آخر تحديث:15:42(بيروت)
الإثنين 21/09/2020
share

"شيخ" عرب خلدة الجريح "المودرن" وديوانيتهم لفوضى الكلام العشائري

محمد أبي سمرا - نبيلة غصين | الإثنين 21/09/2020
شارك المقال :
"شيخ" عرب خلدة الجريح "المودرن" وديوانيتهم لفوضى الكلام العشائري يقول عرب خلدة: هذه ديارنا التي لا ديار لنا سواها (علي علّوش)
..وروى "الشيخ" عمر غصن مقتطفات من سيرته العائلية والشخصية. قال إنه ولد سنة 1973 في خلدة، وسارع إلى إثبات نسبِه العائلي اللبناني المزمن، فأبرز صورة إخراج قيد عائلي على شاشة هاتفه المحمول، يفيد أن والد جده، موسى محمد غصن نوفل، لبناني ومولود سنة 1870 في خلدة. وشدّد على أن إخراج القيد، صادر عن مأمور النفوس، ورقم سجل قيده العائلي واحد. وهذا دليله على قِدَم الإقامة والتوطين في خلدة.

رعاة ومزارع وبنايات
وجدّ عمر غصن، حمد غصن، كان ذكَرُ والده الوحيد مع بناتٍ ستٍ، فورث أملاك أبيه موسى الذي قال محدثنا نقلاً عن جده حمد، إنه "كان يغسل رجليه في مياه البحر بملكه على شاطئ خلدة". وهذا تفاخراً منه باتساع الأراضي التي كان الجد يملكها، و"وهب السلطات العثمانية ممراً فيها لسكة القطار" الساحلية بين بيروت وحيفا. وفي خمسينات القرن العشرين شارك جده لوالده وجده الآخر لوالدته، تاجرَ أو سمسارَ عقارات مسيحيّ يدعى بطرس رفول، على تشييد بنايتين متقابلتين مؤلفة كلُّ واحدةٍ منهما من طبقاتٍ أربع. وفي شقة بالطبقة الأرضية من إحداهما التقينا "الشيخ" عمر. وكان جداه قدّما الأرض التي شيِّدت عليها البنايتان، وقدم رفول المال اللازم للبناء.

وعلى مساحة الأرض بين البنايتين، كانت قد نُصبت في مطالع أيلول الجاري مضاربُ إحياء ذكرى انقضاء أسبوع على مقتل الفتى حسن زاهر غصن - وجرح "الشيخ" عمر إلى سبعة آخرين من العرب، وقتل شخص سوري - برصاص عصبة علي شبلي الشيعية المسلحة المستقوية بسطوة حزب الله، بعدما شيّع العرب قتيلهم حسن نهار الجمعة 28 آب إلى مثواه الأخير في مقبرتهم بخلدة. وكانت ذكرى الأسبوع حاشدة، وحرص العرب على إحصاء المشاركين فيها، فقالوا إن عددهم بلغ حوالى 1300 شخص، من عشائر سنية وشيعية أرادت التضامن معهم في مصابهم، فنحروا للمتضامنين 20 ذبيحة للوليمة العشائرية عن روح قتيلهم.

وروى "الشيخ" عمر غصن أن جده لوالدته كان، قبل الاجتياح الإسرائيلي للبنان صيف 1982، لا يزال يربي الماشية من ماعز وأبقار، في مزرعة يملكها وتصل مساحتها حتى السعديات، ويسرح فيها نحو 600 رأس من الماعز والأبقار. أما الأغنام فينفي محدثنا قطعاً أن عرب خلدة كانوا يربونها. وأضاف أن مشروع "غرين هيل" السكني الذي شُيّد على 72 ألف متر مربع، كانت أرضه لجدته لوالدته. وكان في طفولته يسمع الرعاة من العرب يقولون: "رايحين نسرح بأرض الست"، أي جدته.

أصناف الكلام وتقلّب معانيه
وحده "الشيخ" ممن حادثناهم في جلساتنا مع عرب خلدة، كانت لغته متأنية واضحة في ميلها إلى استعمال ألفاظ وعبارات من العربية الفصحى الشفوية. وكانت كلمة "الشفافية" محطة كلامية في حديثه. ففيما هو يروي أن أجيال أهله من العرب كانوا في المناسبات والأعياد المسيحية، يزورون كنيسة سيدة خلدة المارونية القديمة على تلةٍ، ردد كلمة "الشفافية" كناية عن الطيبة والأخوّة اللتين كانتا قائمتين وتجمعان بين المسلمين والمسيحيين في الساحل بين خلدة والناعمة والسعديات. وفي شرحه كلمة "الشفافية" قال: "مثل الماء الذي يستقبل المواد كلها ويقبل امتزاجها فيه". ومثل هذه الاستعمالات اللغوية ذكرتني بفتيان وشبّان من طائفة "الأحباش" سمعتهم مرات في الطريق الجديدة في التسعينات يتحادثون متجادلين بألفاظ وعبارات يعتبرونها دينية فقهية.

ولما حاول "الشيخ" عمر أن يحدد موقع كنيسة سيدة خلدة المارونية، قال إنها كانت هناك على تلة "قرب محل أبو رافع المغضوب عليه، لأنه يبيع المشروبات"، من دون أن يقول الروحية أو الخمور. وأضاف أن ملكية أراضٍ كثيرة في خلدة، كانت "لإخواننا المسيحيين والدروز. واليوم علاقتي طيبة بتيمور بك جنبلاط وبوالده وليد بك. وفي الانتخابات النيابية الأخيرة طلبا مني أن أكون مسؤول الدائرة الإنتخابية للحزب الاشتراكي في خلدة". وفجأة انقلب كلام "الشيخ" إلى عتب شائع ومتكرر على ألسنة العامة، على الزعماء والسياسيين، فقال: "لا يتذكرون شعبهم إلا قبيل مواسم الانتخابات، وينسونه تماماً حتى موعدها المقبل بعد سنواتٍ أربع أو ست. في الساعات الـ 72 السابقة لمواسم الانتخابات تتكاثف زياراتهم لناخبيهم وتزدحم، وألسنة حالهم تقول وتردد: يا روحي ويا عيني. لكنهم بعد تلك الساعات يختفون ولا تعود تبصر وجوههم. حتى أنهم يقفلون أجهزة هواتفهم، فلا يجيبون على مكالمة أحد".

حروب عون والتدين
وكان والد "الشيخ" عمر موظفاً في وزارة الاتصالات، فرع كورنيش المزرعة. أما هو فحصّل تعليمه في مدرسة "الليسيه ناسيونال" في دوحة الحص. وظل طالباً فيها حتى حتى إنهائه مرحلة التعليم الثانوي سنة 1989، أيام حروب العماد ميشال عون. فنجح في امتحانات الثانوية العامة الرسمية، قسم العلوم الاختبارية، وكان عازماً على متابعة دراسته الجامعية في علوم الصيدلة. وهنا قال فجأة: "لكنني تعرفت إلى الحاجة، وتزوجت"، ملتفتاً إلى امرأة كانت تجلس بعيداً منزوية وصامتة في ركنٍ من الصالون. وفي سياق آخر من حديثه قال: "تعرفتُ إلى مدامتي وتزوجت، وهي إبنة خال والدي، عندما كان إمام مسجد في أعالي خلدة. والمسجد هذا شُيد سنة 1969، وكان الأول في جبل لبنان، وافتتحه المفتي الشيخ حسن خالد وصلى فيه، قبل تحوله مدرسة تابعة للمقاصد، وسُميت الجيل الصالح".

ويعزو "الشيخ" عمر إلى حروب العماد عون المدمرة، وتعطيلها الحياة العامة والأعمال والمدارس والجامعات طوال أكثر من سنة، مداومته على التردد إلى مسجد خال والده، وتعرفه إلى ابنته التي سرعان ما تزوجها، وعزف عن دراسته علوم الصيدلة، والتزم دينياً. وهو ذكر أن ذلك أدى إلى مشاكل بينه وبين والده الذي كان يعارض تردده على المسجد والتزامه الديني. وكان أبناء خال والده مهاجرين ويعملون في الإمارات العربية. وموجات هجرة عرب خلدة البادئة بعد الاجتياح الإسرائيلي صيف 1982، شهدت موجة جديدة أثناء الحروب العونية. ولربما كان التزامه الديني المسجدي الذي صرفه عن علوم الصيدلة، بديلاً عن الهجرة. وفي المسجد صار مساعداً لخال والده، فأخذ يؤذِّن ويؤم المصلين. وبنفسه وعلى نفسه وعلى الخال المتدين المسجدي على شيخ بقاعي انتدبته دار الفتوى إلى مسجد خلدة، صار عمر غصن "شيخاً"، من دون تلقيه علوماً دينية نظامية. أي أن مشيخته مسجدية وقرابية، ذاتية أو شخصية.

والمصطلحات والكلمات والعبارات الدينية التي يرددها، وطريقته في تردادها، تبدو شفوية فصيحة وسليمة في أدائها اللفظي اللغوي، من دون أن توحي بأن تدينه رسالياً أو أصولياً، بل مسالماً أو عادياً، لولا إطلاق لحيته على الطريقة السلفية وميله إلى استعمال كلمات فصيحة في حديثه. وكلماته هذه تشير إلى إلمامه المدرسي بانشاء اللغة العربية، أكثر من إشارتها إلى تدين وإلمام بعلوم الدين. حتى تأرجح كلامه ومعانيه، وسوقه بعض الألفاظ الإنكليزية، يبديه "شيخا مودرن"، لا أثر للتعصب والعنف في كلماته ومسلكه. وفي حديثه عن الواقعة الدموية في خلدة، روى أن "تاريخنا، نحن عرب خلدة، مع آل شبلي، كان سليماً وشفافاً. إذ كنا في المناسبات نتبادل الزيارات. وفي سنة 1998 وضعت زوجتي مولودها الثالث في مستشفى الزهراء. وبعد صلاتي عصراً في المسجد بخلدة، سألت عن بعض الشباب من أقاربي، فقالوا إنهم ذهبوا إلى فيلا آل شبلي لحضور مجلس عزاء عاشورائي".

الرايات وحروبها الصغيرة
و"الشيخ" عمر ظلَّ حتى العام 2000 يقبض راتباً شهرياً من دار الفتوى، لكنهم اتصلوا به هاتفياً في نهار من ذاك العام، وأبلغوه بإيقاف راتبه. وهو مذّاك يعمل سائق سيارة تاكسي. وهناك في خلدة، أمام سنتر شبلي، موقف لسيارات التاكسي، يركن فيه سيارته التي يعمل عليها. ولحادثة خلدة الأخيرة الدامية، سوابقها حسبما روى "الشيخ". ففي العام 2008 - وهو عام هجوم حزب الله ولفيفه في "الممانعة" على بيروت في أيار - حصل صدام غير مسلح على مفرق الأوزاعي في اتجاه خلدة، بين شبان من العرب وأنصار حزب الله. فعلى ذاك المفرق نصب مجسّم حصان يمثل  حصان الحسين في موقعة كربلاء العاشورائية، فأقدم شبان من العرب على إلصاق صورة لرفيق الحريري عليه، فنشب الصدام، وتدخل الجيش اللبناني وفصل بين الطرفين. وعُقد بعد الحادثة اجتماع بين الأحزاب في مكتب مخابرات الجيش في خلدة، اتفق فيه الجميع على اعتبار المسافة بين مثلث خلدة والجامعة الإسلامية على الأوتوستراد، منزوعة الرايات والأعلام. و "منذ ذلك الحين، سرنا على هذا المنهج"، قال "الشيخ" عمر، وذكر أن رايات وأعلام حركة أمل وصور الإمام الصدر، المنصوبة من الجامعة الإسلامية حتى دوحة الحص، ظلت على حالها ولم يمسسها أحد.

ويؤرخ "الشيخ" تغيّر هذه الحال بمقتل حسين شبلي في سوريا، مقاتلاً في حزب الله، وإقدام أخيه عليٍّ على الاستقواء بسطوة الحزب إياه على شبان عرب خلدة. ويبدو أن الكيد والغضب والمناكفات راحت تتراكم وتعسُّ، وانتهت إلى الحادثة الدموية في أيام عاشوراء من أواسط تموز 2020. وقبل نهار من الحادثة الكبيرة، وقع شجار أمام سنتر شبلي بين علي شبلي وزمرته، بعدما أقدم شبان من عرب خلدة على نزع اللافتة العاشورائية المعلقة قرب السنتر، فتدخل الجيش وفصل بين المتشاجرين، قبل دقائق من وصول "الشيخ" عمر إلى المكان، فأبصر سبطانات بنادق حربية تبرز من نوافذ سيارات علي شبلي وزمرته، فوقف يحادث الضابط "الكابيتان" في الجيش، الذي روى "الشيخ" أنه قال له: "هذه النجوم (الرتب) كلفتني وأهلي ملايين الليرات، ليأتي واحد بيسوا فرنكين يحمل سلاح قدامي!". والتفت "الشيخ" إلى علي شبلي وقال له: "يا علي، شو بدك، أنت تعلم باتفاق الرايات المنزوعة فلماذا تخرقه؟!"، فجاوبه علي: "أنت ما خصك، روح من وجهي، بدي رجال يحكو معي، أنا ما بحكي مع نسوان". ولما سمع شبان عرب خلدة الواقفين في المكان هذه الإهانة لـ"الشيخ"، هجموا على شبلي وأوسعوه ضرباً في الشارع، قبل تدخل الجنود وانتزاع عليّ من بين أيديهم. ثم قادوا علياً إلى سيارته، فانطلق بها مع زمرته في سياراتهم وغادروا غاضبين. وبعد ظهر النهار التالي حصلت غارة علي شبلي وزمرته المسلحة في سيارات الدفع الرباعي، وسرعان ما بادروا إلى إطلاق النار، فقُتل الفتى حسن زاهر غصن وجرح ثمانية آخرون بينهم "الشيخ" عمر، إلى القتيل الآخر السوري.

ديوانيّة الكلام
وغادرنا لقاءنا "الشيخ" عمر غصن، إلى تلك الجلسة الغرائبية في واحدة من ديوانيات عرب خلدة المسائية: كراسٍ بلاستيكية مصطفة لصق جدران ثلاثة في البهو. رجال وشبان يصلون تباعاً، يتبادلون القبل والكلمات مع من سبقوهم في الوصول، ثم يجلسون على الكراسي، ويواصلون الكلام، فتى يصب القهوة من أباريق المنقل النحاسية، في  أكواب من الكرتون المشمع. ويدور الشاب بإبريقه وأكوابه على الحاضرين، الذين يبادرون إلى الوقوف كلما وصل ضيف جديد، فيبادلونه قُبل الترحيب. كل يتكلم على هواه، والمتكلم يتوجه بكلامه إلى الجميع الذين يتكلمون بدورهم، من دون أن يكترث أي من المتكلمين بأن يسمعه الآخرون، وكيف يسمعونه أصلاً، فيما هم يتكلمون؟

ولما سألناهم عن عدم حذرهم من كورونا وعدواه، أجاب كثيرون منهم دفعة واحدة: منذ بدايات انتشار أخبار كورونا، لم نغير شيئاً في حياتنا، ولا توقفنا عن اللقاءات والتجمع مساءً في ديوانياتنا. لكن أياً منا، نحن العرب، لم يصب بكورونا.   

سحابة من ضوضاء الكلام تخيّم في البهو، فتخنق فيه الهواء الراكد الشديد الرطوبة، في تلك الأمسية القائظة، الطافحة بالأصوات في عتمة انقطاع الكهرباء. وتتحرك في البهو خيوط ضوء مرتجة هنا وهناك. وفي هذه الفسحة من الوقت - في انتظار تكاثر وافدين جدد، من خلدة ومن الناعمة والسعديات ومن أماكن أخرى تجمع ساكنيها العرب أواصر وصلات عشائرية وقرابية ومصاهرات - يروي البعض حوادث يومه. روايات تحضر الأنساب والهويات الأهلية والبلدية حضوراً كثيفاً فيها. ومن ذلك قول أحدهم، مثلا: حصلت اليوم حادثة سير في السعديات. شخص من بلدة شمع الجنوبية، دهس بسيارته شخصاً من بيروت. وجاء أهل شمع في وفد لحل المشكلة، فتدخلنا نحن عرب السعديات وحليناها. وكان الراوي يجلس قربي، فسألته أين يقيم؟ فقال: أنا من عرب السعديات، وأمي من آل غدار الشيعية في الغازية. ولما تبين لي أنه يضع مسدساً على خصره، وظهر جزء منه تحت قميصه، سألته عن عمله، فقال إنه مسؤول أمن مفتي جبل لبنان محمد علي الجوزو، وأمن مشروع "مديار" السكني في ساحل الدبية، وصاحبه قاسم تاج الدين، الذي فرضت السلطات الأميركية عقوبات عليه، لصلته بحزب الله، وأطلقت سراحه من السجن مؤخراً، وعاد إلى لبنان. وقال الراوي أيضاً أن مجمع "نسيم البحر" السكني الشيعي في أعالي خلدة، باع المير توفيق أرسلان، شقيق المير مجيد، أرضه البالغة مساحتها 55 الف متر مربع، من تجار البناء الجاهز الشيعة.

وهنا تدخل أحد الحاضرين في الحديث قائلاً: ثلاثة أرباع أرضنا في خلدة باعها أهلنا من تجار بناء ليسوا من العرب، فشيدوا عليها بنايات، وحصلوا من مشيديها على شقق فيها تعادل قيمتها قيمة الأرض التي شيدت عليها البنايات، فيما بيعت الشقق الأخرى أو أُجرت لساكنين من طوائف ومناطق مختلفة من خارج خلدة.

شخص آخر قطع على المتكلم حديثه، فقال: نحن العرب لسنا الأكثرية في خلدة. لكن عصب العرب يشدُّ ويجمع، فيبدون الأكثرية. فإذا كانت شقة واحدة يسكنها عرب في بناية، يجعل حضور هذا الساكن وطريقة عيشه وكثرة زواره من العرب، البنايةَ تبدو كأنما سكانها عرب كلهم. وقال المتكلم أيضاً ما معناه: قد يستمد سلوكنا هذا منطلقه وركيزته من أن الأرض أرض جدودنا، ومن أننا مقيمون على عاداتنا وتقاليدنا العشائرية.

وصاح رجل يجلس على كرسي مقابلة للمتحدث السابق، فقال: أهل بيروت الساكنون هنا، وكذلك الدروز والشيعة، جميعهم يغادرون خلده في المناسبات والآحاد والأعياد، كلٌ إلى دياره وأهله، ونبقى هنا وحدنا في ديارنا التي لا ديار لنا سواها. ولا تربة (مقبرة) لأحد هنا لغيرنا نحن العرب، ولكل عشيرة منا مقبرتها. ونحن أصحاب الأرض والحق. وإحياء الديوانيات المسائية جزء لا يتجزأ من حياتنا، ولا ترتاح إلا فيها. وما كان من شاب جالس بعيداً إلا حمل هاتفه الخليوي، وأراني شاشته، فظهرت عليها صورة بطاقة باللغة الفرنسية، فقال: هذه بطاقة من الجيش الفرنسي لوالد أبو كريم (أشار المتحدث إلى مكان جلوسه في الديوانية) الذي كان جندياً في ذلك الجيش، وتوفي سنة 1987.

ولما وصل إلى الديوانية شاب جديد، قال لي الشاب الجالس قربي: هذا الشاب من عرب الناعمة، وهو ابن عم سالم زهران المقيم في الليلكي. وسالم منبوذ من عشائر العرب. حاول أن يوالي بيت الحريري، لكنهم لم يمنحوه ما يريد، فوالى حزب الله. وهناك شبان كثيرون منا بنتسبون إلى "سرايا المقاومة"، ويدفعون لكل منهم حسب حجمه. لكن دم العرب لا يصير ماء. فبكلمة واحدة نعود إلى بعضنا ويجتمع شملنا.

وهنا تدخل رجل في الحديث متابعاً: نحن انتخابياً منقسمين شطرين، شطر مع وليد جنبلاط، وآخر مع المير طلال أرسلان. لكن لو توحدنا نستطيع بأصواتنا أن نُنَجِّح نائباً ونسقط آخر. والعشائر لا يمكن أن تجتمع على رأي واحد إلا عندما يصير لبنان دائرة انتخابية واحدة. ونحن عشائر العرب في لبنان نشكل ثلث السنة. أما من يلعب فينا، فهم الكبار: وليد جنبلاط وسعد الحريري.

وفجأة شعشعت أضواء المصابيح في الديوانية، فتنفس الجميع الصعداء. لقد كان المولد الكهربائي معطلاً، وأصلحوه، قال صوت في طرف البهو، وتابع: يا جماعة الخير، فخفتت الأصوات قليلاً، وأدركتُ أن الكلام يتهيأ لينعطف منعطفاً جديداً، كأنما جلسة الديوانية تتجه نحو الاكتمال، ليبدأ المتكلمون ينتظمون في التداور على الكلام.

فقال رجل جهوري الصوت بنبرة يشوبها قدر من الخطابة: "نحن لا تجمعنا إلا المصيبة. الله قدّر، وما شاء فعل. والناس تعاطفوا معنا، لأن القتيل طفل. حتى اليهود لا يفعلونها ولا يقتلون الأطفال".

وبعد لحظات قليلة من الصمت، عاد المتكلمون إلى أحاديثهم الفوضوية.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها