آخر تحديث:19:26(بيروت)
الأربعاء 16/09/2020
share

الهروب من جحيم لبنان إلى بحر الموت

جنى الدهيبي | الأربعاء 16/09/2020
شارك المقال :

تتوالى قصص الهاربين على "قوارب الموت" غير الشرعية من شمال لبنان إلى قبرص. لكن هذه المرّة، يبدو أن البحر هزم الهاربين، فابتلع طفلين وبعض الشباب والنساء، كما راح بين أمواجه عدد من المفقودين. قبل عشرة أيام، انطلق موسم الهجرة الشمالية من الميناء نحو قبرص (راجع "المدن")، بعشرات القوارب التي تقاسم مهاجرون لبنانيون وسوريون كلفتها، وقد أحيوا ذاكرة قوارب الهجرة في العام 2015. لكن جهود الهاربين من لبنان 2020، ذهبت سدى، بعد أن أجبرتهم السلطات القبرصية على العودة من حيث أتوا، في رسالة واضحة مفادها: لقد ولّى زمن احتواء مهاجري البحار غير الشرعيين.  

آخر مآسي قوارب الموت لهذا الموسم، بما أعلنه الناطق الرسمي باسم "اليونيفل" أندريا تننتي، الاثنين 14 أيلول، أن "سفينة تابعة لقوة اليونيفل البحرية قامت بتحديد مكان قارب خارج المياه الإقليمية اللبنانية يحمل على متنه 37 شخصاً، ولسوء الحظ أن أحدهم كان قد توفي".  

القصّة المروعة لهذا القارب، تبدأ من منطقة القبّة في طرابلس، وتمر بشاطئ المنية في عكار، قبل أن تنتهي على يد قوات اليونيفل، لا سيما أنّ الهاربين على متنه، وقعوا ضحية خدعة كبيرة لأحد السماسرة والمهربين. والقارب الذي كان على متنه ما لا يقل عن 45 مهاجرًا، لم يعد منه سوى 36 شخصًا، بعد أن قضوا نحو 7 أيام كابوسية في عرض البحر. أما الحصيلة الأكبر بالأرواح، فكانت من آل محمد في القبة، التي خسرت طفلين ماتا من الجوع والعطش ورُميا في البحر، وهما محمد وسفيان محمد، والشاب محمد خلدون محمد (27 عاماً)، وصهر العائلة شادي رمضان (35 عاماً) وهو سوري الجنسية.  

أحد الناجين من هذا القارب، هو محمد لاشين (23 عاماً) الملقب بـ "البوب" من منطقة القبة، يروي لـ"المدن" تفاصيل ما حدث معهم، ويتهم الوسيط بينهم وبين المهربين بالتآمر عليهم، بعد أن حصد من القارب أكثر من 200 مليون ليرة، وقد أخذ على كل رأس 5 مليون ليرة.

الناجي محمد لاشين الملقب بـ"البوب" 



وبحسب معلومات "المدن"، يدعى هذا الوسيط ب. القطريب، وهو في الستينات من عمره، كان موظفاً في أحد المصارف، وهو حالياً هارب من المنطقة مع عائلته وآخرين تواطأوا معه، بعد أن رفع بعض ذوي المهاجرين ثلاث دعاوى بحقّه في النيابة العامة، فيما صار مطلوباً من الأجهزة الأمنية، ما دفعه إلى التواري عن الأنظار.  

ليل الأحد 6 أيلول، بحسب رواية محمد، نقل الوسيط المهاجرين إلى شاطئ المنية. وكان من المفترض أن يسافر على متن القارب 23 فردًا فقط، لكنهم تفاجأوا بعائلات سورية، فصاروا أكثر من 45 شخصاً بينما القارب لا يتسع لأكثر من 25. طلب المهربون منهم الصعود إلى القارب، وأخذوا كامل أمتعتهم من الحليب والطعام، وحتى بعض هواتفهم، بحجة أن القارب لا يحمل هذه الأوزان، مقابل أن يمشوا وراءهم في قارب آخر، ويلتقوا معهم عند إحدى الجزر لتسلم أمتعتهم. يقول محمد: "لم يكن لدينا خيار سوى الرضوخ لطلباتهم بعد أن دفعنا لهم كل هذه الأموال، ولأنه لم يكن في بالنا سوى الوصول إلى قبرص بأي ثمن". لكن فجأة، "وجدنا أنفسنا في عرض البحر، من دون أي دليل وراءنا، ولا أحد منا يعرف الوجهة الحقيقية لقيادة القارب، وبقينا 4 أيام كابوسية نواجه فيها الموت". يشير محمد أن الطفلين لم يحتملا الجوع والعطش، فماتا واحداً تلو الآخر، واضطروا إلى رميهما بالبحر بعد تصاعد رائحة جسديهما. هذا المشهد، تسبب بذعر وهلع كبير في القارب، فرمى محمد خلدون محمد نفسه في البحر للتفتيش عن منقذ لكنه ذهب ولم يعد، كذلك فعل شادي رمضان من دون أي يعد.
 
المفقود في البحر محمد خلدون محمد (27 عاما)

المفقود في البحر شادي رمضان (سوري الجنسية) كان يعيش في القبة مع زوجته اللبنانية بفقر مدقع


فجر السبت، رمى "البوب" نفسه في البحر كآخر محاولة، وفق روايته، وبقي يسبح في البحر حتى صباح اليوم التالي، إلى أن عثرت عليه قوات اليونيفل وتوجهوا إلى القارب. تابع محمد: "لا أصدق أنني نجوت بعد أن بقيت في الماء لساعات طويلة، وفي كل لحظة أشعر أنها الأخيرة في حياتي، بعد أن انتفخ جسدي بالماء وتكسرت أسناني من ملوحة البحر، وامتلأ جسدي بالجروح من عقص الأسماك البرية".  

يصف محمد تجربته بـ "فيلم الرعب"، في وقت يطالب أهالي المفقودين من آل محمد وغيرهم قوات اليونيفل بالتفتيش عن جثث أبنائهم الفقودة في البحر. وفيما يصر مئات الشباب على تكرار تجربة الهروب عبر البحر، يؤكد "البوب" أنه لا يتجرأ على فعلها مرة أخرى. قال: "لا أنسى مشاهد الموتى على القارب وقد خسرناهم واحداً تلو الآخر، ولا أنسى الصراخ والرعب، ونحن بين السماء والماء من دون طعام ولا شراب، بعد أن وقعنا ضحية متآمرين وتجار بالبشر نطالب بمحاسبتهم، قبل أن نجبر على الانتقام منهم في حال التقينا بهم".  

لكن "المجرم الأكبر بحقنا" وفق محمد الذي ترك المدرسة من الصف الخامس، هو "هذه السلطة التي جعلتنا نعيش بذل يومي". و"لو لم نكن نرزح تحت خط الفقر وعاطلين عن العمل ونشتهي كسرة الخبز، لما لجأنا لهذا الخيار الانتحاري"، على حد قوله.  


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها