آخر تحديث:15:28(بيروت)
الأحد 13/09/2020
share

عرب خلدة وولاءاتهم الممزّقة.. سطوة حزب الله وكرم برّي

محمد أبي سمرا - نبيلة غصين | الأحد 13/09/2020
شارك المقال :
عرب خلدة وولاءاتهم الممزّقة.. سطوة حزب الله وكرم برّي وتبقى في صدورهم صيحات الدم العشائري المسفوح (مصطفى جمال الدين)
يصرُّ عرب خلدة - يعدّون، حسب إحصاءات  بعضهم التقديرية، مابين 4 و5 آلاف نسمة من سليلي عشائر عربية قديمة توطنت في خلدة، ويتباهى المتحدرون منها اليوم بأنها كانت من "حماة الثغور" العربية والإسلامية منذ 1400 سنة - يصرون على استمرار آل شبلي، الذين قتل شاب منهم فتاهم حسن زاهر غصن، في جلائهم من ديارهم ومنزلهم وأملاكهم في خلدة، حتى خفوت صيحات دمهم العشائري. وهذا استجابةً للأعراف والتقاليد العشائرية العربية المقيمين عليها متوارثة عن أسلافهم، وحيّة راعفة في جوارحهم حتى اليوم.

وقتيل آل غصن، إلى جرحى ثمانية منهم بينهم الشيخ عمر غصن، إضافة الى قتيل آخر سوري، أصيبوا جميعاً قبل أكثر من أسبوعين أمام "سنتر شبلي" و"سوبرماركت رمال" في خلدة، برصاص هجوم ثأري أو تأديبي دبّره وقام به علي شبلي مع زمرته الشيعية المسلحة المستقوية بحزب الله، فأغاروا على أبناء عشائر العرب السنّة المقيمين على تلال خلدة، بعد إقدام بعض أبناء العشائر على نزع لافتة عاشورائية عليها صورة حسن نصرالله وسليم عياش، وكان شبلي قد نصبها أمام السنتر الذي يملكه أهله، وتقع فيلّتهم غير بعيدة منه.

والحادثة هذه التي لها سوابق وذيول تجاوزت مضاعفاتها منطقة خلدة وعربها، وتزامنت مع سلسلة من حوادث دامية في مناطق مختلفة، منها المتصلة بالمناسبة العاشورائية، ومنها غير المتصلة بها.

في مكتب تأجير سيارات
وفي زيارات لخلدة وعربها، لتقصي ذيول الحادثة وسوابقها وتبعاتها، وللتعرف على أحوالهم وعلاقتهم بسكان خلدة الشيعة، التقينا بكثرة من أبناء العشائر في مجالسهم وديوانياتهم أو مضافاتهم المسائية التي تجمع شملهم وتجدّد الحوادثُ التئامه وتبعثُه قوياً وتوسّعه، حول مناقل الجمر والرماد وأباريق القهوة التي تدور عليهم فناجينها الكرتونية في سهرات الأحاديث الفوضوية الطويلة المستمرة أحياناً حتى ساعات متأخرة من الليل.

لكن جلستنا الأولى كانت في مكتب لتأجير السيارات غير بعيدٍ من موقع الحادثة الدامية التي حصلت في حوالى الخامسة مساء، وأدت الى استنفار شبان العرب ورجالهم المسلحين وإطلاقهم زخات رصاص غضبهم طوال الليل تقريباً، وإحراقهم مبنى سنتر شبلي وسوبر ماركت رمال، ثأراً وانتقاماً لقتيلهم وجرحاهم.

وفي جلستنا بمكتب تأجير السيارات لشاب من آل غصن، اجتمع والد القتيل وعدد من شبان العرب الذين لا تزال الحادثة تجمعهم وتجدد أحاديثهم اليومية. وفي المبنى المؤلف من طبقتين كان لافتاً تعليق صورة على مدخله لشاب يقف مبتسماً على شرفة، ويضع على عينيه نظارتين شمسيتين سوداوين، ويمسك بيده حديد سياج الشرفة خلفه، مزهواً بشبهه بنجوم أغاني الفيديو كليب. وفي أعلى الصورة وأسفلها مدونة العبارتين التاليتين: "لا تحزن يا أبي ويا أمي فإن الله معكن" و"لا تحزني يا عشائر العرب فإن الله حاميكن". والأرجح أن هذا الشاب كان قد قُتل قبل سنوات في واحدة من خلافات العشائر في ما بينها بخلدة.

وفي المكتب المفروش بمقاعد جلدية سوداء، سألنا عن أحوال العمل وتأجير السيارات وقلة زبائنه في أحياء خلدة العشائرية على التلال، متعللين بالأزمة الاقتصادية وضيق الأحوال وانعدام السياحة التي يتطلبها تأجير السيارات في المنطقة، فقال صاحب المكتب إن عمله يعتمد على زبائن من خارج المنطقة.

العشائر وآل شبلي
كانوا كثيرين في المكتب. واستمر التحادث معهم نحو ربع ساعة للعثور على بدايةٍ وخيطٍ للكلام والحوادث المتدافعة. وكان الحديث عن آل شبلي هو بداية العثور على ذلك الخيط. ففي نهاية التسعينات عاد عصام شبلي من مهجره في الكويت، وهو من قرية جنوبية اختلط ذكر اسمها على المتكلمين الكثيرين في المكتب. وشبلي هذا شخص من شيعة كثيرين، من آل السباعي وفواز وأبو الفضل، اشتروا أراضي حول أحياء العرب وتتخللها في خلدة، فشيدوا عليها عمارات، بعضهم أقام فيها، وآخرون باعوا شققها أو أجّروها. ويشدد المتكلمون العرب على حسن الجوار بينهم وبين الشيعة، ومنهم عصام شبلي نفسه الذي شيّد فيلا وأقام فيها مع زوجته وأبنائه الثلاثة محمد وحسين وعلي وابنته نجلاء. وهو شيد أيضاً مبنى تجارياً ضخماً أنشأ فيه سوبرماركت كبيراً أدارته ابنته وعمل فيه كثرة من شبان العشائر. وفي سنتر شبلي هذا صالة أفراح وأعراس ضخمة، وكثرة من المكاتب والمحال التجارية، إلى عيادات أطباء وصيدلية.

ويؤرخ المتكلمون العرب لتوتر العلاقة بينهم وبين علي شبلي بمقتل أخيه حسين شبلي سنة 2013 في عداد مقاتلي حزب الله في سوريا، وبوفاة والده بداء السرطان. وحدث ذلك بالتزامن مع تدني أحوال سوبر ماركت شبلي التجارية، فباعه الورثة من الأخوة شبلي وأجروه لأبو عامر رمال الذي غيّر اسمه إلى سوبرماركت رمال، فانطلق مجدداً وتحسنت أحواله وتوسعت مبيعاته. وكان الأخوة شبلي الثلاثة قد تزوجوا وسكنوا في الفيلا التي شيدها والدهم. ووحده محمد لم يوالِ حزب الله ولا انتسب إليه، على خلاف أخويه حسين القتيل في سوريا وعلي الذي ربما صدمه مقتل أخيه، فأصيب برضّة نفسية.

وفي مناسبة عاشوراء سنة 2013، أطلق علي النار على فتىً من عشائر عرب خلدة يدعى بكر، هو ابن عم والد القتيل الجديد حسن زاهر غصن، لأنه رآه ينزع صوراً عاشورائية عن جدار، فأصابه في رجله. وبحسب الرواة في مكتب تأجير السيارات، أدت الحادثة إلى توقيف الفتى المصاب أياماً سبعة في سجن الأحداث، فيما ظل علي شبلي، مطلق النار عليه، حراً طليقاً، فلم يوقفه أحد، ولا استدعي إلى تحقيق في مخفر لقوى الأمن.

علي شبلي وزمرته المسلحة
ويشدّد الرواة من عرب خلدة على أن مشكلتهم لم تكن مرة مع الشيعة المقيمين في جوارهم، ولا مع حزب الله ولا مع حركة أمل التي لها حضورها في خلدة منذ العام 1982. بل إن مشكلتهم تقتصر على عدوانية علي شبلي وشراسته مع زمرته المستقوين بسطوة حزب الله ونفوذه في لبنان. وهم يقولون إن علياً قاتل في سوريا بعد مقتل أخيه حسين هناك. واعتماداً على مدخوله المالي الوفير من إيجارات سنتر شبلي، شكّل مجموعة مسلحة من أمثاله الشبان الشيعة واستقوى بحزب الله الذي يقيم لمحازبيه ومواليه أعراساً في صالة شبلي للأفراح في السنتر.

ويُستشف من روايات عرب خلدة أن علياً ومجموعته المسلحة، على شبهٍ ما بزُمر شبان سلاح "الثنائي الشيعي" للدراجات النارية، تلك التي يحميها "الثنائي" ويرعاها ويستعملها لأغراض وغايات معروفة. ويرى الرواة العرب أن علي شبلي ومجموعته لا ينتمون تنظيمياً لحزب الله، بل إن الحزب إياه الذي يستقوون به، اعتمدهم جسراً لإثبات وجوده في ساحل خلدة، ولاختراق المنطقة ومد نفوذه فيها. وشبان زمرة شبلي ليسوا من المقيمين في خلدة، بل هو لمَّ شملهم من سكان الساحل الشيعة في وادي الزينة ومجمع داوود العلي ودوحة الحص وصحراء الشويفات.

ويظهر من أحاديث الرواة العرب أن شبلي وزمرته المسلحة هم نوع من شلل شبان شيعة، جمعت سطوةُ "الثنائي الشيعي" وغوايةُ السلاح أهواءَهم وشملَهم في أحياء ومناطق كثيرة، وخصوصاً المختلطة طائفياً، فتوسلوا هاتين الغواية والسطوة سبيلاً إلى فرض هيبتهم وتسلطهم على تلك الأحياء والمناطق. وهذا ما يبعث فيها الاحتقان والعداوات الطائفية التي تنفجر في أوقات متفرقة هنا وهناك، بعدما ينفذ صبر أهالي وشبان الأحياء من الطوائف الأخرى السنية غالباً (شأن عرب خلدة) والمسيحية أحياناً (شأن عين الرمانة والنبعة)، فيعمدون إلى ردودٍ عنيفة على التسلط والاعتداءات والمهانات التي يتعرضون لها من تلك المجموعات والزمر الشيعية المستقوية عليهم بنصب أعلام "الثنائي" وشاراته وصور شهدائه وأبطاله وزعمائه، وبالسلاح أحياناً.

ويبدو أن منظمتي "الثنائي الشيعي" لا تمانعان استقواء هذه الزمر والمجموعات بهما، بل تريدانه وتحبذانه في السر والخفاء، وتتنصلان وتتبرآن منه في العلن، وتنسبان أفعالها إلى فورات شعبية وجماهيرية عفوية وتلقائية، فتعمدان إلى إطفائها، بعدما تكون تلك الزمر والمجموعات قد روّعت الأهالي غير الشيعة وأذلتهم، وحملتهم إما على الاحتقان والردود الثأرية العنيفة، وإما على السكوت والإذعان. وهذا ما يتناسب في الحالتين مع السياسات الأهلية الطائفية التي لا تعتمد المنظمتان الشيعيتان سواها سبيلاً إلى قوتها الترهيبية في لبنان، باسم "مقاومة إسرائيل والعدو الصهيوني"، و "أذنابه وعملائه في الداخل".

وعرب خلدة المستقوين بعصبيتهم العشائرية أكثر وفوق استقوائهم بسنيتهم الطائفية، يعيشون حيرة وخوفاً وإزدواجاً، بل تمزقاً، حيال سلوك حزب الله هذا تحديداً، ويبرؤون منه حركة أمل. لكنهم لا يكفون عن القول إن لا مشكلة لديهم مع حزب الله في مقاومته إسرائيل، وإنهم قبله انخرطوا فيها في منظمة فتح الفلسطينية في سني الحرب الأهلية (1975-1990). لكن مشكلتهم مع "الأزعر" الذي يستقوي عليهم في ديارهم العشائرية، وينسب قوته هذه إلى حزب الله ويستظل بها. وهم في هذا السياق يلومون صحيفة "البروباغندا وجز الرؤوس" ويصبون غضبهم عليها، لأنها كتبت أنهم "جَلَبْ"، أي طارئين على خلدة. وهنا يروحون يبرزون على شاشات هواتفهم الخلوية صوراً لسجلات قيدهم الرقم واحد في المنطقة، ولمستندات ملكيات عقارية قديمة، قائلين إنهم "أمراء خلدة" الأقدم والأعرق، مذ كان أجدادهم "حماة الثغور" العربية والإسلامية، فيما السكان الآخرون جميعاً في خلدة أحدث وفادة وإقامة منهم بمئات من السنين. وهم وحدهم لا يزالون مقيمين على عادات وتقاليد أجدادهم الأقدمين العشائرية، التي تستوجب جلاء القاتل علي شبلي وأهله من المنطقة واقتصاص القضاء اللبناني منه جراء جريمته، كي تهدأ في صدورهم صيحات الدم العشائري المسفوح أمام سنتر شبلي، طالبين من حزب الله وسواه من الأحزاب أن يساعدهم في ذلك.

هذه عاداتهم وأعرافهم التي ليس لديهم سواها لتدبير خلافاتهم ومنازعاتهم، مع الآخرين وفي ما بينهم. وبكل فخرهم واعتزازهم العشائري يروون أن خلافاً نشب في خلدة قبل سنوات خمس بين آل عسكر وآل نوفل، وهم من العشيرة نفسها، فقتل شاب من عسكر شاباً من نوفل. لذا اجتمعت العشائر في المنطقة وأجلت عنها آل عسكر جميعاً، فصدعوا صاغرين للعرف العشائري بكل شرف وعزة: جلوا وتغيبوا مدة عن ديارهم في خلدة، تلافياً لصيحات الدم العشائري في صدور آل نوفل، أهل القتيل. وهكذا علمنا أن الشاب، شبيه مغني الفيديو كليب، المعلقة صورته على مدخل المبنى، هو ذاك القتيل.

العشائر وذبائح أسبوع القتيل
ويقول العرب إن الحادثة الكبرى الأخيرة في خلدة - و"بطلها" القاتل علي شبلي، وقتيلها الفتى حسن زاهر غصن، إضافة إلى جرحاها الثمانية، ومنهم الشيخ عمر غصن، فيما يلف النسيان التام، كالعادة، القتيل السوري - هزت عشائر لبنان كلها، سنة وشيعة: من البقاع، إلى الهرمل وبعلبك، ومن الجنوب إلى عكار. ذلك أن العرف العشائري يقول بحسبهم: "أنا وأخي على ابن عمي، وأنا وأخي وابن عمي على الغريب". والغريب في حادثة خلدة هو علي شبلي، فيما تنادت العشائر السنية والشيعية لنصرتهم في ذكرى أسبوع قتيلهم. وحين نسألهم عن سبب تعاطف العشائر الشيعية الموالية "للثنائي الشيعي"، معهم هم السنة، يقولون إن العشائر جاءت من المناطق كلها إلى الاجتماع في خلدة، ومنها العشائر الشيعية التي توالي حزب الله، وتريد أن يظل كل من موقعها ورابطتها العشائريين محفوظين لديه، ويعلوان ولاءهم له. وهو بدوره لا يكسر هذه المعادلة، لئلا ترتدّ عليه وتؤذيه في حال كسرها.

وهم في روايتهم هذه يعتزون ويفاخرون باجتماع شمل العشائر السنية والشيعية للمرة الأولى على دم قتيل، هو قتيلهم الفتى وصيحات دمه في العشائر كلها. لذا نحروا في ذكرى أسبوع قتيلهم واجتماع العشائر في مناسبته، 20 رأس غنم وأولموا عشرات الكيلوغرامات من الأرز، لحوالى 1300 شخص حضروا المناسبة في ديوانية أو مضرب عشائري، هو الأكبر والأفسح على شاطئ خلدة. ومن بواعث اعتزازهم وتباهيهم حضور أحد مقدمي عشيرة الدنادشة أسبوعهم. وهو طارق دندش اللامع والمربي الذي يملك ويدير مدارس خمساً في الهرمل. فألقى كلمة عشيرته في المناسبة، وحزب الله يحسب له حساباً في عشيرته ودياره. لكن أشد ما أثنى عليه محدثونا واعتبروه سابقة عشائرية استثنائية في لبنان، هو اتفاق العشائر المجتمعة في خلدة على كلمة سواء واحدة: المطالبة باستمرار جلاء آل شبلي من فيلتهم وملكهم في خلدة، حتى الاقتصاص القضائي والقانوني من "بطل" المقتلة في خلدة، علي شبلي.

سلاح العشائر وذخائرها
وأنا من شهدت موكب تشييع القتيل إلى مثواه الأخير في خلدة، ورأيت عشرات البنادق وسمعت زخات رصاصها في الهواء أثناء الموكب، سألت في جلسة مكتب تأجير السيارات عن مصدر السلاح والذخيرة، فقال أحد الحاضرين: نحن معنا سلاح من زمان، من أيام جدودنا. ولا نرضى أن يوزع علينا أحد السلاح. وما أن يبلغ كلٌ منا السادسة عشرة من عمره، يروح يدخر بعض المال ليشتري قطعة سلاح. ثم يروح يدخر ثانية ليشتري مماشط وذخيرة لبندقيته. وهذا على الرغم من أن سعر الرصاصة الواحدة اليوم صار دولاراً. وحين سألنا محدثنا من أين تتوافر لشبان العرب ورجالهم هذه الدولارات كلها، قال: شرفنا وكرامتنا أغلى من المال كله، والله المدبر.

لكن محدثنا نفسه، أشار في سياق آخر من كلامه، إلى أن معظم مطلقي زخات رصاص بنادقهم الرشاشة الوفير في تشييع قتيلهم، ليسوا من عرب خلدة، بل جاءوا من الطريق الجديدة ومن عشائر عكارية وبقاعية لمؤازرة عرب خلدة في مصابهم الأليم. وهنا تدخل والد القتيل في الحديث راوياً أن سيدة يعرفها من أمراء خلدة الدروز اتصلت به لتعلمه بأنها آتية لتعزيه. ولما وصلت في سيارة يقودها سائقها، لمح في السيارة بين قدمي الأميرة قطعة سلاح.

ومساء اليوم التالي كنت أقص شعري في صالون حلاق بالطريق الجديدة، فسألته عما يعرفه عن الاشتباكات التي دارت في الفاكهاني بين آل كرومبي وآل ششنية، وسقط فيها قتيل من آل كرومبي. ومن ما رواه لي أن تجارة السلاح نشطت بقوة، ليس في الطريق الجديدة وبين عصابات شبان شوارعها وأحيائها الداخلية فحسب، بل في لبنان كله، وارتفع سعر رشاش الكلاشينكوف إلى أكثر من ألف دولار.

ولاءات عرب خلدة الممزقة
أخيراً، في أحاديثهم عن محطات ومنعطفات من وقائع "تاريخ" عرب خلدة "السياسي والعسكري" المعاصر للحرب الأهلية وما بعد الاجتياح الإسرائيلي للبنان صيف 1982، روى زاهر غصن، والد القتيل، أن صيت معركة خلدة التي خاضها شبان خلدة العرب ورجالهم ضد الجيش الاسرائيلي في ذلك الصيف، بسلاحهم حين كانوا مناصرين لحركة فتح الفلسطينية، استغلته حركة أمل والحقته بأمجادها ومقاومتها. وحينما قيل لرئيس الوزراء شفيق الوزان آنذاك: "عندك عرب سنّة في خلدة، قال الوزان: ليش في سنّة في خلدة؟!".

أما المير مجيد أرسلان - الذي قال زاهر غصن إنه يوالي حزب ابنه المير طلال اليوم - فكانت زعامته في ساحل عاليه أقوى وأوسع بكثير من زعامة كمال حنبلاط. وأضاف زاهر: "كان المير مجيد زعيماً عشائرياً، ويحب العشائرية، في أيام أجدادنا وآبائنا الذين كان التقليد العشائري أقوى وأشد حضوراً في حياتهم، عندما كانت كلمة شرف واحدة تجمعهم. أما اليوم فشباننا وسائر الشبان في الجنوب وطرابلس وضاحية بيروت الجنوبية، مدمنين على المخدرات وتناول الحبوب المخدرة. وبعضهم يصلي في المساجد بعد تناوله حبوب الكبتاغون".

وروى زاهر أيضاً أن بعض مشايخ عشائر عرب خلدة، ذهبوا إلى الرئيس رفيق الحريري، ربما قبيل انتخابات العام 2000 النيابية، وقالوا له عددنا في خلدة ما يتجاوز 4 آلاف شخص، ونحن تابعين انتخابياً وبلدياً للشويفات، ولم نحصل على عضو بلدي ومختار فيها إلا بصعوبة بالغة وبعد مناكفات شاقة. وطلبوا منه أن يساعدهم في إنشاء بلدية خاصة بهم، لكنه تجاوز الموضوع وغيّر حديثه معهم. وهم علموا لاحقاً أنه فعل ذلك خشية من السوريين ومراعاة لوليد جنبلاط. وأضاف زاهر: "ها نحن اليوم مشطورين شطرين في ولائنا الإنتخابي وسواه: بين الحزب الاشتراكي الجنبلاطي، والحزب الديمقراطي لطلال أرسلان. وهناك مجموعات من شبابنا مع الحراك المدني وثورة 17 تشرين. وأنا مثلاً منتسب إلى حزب المير طلال أرسلان، وكلمتي عنده لا تصير اثنين. لكنني ككثيرين من العرب ومشايخ عشائرهم هنا، نوالي أحياناً حزب الله. ومرة خطر لي أن أتشيّع، وعلّقت في منزلي صورة لعلي ابن أبي طالب الذي نحن العرب أولى به من سوانا. فجاء إليّ أخي أبو بكر وطلب مني أن أنزع الصورة، لأنها لا تناسب هويتنا العشائرية العربية، فنزعتها. واجتمعت مرات مع مسؤول في حزب الله، عازماً على الانتساب إليه ونيل مبتغاي. وقد صوّرت اجتماعاتي معه بهاتفي المحمول. عزمت على ذلك لأكون كغيري من بعض مشايخ عربنا الذين يقبضون أموالاً من حزب الله في السر، ويرددون في العلن أنهم لا يوالونه. وأنا عندي أبناء شبان خمسة أريد أن أعيشهم وأعلمهم. سعد الحريري منبطح، وكذلك وليد جنبلاط. الكل منبطح أمام حزب الله. فماذا أفعل، وكيف أرفع رأسي؟! لقد أخذوا البلد كله. (إيمانويل) ماكرون معهم. الله معهم. العالم كله معهم. وأنا معهم. لكنهم لا يقبلون بي ويستريبون مني. وهم قتلوا ابني. وأعرف شخصاً سوف يساعدني على تقديم طلب لجوء سياسي إلى بريطانيا".

كرم الرئيس بري وحنكته
وختم والد القتيل كلامه، قائلاً: "أنا أحترم دولة الرئيس نبيه بري، لأنه زلمي قبضاي، ويتمتع بحنكة". وروى زاهر غصن أن جماعة من العرب كانت تنزل مع قطعانها قرب قصر الرئيس بري في المصيلح. وسرعان ما بادر إلى توطينهم وانشأ لهم بلدية ومنصب مختار منهم، فصاروا مقيمين في ما يشبه قرية خاصة بهم. وهم في المقابل يوالونه ولاء مستميتاً. فإذا سمعوا شخصاً ما ينتقده، يسارعون إلى ردعه وإسكاته، والدفاع عن الرئيس الذي عرف، بحنكته واقتداره، كيف يكسب ولاءهم. وهذا على خلاف الرئيس رفيق الحريري الذي خشي من أن ينشئ لنا بلدية خاصة بنا في خلدة، ومستقلة عن بلدية الشويفات".

ذكّرت هذه الرواية صاحب مكتب تأجير السيارات بجماعة من العرب ينزلون في بنايات في خراج مدينة مرجعيون، وتعرّف إليهم حينما كان مرة يوزع مساعدات هناك. أخبره سكان تلك البنايات العرب أن الرئيس نبيه بري وزّع عليهم شققاً في تلك البنايات لقاء دفع كل عائلة منهم عشرة آلاف دولار رمزية، فوالوه وهم يصوتون له في الانتخابات النيابية.

وقبل أن نغادر مكتب تأجير السيارات، رنّ هاتف والد القتيل، فأدار شاشته نحونا قائلاً: "انظروا، انظروا. جاد جنبلاط يتصل بي". ثم هبّ الرجل واقفاً وغادر المكتب إلى الخارج، منصرفاً إلى محادثته الهاتفية، وهو يكاد يتراقص فرحاً. وبعدما عاد إلى المكتب، قال: "جاد قادم لتعزيتي، وهو ابن عم وليد جنبلاط، وأمه السيدة ريما إرسلانية، ويوالي المير طلال". وبعد دقائق قليلة، وصل الشاب الجنبلاطي - الإرسلاني، فهبّ الحاضرون العرب هبة رجل واحد لاستقباله وتلقي التعازي بالفتى القتيل.

إنه موسم زهو العرب وفخرهم بقتيلهم.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها