. في النهاية وافقت على إخراجي، وقررتْ العمل دواماً ليلياً في معمل غندور، كي تتمكن من دفع أقساط المدرسة الخاصة التي نقلتني إليها.

-2-
من أكثر القصص التي كانت تخيفني خلال طفولتي، قصص قتل الفتيات والنساء. عايشت بعض هذه القصص وسمعت بعضها الآخر. كانت ترسخ عميقاً في كياني وتتحول جزءاً من مخاوفي اليومية. من بين القصص واحدة حصلت في سياق خلاف بين عشيرتين، واحدة من الهرمل وأخرى من عكار. كل عشيرة كانت تهدد الأخرى بقتل كبيرها. هي عادة بشعة لا تزال موجودة حتى اليوم بين عشائر الهرمل: التهديد بقتل شخص يعتبر مصدر فخر لعائلته (مثلا وجيه أو طبيب ذائع الصيت) "كي يحرقوا قلب أهله" كما يقال.

لكن ما حصل يومها لم يكن معتاداً. مع تطور الإشكال بين العشيرتين، أضافت كل واحدة إبنة كبير العشيرة على لائحة الأشخاص الذين تريد قتلهم. استمرت التهديدات المتبادلة حتى استطاعت العشيرة العكارية من قتل وجيه العشيرة الهرملية مع إبنته الصغيرة وأخيه.

كانت المرة الأولى التي أعرف بمقتل طفلة بعمري. بقيت بعدها خائفة لأشهر: ماذا يمنع أن يقتلني أحدهم أنا أيضاً للإنتقام من رجال عائلتي؟

من القصص الأخرى التي أرعبتني حين حصولها، واحدة حصلت أيضاً في الهرمل خلال طفولتي، ولا تزال حرقة في قلبي حتى اليوم. كانت الفتاة في عمر الثالثة عشر، وتعيش قريباً من منزلنا. لا أتذكر تحديداً زمن الحادث، إن كان في الخمسينات أو الستينات، لكن ما أتذكره جيداً أن الفتاة كانت يتيمة من دون أم وأب، وتعيش عند أحد أقاربها.

من مساوئ القدر، أن الفتاة تعرضت للإغتصاب، ما أدى إلى حملها. عوضاً عن القيام بتحقيق داخل العائلة لمعرفة من المغتصب، اجتمعت العائلة وقررت قتل الفتاة. هي طريقة العشائر في إزالة العار، حتى لو كانت الفتاة غير مذنبة. غالباً من تحرش بها كان رجلاً كبيراً في السن، لأنهم لم يفكروا بتزويجها لمغتصبها، كما يحصل في أحيان كثيرة.

كنا نعرفها جيداً لأنها عاشت على بعد منزلين من منزلنا. لا أزال أتذكر جيداً شكل أبي حين عاد في ذلك اليوم إلى المنزل وعيونه تغرق بالدموع. ظننت أن أحداً من أقاربنا قد فارق الحياة. كان يرتدي قمطة سوداء، وضعها على وجهه وبدأ بالبكاء كأنه ولد صغير. حين عرفت بما حصل، انتابني الخوف الممزوج بالحزن. ألم يكن هناك حل آخر؟

-3-
من الأشياء التي غيرت مسار حياتنا، دخول أحد أولاد عمي في حزب البعث، ما دفعني أنا وإخوتي للإنضمام أيضاً. بعد سنوات، امتد الانتماء الحزبي إلى العائلة في الهرمل التي أصبحت محسوبة على هذا الحزب، ما سبب لها مشاكل كثيرة عند دخول السوريين إلى لبنان، لأن الحزب كان قد أصبح منقسماً بين فرع سوري وفرع عراقي، ونحن كنا منحازين إلى الفرع العراقي.

ساعدني الحزب في دفع أقساط المدرسة. لكن رغم ذلك، بقيت في أحيان كثيرة غير قادرة على شراء الكتب. أمضيت عامين وأنا أدرس من كتب أصدقائي في الصف.

حين حصلت على شهادة البريفيه، صار مسموحاً لي أن أعلّم الصفوف الإبتدائية في المدارس الخاصة، ما أمن لي مبلغاً لشراء كتب الشهادة الموحدة السورية التي تعادل شهادة البكالوريا في لبنان. كانت الحل الأوفر للوصول إلى الجامعة من دون الاضطرار لدفع تكاليف المدرسة.

في الوقت نفسه، بدأت بتطوير تجربتي السياسية وتشجعت على الكلام في العلن، والمشاركة في الندوات. لم يمض وقت طويل قبل أن أبدأ بتقديم الحلقات النسائية التي كنت أتحدث خلالها حول حقوق المرأة وأدوار النساء في الثورات. تعرفت يومها على أفكار اليسار عن طريق كتب مثل البيان الشيوعي والمادية التاريخية لكارل ماركس. وكان لليسار دور رئيسي في توعيتي على المواضيع المتعلقة بالمرأة، خصوصاً من خلال كتب لينين وروزا لوكسمبورغ.

مثّل الفكر الشيوعي افتراقاً بالنسبة لي عن أفكار حزب البعث، ما سبب لي بعض المشاكل في الحلقات والندوات. مثلاً، مرة طلبوا مني أن أنظم ندوة حول تطور وضع المرأة عبر التاريخ. كنت قد قرأت كتاباً يتكلم عن الموضوع من وجهة نظر شيوعية، أي الذي يقسم الزمن بداية من المرحلة المشاعية حتى الشيوعية. بعد الندوة، سألني أحد المسؤولين، لماذا قلت أن الزمن ينتهي بالمرحلة الشيوعية وليس الاشتراكية!؟

فضلت أن لا أترك الحزب، ربما لأن الحزب الشيوعي لم يكن راديكالياً كفاية بالنسبة لي. وتجربته الطويلة تثبت أنه غير راغب بتغيير النظام بالطرق الثورية. من ناحية أخرى كان حزب البعث بمثابة العائلة التي ساعدتني وساعدت إخوتي. لذلك لم يكن سهلاً أن أدير ظهري له.

-4-
من القصص التي ظلت تحزنني كلما تذكرتها، واحدة ضحيتها إمرأة من عشيرة بعلبكية تعيش بالقرب منا في برج البراجنة. كانت تعمل في متجر للثياب وتعيش نمط حياة حرة، مختلف عن المعتاد بالنسبة لأبناء عشيرتها. وصل إلى مسامع أحد الوجهاء في بعلبك، أن سلوكها لم يكن جيداً والناس في بيروت تتحدث عنها "بالعاطل".

لم يحاولوا التأكد من صحة الخبر الذي وصلهم. قرروا استدراجها إلى بعلبك عبر فتاة من أقاربها، بحجة أنهم مشتاقون لها ويريدون رؤيتها. حملت معها كثيراً من الأغراض من المتجر الذي تعمل فيه. المحزن أنها ظنت فعلاً أنهم مشتاقون لها ويريدون رؤيتها.  

بعد أيام من قتلها، وبعد أن عرف والدها بالقصة، جن جنونه. قتل أولاً الفتاة التي استدرجتها، وكان ينوي أن يقتل القاتل أيضاً، لكنهم سبقوه وضربوا خيمته بصاروخ آر. بي. جي أدى إلى حرقها ومقتله على الفور.

لا أزال أتخيل حتى اليوم مشهدها في رأسي: تبدو فيه بغاية السعادة، وهي تنزل من السيارة في وسط بعلبك مع الفتاة التي استدرجتها، وتتوجه إلى أقاربها. كأنها أمامي اليوم بعد كل هذه السنين، تحمل الأكياس بيدها وهي غافلة عن قدرها الأسود. حكم عليها بالموت بسبب عقل مريض يخاف من "الفضيحة" من دون أن يأبه فعلا للحق والأخلاق. أنا متأكدة لو أنها عملت "السبعة ودمتها"، لكن من دون أن يعرف أحد، لم يكونوا ليأبهوا، ولتركوها بحالها.

من تأثير تلك الأحداث علىّ، أني كنت أشعر بالرعب إن تحدث شاب معي على الطريق، لأني كنت أظن أن أحداً يراقبني وسينقل الكلام عني إلى أقاربي. حملت هذا الخوف كل حياتي، ما انسحب على قراري أن أتزوج أول شاب أتعرف عليه ويراني الناس معه، كي لا يظنوا سوءاً عني. (انتهى)


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها