آخر تحديث:16:13(بيروت)
الجمعة 18/09/2020
share

الشذوذ السلوكي للمؤسسة التربوية في زمن كورونا

نعمه نعمه | الجمعة 18/09/2020
شارك المقال :
الشذوذ السلوكي للمؤسسة التربوية في زمن كورونا الأمان والمتعة لا توفرهما غالبية المدارس
يتساءل العديد من الأهالي حول الثمن الذي يدفعه الطفل في زمن الحجر، ومدى نجاعة الحلول المقترحة من المدارس التقليدية ووزارات التربية حول العالم، ووزارة التربية في لبنان، ومنظمات الصحة وغيرهم من المعنيين بالسلامة العامة والتربية. 

"السجون كالمصانع، كالمدارس، كالثكنات، كالمستشفيات، كلها تشبه السجن". ميشال فوكو، فيلسوف.

كثيرون منا يعتبرون هذا الكلام استفزازياً، بينما العديد من الباحثين الاجتماعيين أخذوه على محمل الجد واعتبروا أن هذه المؤسسات ومتفرعاتها هي آلات لوضع الأفراد تحت سيطرة العقل والعلم. 

لا شك ان بعض المؤسسات خرجت عن هذه النمطيات، التي تجعل المدرسة في تصميمها الداخلي شبيهة بالسجن أو المستشفى أو الثكنات، أوالمصانع التي نصورها في ممرات واسعة وغرف من الجهتين..، إلا أن الخروج من المقاربة الفكرية لأنماط العلاقة التي تربط الأفراد بالأماكن لا زالت حاضرة بقوة في وعينا وممارساتنا اليومية. 

هذا السلوك الشاذ في إخضاع أولادنا في المدارس من الوقوف في الصف، إلى الجرس، إلى الجلوس ست ساعات على المقعد، وإذن مسبق لدخول بيت الراحة، أو شرب المياه، أو ضوابط اللباس.. ما هي إلا شروط لإحكام السيطرة على الأفراد تحت مسمى تنظيم الجماعة والقانون..

اليوم، في زمن كورونا، ستدخل قوانين وضوابط جديدة على حياة أولادنا في المدارس، علينا نحن كبالغين/ات التأقلم معها أولًا، وإسقاطها على حياة أولادنا وعلى المدرسة أيضًا، وضع ضوابطها استنادًا إلى توصيات الوزارات المعنية. 

وبدأ البعض في وضع موازين للمقارنة بين إيجابيات العودة إلى المدرسة وسلبيات البقاء في الحجر المنزلي، وكأنها مقارنة بين التعلّم وبديله: اللاتعلّم. هنا تكمن الإشكالية في ربط المدرسة بالتعلّم وبديل المدرسة بالفراغ المعرفي! 

ممارسات تمعن في الشذوذ
بأي ثمن سيعود أولادنا إلى المدارس: تباعد إجتماعي، مراقبة مشددة، تعقيم دائم، فصل بين التلامذة، صفوف شبه فارغة، صداقات مبتورة، عيون تراقب، لا تشارك بالطعام، الدكانة، النظافة في الحمامات، المسافات، رقابة صحية، فحص الحرارة، الكمامات، لا تبادل للكتب والقرطاسية... أي خلل في واحدة من هذه التدابير قد يسبب مأساة. 

وفي الميزان النفسي، يرجح العديد من الأطباء والمحللين النفسيين الكفة لصالح المدرسة، أي انهم ينصحون بالعودة إلى المدارس لصحة نفسية أفضل، حين يعتبرون أن حاجة الطفل إلى الإختلاط في المدرسة وعيش حياته بشكل "شبه" طبيعي ضروري لتوازنه النفسي.

ما يسعى إليه المحللون والأطباء النفسيون هو تكييف الأفراد للتأقلم مع المنظومة أو السيستام، ولا يفكرون أو يقترحون أبدا البدائل، هم في غالبيتهم، وحسب مدارسهم، يخضعون "لسيطرة العلم والعقل" لتسيير الآلات الذي تكلمنا عنه بداية المقال. 

والحقيقة المرّة أن هذه المنظومة أكثر ما يهمها هو إعادة إنتظام دورة الإنتاج وتكييف الأفراد وإخضاعهم بقوانين وأوهام وتوجيه وقرارات.. أي "بالعلم والعقل" من دون أن تستثير هذه الكارثة تفكيرهم للخروج ببدائل فعّالة لحماية الأطفال وأهاليهم صحيًا ونفسيًا. بل عملوا على تكييف المدرسة والتعلّم فيها بمزيد من الشذوذ التربوي ووضع ضوابط وشروط، تمنع عن الطفل التواصل الفعلي مع أنداده، وتفرض عليه سلوكيات غريبة عليه، والتي من المفترض أن يتقبلها دون تأثير على نفسيته.

سيناريو طرابلس
نسبة الإصابات المقدرة في طرابلس قد تلامس 20% من سكانها، أي أن 20% من أطفالها قد يكونوا مصابين، كيف ستسير المدرسة؟ لنفترض أن طفلاً أصيب من دون عوارض ونقل العدوى إلى جديّه وتوفى أحدهما، ما هو التأثير النفسي على الطفل عندما يعلم أنه من نقل العدوى؟ ما هي احتمالية تكرار هذه الحالات في الصف الواحد؟ هل تؤثر هذه الحادثة على زملائه؟ هل ينجو من التنمّر؟

سيناريو الأطفال ذوي الإعاقات والمشاكل الصحية التنفسية
أعداد لا بأس بها من الأطفال يعانون من مشاكل صحية تُضعف مناعتهم، وإحتمال إصابتهم بكورونا أكبر وتأثير الإصابة أكثر تعقيدًا، ونسبتهم تصل إلى 10% من التلامذة بين حالات ربو، حساسية، ولوكيميا، وإعاقات معينة، وغيره. ماذا لو أصيب أحد هؤلاء الأطفال وصار مقعده فارغًا، ما هي التداعيات النفسية على زملائه وعلى المدرسة ككل لفقدان أحد التلامذة؟ 

قد تبدو هذه الحالات منفردة وحالات استثنائية، ولكننا نتحدّث هنا ليس فقط عن الطفل المصاب فحسب بل عن شُعب بكاملها ومدارس أيضًا، وحجم الخوف الذي قد يصيب أي طفل عند حدوث أمر مماثل مع زميله، وما هو تأثير حادثة ما على رغبته بالتعلّم عند معايشة حادثة مماثلة. 

كأننا نريد أن نفتعل أزمة للطفل بتعزيز وهمنا على قدرتنا على الإنتصار عليها، وعلى الطفل نفسه، من خلال العقل والعلم. ونحن نعلم أننا سنمزّق هذا الطفل وزملاءه أشلاء وسيعانون من تداعياتها سنوات.  

هذا هو الشذوذ. مدارسنا ومؤسساتنا وأفكارنا الشاذة، نتلذذ بالانتصار الوهمي على الفقدان أو الذنب الذي لا يغادرنا ونسعد بعجزنا عن رؤية حلول بديلة، نحاول من خلالها حماية أنفسنا وعائلاتنا من تحولات الطبيعة، لأننا عاجزون وكسالى، ننحو إلى الشذوذ والتمتّع بجلد الذات تحت مسمى العقل والعلم والدين والاقتصاد..

مدارس ممتعة 
يخبرنا فوكو أن "المعرفة تتصل بعمق بالمتعة" Le savoir est profondément liée au plaisir، وها نحن ننزع المعرفة والمتعة بعشوائية. بوضع أنفسنا في إستثنائية الحالة الصحية: نصف التلامذة، تباعد، رقابة.. لأن التعلّم والمعرفة أولوية ولا يمكن لهذا السيستام الاستمرار إلا بإخضاع الأفراد من جديد. لكن، أما من البديل؟ حقًا ما من بديل خارج الصندوق أو خارج العقل والعلم؟ 

يتعارف التلامذة فيما بينهم على تسمية المدرسة بأسماء مختلفة وأهمها أنها ليست الحياة الحقيقية، واتفقوا جميعًا ضمنيًا انهم ملزمون على المرور بها لينتقلوا إلى الجامعة أوإلى فصل الصيف أو العمل. هي إذا تسوية غير معلنة ينصاع إليها التلميذ/ة وينسى أنه تعلّم هناك (ما عدا بعضهم) حيث ذاكرته مرتبطة بعلاقات وأحداث بين الأصدقاء وليس بذاكرة ممتعة مرتبطة بالتعلّم. يبني ذاكرة انتقائية تُخرجه من أجوائها. فهو لا ينسى لحظات الأسى والظلم مع الإدارة وممارسات بعض المعلمين/ات وزملائه ويعتبره جرحًا نرجسيًا، يتجاوزه عند التحرر من الفرض المتعب إلى حياة حقيقية. 

المدرسة في نظامنا هذا ليست ممتعة، والتلامذة نادرًا ما يتعلمون منها. هي بكل بساطة جسر عبور متعب إلى الحياة مع بعض اللمعات الممتعة. 

لا يجب أن يُفهم من هذا الموقف معاداة للتعلّم والمعرفة، بل تأكيد عليه. ولا يجب ربط العلم والمعرفة بالمدرسة وكل المدارس، فالتعلّم هو سياق ضروري لكنه غير مشروط بعبور المدرسة لتحقيق مكتسبات معرفية يمكن أن يكون بألف طريقة أخرى من خارج الصندوق. 

التعلّم والمعرفة في زمن كورونا ليس مماثلاً لما قبله، هذا الزمن يستدعينا للتفكّر بجدوى المدرسة كمؤسسة، ويضعنا أمام خيارات بديلة لحماية حقنا في الحياة المحمي بشرعة حقوق الطفل. فحق الأهل الإمتناع عن إرسال أولادهم إلى المدرسة عند وجود خطر صحي أو أمني، فحق الحياة والحماية من المخاطر أسمى من حق التعلّم، وكأننا لا نريد لأولادنا أن يتعلموا! بل أن حق الأطفال في التعلّم يشترط أن يكون آمنًا وممتعًا. 

الأمان والمتعة لا توفرهما غالبية المدارس في شكلها الحالي، لنجد بديلاً، ليعمل العالم بأسره على بدائل أكثر أمنًا ومتعة، بدل أن تسعى الحكومات لتكييف الأفراد والمجتمعات مع كورونا بالرغم من استمرار المخاطر وازديادها. السياسات والاقتصاد وهذا العقل وهذا العلم والمؤسسات التربوية والحكومات.. أحيانًا أخطر من الأوبئة.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها

نعمه نعمه

نعمه نعمه

كاتب لبناني

مقالات أخرى للكاتب