آخر تحديث:17:39(بيروت)
الأحد 20/09/2020
share

زينب الحسيني.. قعر بربرّيتنا المفتوح

نادر فوز | الأحد 20/09/2020
شارك المقال :
زينب الحسيني.. قعر بربرّيتنا المفتوح كل جسمها تفحّم "من إصبع رجلها إلى رأسها" (الانترنت)
في قضية الطفلة زينب الحسيني روايات لا رواية، ولو أنها تخلص جميعها إلى خاتمة واحدة تقول إنّ الفتاة أُحرقت حيّة. تكثر الروايات وفصولها، فتشير إحداها إلى أن زينب ابنة الـ14 عاماً تعرّضت لاعتداء جنسي وحرقت بعدها حيّة على يد ثلاثة قتلة. في حين تلفت أخرى إلى أنها أُحرقت عن طريق الخطأ من دون علم مفتعل الحريق بوجودها داخل المنزل. في الحالتين، أقدم الجاني على إقفال باب المنزل بإحكام شديد ليمنع أي إنقاذي أو إغاثي من الدخول لإطفاء اللهيب. وفي الحالتين أيضاً، ماتت زينب احتراقاً مكبّلة اليدين في شقة في برج البراجنة. واستمر نسج الروايات ونشرها، بالإشارة إلى أنّ خلافاً نشب بينها وبين شخص آخر وتعرّض لها بالضرب، فلجأت إلى آخر طلباً للحماية ووقع الخلاف وانتهى بهذه المأساة. كما أنه من بين الروايات، أنّ زينب كانت ضحية عنف أسري دفعها إلى مغادرة منزل أهلها. أما المؤثرات التشويقية فأضيفت أيضاً في سيرة الطفلة الضحية، فقيل فيها الكثير من ادعاءات تافهة وسخيفة عن قلة "أدب" و"أخلاق". حتى لو صحّت هذه "المؤثرات" الوضيعة، ولو ضاعفناها وضُربت بعشر، لا يمكن أن تبرّر أي عنف أو أذى أو فعلاً بهذا الشناعة. خلاصة كل الروايات واحدة، ماتت زينب الحسيني حرقاً، مكبلة اليدين في شقة في برج البراجنة.

السُخام!
ورد في تقرير الطبيب الشرعي الذي عاين الجثة المحترقة بالكامل أنّ الضحية حُرقت حيّة وأنّها مصابة بحروق من الدرجة الثالثة مع ذوبان كامل للجلد الذي تفسّخ فباتت الجثة بلا معالم. لم يؤكد الطب الشرعي إن كانت تعرّضت للاغتصاب، إذ أنّ كل جسمها تفحّم "من إصبع رجلها إلى رأسها". فاستعصي على العلم تثبيت الموضوع. كما أنّ الرئة محترقة وفي القصبة الهوائية سخام. السُخام، آثار تفحّم، "الشحبار" بلغتنا المحكية. عبارة غير مألوفة تبعث الريبة حتى قبل التفتيش عنها في المعاجم. في قصبتها الهوائية "شحبار" يؤكد أن زينب كانت على قيد الحياة خلال احتراقها. يكتمل الرعب وسخامه. لم تختنق من حريق نشب، ولم يبنّجها الأوكسيد ولم تغب عن الوعي. كأنها، زينب، جان دارك القرن الحالي تدفع ثمن البربرية والانحطاط. كبّلت على عامودها ومن تحتها حكم النار والحطب.

لم أكن أعلم
في روايات الحكم التخفيفي عن الجناة، قيل إنهم كانوا مخمورين. قيل إن أحدهم أشعل النار دون علمه بوجود زينب داخل المنزل، ولو أنها كانت فيه مكبّلة. طلبت النجدة مراراً وسمعها الجيران تصرخ وتئنّ. في ذلك عودة إلى نموذج "لو كنت أعلم". لو كنت أعلم أنّ تخزين آلاف أطنان الأمونيوم سيؤدي إلى.. لو كنت أعلم أنّ ردّ فعل إسرائيل.. لو كنت أعلم أنّ تزوير واقع الليرة وتعويمها سيُنتج.. في كل ذلك طلب رفع المسؤولية لا يعدّل شيئاً في نتيجة الفعل أو اللا فعل، ولا يخفّف من وطأته.

صور الجناة
انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي صور الجناة الثلاثة المتّهمين بارتكاب الجريمة الشنيعة. في الصورة الأولى، شاب ثلاثيني يشعّ كبتاً. في الثانية، وجه صالح ليكون قاتلاً متسلسلاً في فيلم هوليودي. في الثالثة، عشريني مراهق عابث، عالق بين الأولّين، يكوّن هويته وشخصيته بين كبت وهوس مرضي. وبين هذه الصورة الثلاث، صورة رابعة لزينب الحسيني بابتسامة ونظرة خجولتين. فمن القادر على ارتكاب فعل مماثل، بطفلة أو شاب أو عجوز، غير الحامل لمرض نفسي واجتماعي وأخلاقي؟ في الفعل المرتكب، تذكير بإعدام تنظيم داعش لمعاذ الكساسبة. وضعت زينب في قفصها، وصارعت حروقها حتى تيبّست.

في هذه الجريمة، نزول إلى قعر أعمق من الانحطاط الاجتماعي العام. وبينما كانت قصة زينب تنتشر، جاءت معلومة أمنية من مكان مختلف تماماً ومن موضوع بعيد جداً، تشير إلى أنّ عدداً من الأشخاص عمدوا إلى سرقة صيغة وأساور وخواتم ومحفظات وجزادين الضحايا يوم تفجير 4 آب. درجة أخرى نزولاً على سلالم الانحلال والانحراف. أم أنّ البلد، ومجتمعه وناسه، لم يكونوا يوماً مزدهرين ومجدّدين؟ هل كنا نعيش أساساً في هذا الانحطاط، غارقين به، فلا نعي واقعنا الفعلي؟ يبقى الأمل أن نلمس حدود القعر سريعاً، ألا يبقى مفتوحاً لنعرف مدى بربريّتنا وهمجيّتنا.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها